أقر رئيس الحكومة سعد الحريري ومعه الكثير من القوى السياسية بتعطيل الدولة وبسوء السلوك السياسي معلنا تفهمه لغضب الناس ووجعهم. بعد ساعات قليلة، كانت جزم عناصر مكافحة الشغب تعمل لبطا ودعسا، ضد من قبضوا عليه وهو يفر من القنابل المسيلة للدموع؛ لنشهد بذلك مفارقة قوامها انتقام من متظاهرين ادعى رئيس الحكومة تفهمهم وأنه أخطأ بحقهم. فهل تنتقم السلطة من ضحاياها أم تعتذر منهم؟ بعد ساعات من اعتقالهم، تم الإفراج عنهم، في مشهد يظهر تضعضع السلطة التي لا تجد حرجا في دلق طاسة ساخنة بعد البادرة. وكان من اللافت أيضا أن المعتقلين أشادوا بعناصر المخفر الذين أبدوا تفهما وتضامنا معهم. المفكرة توثق بعض شهادات الموقوفين لحظة الإفراج عنهم (المحرر).  

 

انتشرت مساء الجمعة في 18 تشرين الأوّل صورة لشبّان معتقلين وممدّدين على الأرض في ساحة رياض الصلح، وفتحت النقاش حول مدى صحّة هذه الصورة، فجاء المشهد أمام ثكنة الحلو في بيروت ليؤكّدها ظهر السبت في 19 تشرين الأوّل.

بحرقتها على ابنها علي، تصرخ والدته بوجه عناصر قوى الأمن التي تحرس ثكنة الحلو، هي التي تنقّلت بين المخافر من الصباح حتّى تعرف مصير ابنها. تستنكر اعتقاله ورفاقه ("شو سرّاقين ت تعتقلوهن")، وتعتبر أنّ الدرك يجب أن يخلعوا بدلاتهم العسكريّة وينضموا إلى الشعب، ليجيبها أحد المتواجدين هناك أنّهم لو يستطيعون فعل ذلك لقاموا به. ظلّت والدة علي تنتظر ابنها ليخرج من الثكنة وموجّهة غضبها نحو العناصر الذين كان بعضهم يهزّ رأسه موافقا على كلام الأمّ: "انشالله بتشتهيوا اللقمة لتعرفوا شو قيمتها، ولتعرفوا شو يعني فقر".

ومن شارع صائب سلام يركض والد رامي، أحد المعتقلين الغاضب متوجّها صوب ثكنة الحلو وهو يكيل الشتائم للقوى الأمنيّة والدولة التي خدم فيها 28 سنة. هو الوالد الذي يتنقّل من الساعة السابعة صباحا حتّى الثالثة بعد الظهر بين ثكنتي الحلو والرملة البيضاء، دون أن يأخذ أيّ خبر صحيح عن ابنه من كلتا الثكنتين.

وفي وسط تجمّع المتظاهرين وأهالي المعتقلين، أتى أحد الأهالي ورمى الوقود على جسده بغية حرق نفسه، قبل أن يوقفه المتظاهرون، وسط خروج القوى الأمنية من قلب ثكنة الحلو لمواجهة غضب المنتظرين في الخارج.

كرّر معظم المعتقلين الذين خرجوا ظهر السبت من الاعتقال أنّ المعاملة داخل الثكنة كانت جيّدة مقارنة بالذي حصل معهم من لحظة اعتقالهم وحتّى وصولهم إلى المخفر عند الساعة الواحدة بعد منتصف ليل السبت