عشرات المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسمى حملة نظافة، ومئات من أعضائها يناقشون برامج وتكاليف تزيين وتنظيف أحيائهم وساحات مدنهم وقراهم، إضافة إلى مئات الصور لمواطنين من مختلف الأعمار وهم ينكبون على أشغال الترميم والتزويق في الشوارع. هكذا بدا المشهد في تونس خلال الأيام القليلة الفارطة، في تمثل آخر لتواصل حالة النشوة الجماعية بمسار العملية الانتخابية. فبعيدا عن المسرح السياسي حيث تستعر النقاشات واللقاءات استعدادا للحقبة المقبلة، ينفض الشارع التونسي الغبار عن مشاهد غابت منذ 8 سنوات، حين عاش الشعب التونسي لحظات من حالة وعي استثنائية سرعان ما خبت مع تعاقب الخيبات السياسية في السنوات اللاحقة.

 

من دعوات فردية ومبادرات شخصية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، إلى حملة وطنية واسعة لتنظيف الشوارع والساحات، اجتاحت في أيام قليلة مختلف المحافظات التونسية. هذه المبادرة التي استقطبت آلاف المواطنين وأثارت إهتمام وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، كانت إمتدادا لحالة الفرح بنتائج الانتخابات وتعبيرا جديدا عن مناخ الأمل الذي ساد شريحة واسعة من التونسيين. حيث تواصلت ردود أفعال الناس بعد احتفالات الإعلان عن نتائج الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في 13 أكتوبر 2019، والتي أسفرت عن فوز أستاذ القانون الدستوري، نحو فعل مواطنيّ على الأرض تمثّل في تحركات تطوعية للنظافة ستبلغ ذروتها في إعلان تحرّك "نظّف بلادك" لتنظيف الطرقات والأحياء والميادين على المستوى الوطني يوم الأحد 20 أكتوبر 2019.

 

البداية كانت من مدارج المسرح البلدي

بعد تواصل الاحتفالات لساعات أمام المسرح البلدي في شارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة تونس، كان لا بدّ لطاقة الفرح التي انفجرت في جموع المحتفلين، أن تتخذ مظاهر أخرى، وهي التي غابت عن تحركات الشارع التونسي الذي تعوّد خلال السنوات المنقضية على الغضب أو الإحباط. سرعان ما تبلورت قنوات تصريف هذا المناخ العام لتتحول سريعا إلى دعوات في مواقع التواصل الاجتماعي لترجمة الحدث السياسي إلى حراك مجتمعي. هذه الظاهرة التي بدأت تحت مسمى "حملة نظافة" لتتطور لاحقا التسميات لتُعرف اليوم لدى العموم بوسم "حالة وعي"، لم تكن منفصلة عن المعطى السياسي. البدء بالنظافة، لم تكن خطوة اعتباطية من قبل مطلقي الحملة وناشطيها، والذي ينتمي أغلبهم إلى أنصار ومؤيدي الرئيس الجديد قيس سعيّد. فرمزية هذه القيمة تتجلى في كونها كانت نقطة الارتكاز الرئيسية في الحملة الانتخابية لمرشحهم. هذه المبادرة التي بدأت بتنظيف الشوارع في انتظار توسع حملة النظافة أو التنظيف على المستوى السياسي، أفرزت مشاهد لن تسقط من ذاكرة التونسيين لوقت طويل.

الصور التي انتشرت في كل محامل التواصل الاجتماعي، تطابقت مع المعطيات التفصيلية لطبيعة الكتلة الانتخابية لقيس سعيد. مئات من الشباب بمكانس منزلية، وأسطل بلاستيكية، وبعض علب الدهان، ينزلون إلى شوارع المدن التونسية ليعملوا طيلة ساعات على تنظيف أحيائهم وشوارعها وإعادة طلاء الجدران أو ترميم بعض الحفر في الطرقات. ولم تقتصر الحملات التطوعية على التنظيف فقط، بل قام المتطوعون بتزيين وزرع الورود ودهن الأرصفة ورسم ممرات التلاميذ أمام المدارس. ووصلت إلى حد إقدام مجموعة من الشباب في محافظة المهدية على الغوص لتنظيف قاع البحر.

أما وسط جموع المنكبين على العمل، فتتنوع الفئات العمرية والمستويات التعليمية والاجتماعية، ومن لم يسعه المساهمة لارتباطات مهنية، فساعات الليل تمنحه فرصة أخرى للمشاركة في عمليات التنظيف أو الطلاء. أما من خانهم الجهد البدني، فبمساعدات بسيطة استطاعوا أن يوفروا ما يكفي نسبيا لإنجاح هذه الحملة.

خلال أيام، اجتاحت الألوان المزركشة، التي تصل حد التنافر أحيانا، عددا من شوارع المدن التونسية. لكنها بعثت مشهدا مغايرا ومثيرا في متاهات الإسمنت بلونها الرمادي الكئيب الذي اعتادت عليه العيون، وربما اختزلت في تنوعها وتضاربها مع الذوق المعتاد حجم الهزة السياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع.

 

"العدوى" الحميدة

صدى حملة "حالة وعي" تجاوز صفحات مواقع التواصل الاجتماعي والمواطنين، لتصل إلى مؤسسات الدولة والمنظمات الوطنية. حيث تفاعلت وزارة الشؤون المحلية والبيئة بشكل إيجابي عبر إصدار بلاغ في 16 أكتوبر الجاري، دعت فيه البلديات لتعبئة جميع الإمكانيات من آليات ومعدات وأكياس في سبيل معاضدة ودعم الحملة الوطنية للنظافة يوم الأحد 20 أكتوبر. من جهة أخرى تحرك الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ليعلن عن مساندته للحملة وعن استعداد هياكله واتحاداته الجهوية والجامعة الوطنية لمؤسسات البناء والأشغال العامة لتقديم الدعم لهذه المبادرة التطوعية التلقائية.

استطاعت حالة الالتفاف الشعبي حول "حالة وعي" والدعم الرسمي أن تخلق حالة من عدوى الحملات التطوعية والتحسيسية حول مختلف القضايا، لتبدأ موجة جديدة من التفكير الجماعي لإطلاق حملات أخرى على غرار "حملة ازرع تونسي" و"استهلك تونسي" أو الدعوة إلى غرس مليون شجرة في عيد الشجرة الذي يوافق 12 نوفمبر المقبل، إلى جانب حملة أخرى للإحاطة بالمشردين وفاقدي السند. بل وتحولت بعض الاقتراحات إلى خطط عملية على غرار تطوع مجموعة من المواطنين لتنظيف حديقة الحيوانات "البلفدير" التي تعد المتنفس الطبيعي الوحيد في العاصمة التونسية، يوم السبت 19 أكتوبر 2019، إضافة إلى مشاركة عدد من البيطريين الذين سيتولون فحص الحيوانات.

مجالات الدعوات التحسيسية تجاوزت التنظيف أو الترميم، لتشمل مجالات أعقد وأكثر حساسية "، لعل آخرها وأكثرها نجاحا حملة "قاطع الغلاء" التي جمعت مليون متفاعل على مجموعتها الرسمية، لتحدث حركية حقيقية في الشارع وتنجح في إقناع الآلاف بمقاطعة البضائع والمنتجات الغذائية المرتفعة الثمن. كما بدأت النقاشات حول حملات جديدة تدعو إلى ضرورة التصريح بالدخل والممتلكات. في حين ارتكزت مبادرات أخرى على ضرورة إعادة الاعتبار إلى القانون ومحاربة التحيل والفساد والتهرب الضريبي وغيرها من المبادرات الأخرى التي يمكن اعتبارها صحوة جماعية حقيقية.

 

"حالة وعي": السر في الأمل

لم يكن المناخ العام في تونس قبل المحطة الانتخابية الأخيرة يشي بمثل هذه الصحوة إن صح التعبير. فبنسبة عزوف ناهزت 65% في الانتخابات البلدية سنة 2018، ولا مبالاة الشارع بمعارك تثبيت النفوذ التي شهدتها البلاد منذ سنة 2014، وتراجع زخم الحراك الاحتجاجي إضافة إلى الخيبة التي اعترت فئة واسعة من التونسيين بعد تمرير قانون المصالحة الإدارية، كانت جل التوقعات تشير إلى حالة من الاستسلام العام لواقع بدا أنه يسير بخطى ثابتة لتكريس مشهد سياسي لن يختلف في أسسه ولاعبيه الرئيسيين عن سابقه. لكن الصعود المفاجئ لأستاذ القانون الدستوري قيس سعيد إلى منصب رئاسة الجمهورية، ومن ثم تشكل مشهد برلماني بملامح مغايرة وقوى جديدة، مثّل الهزة التي أعادت الحركة للشارع التونسي، خصوصا وأن سعيّد نفض الغبار عن الأحلام الكبرى التي غابت وسط ضوضاء الفترة الانتقالية. فالرافعة الانتخابية للرئيس التونسي الجديد، والتي تتكون في 90% منها من الشباب، وبالخصوص من جيل الثورة الذي ترعرع وبلور وعيه السياسي وهو يراقب عثرات المسار الديمقراطي بفاعليه السابقين، أمسك بالأمل في التغيير وهو يتلقى خطابا يراهن على المبادرة الشبابية ورسائل توكل إليه مهمة التغيير لا انتظاره. هذه اللحظة بالذات، والتي تقاطعت مع غياب الدولة وتقصيرها في عديد الجهات والمجالات، أفرزت حالة وعي جماعي بضرورة قلب المعادلة وخلق البديل. من هذا المنطلق يمكن تفسير حالة الهبة الشعبية في هذه الحملات التطوعية التي تضعه في خانة الفاعل الاجتماعي والإقتصادي بعد أن استعاد ثقته بقدرته على الفعل على الصعيد السياسي وهو يفرض بالآليات الديمقراطية خيارا يتعارض مع السائد ومع مصالح القوى السياسية.

لكن الرهان الحقيقي، يكمن في تواصل هذه الحملات وتطورها لتصبح ثقافة مجتمع ككلّ، لا أن تتحول إلى واجهات دعائية لتيار سياسي أو آخر، لتجنب مآل صور الأيام التي تلت 14 جانفي 2011، والتي كادت تتحول بسبب التوظيف السياسي والخيبات المتتالية، إلى مشاهد باهتة استعادت بريقها اليوم بفضل جرعة أمل.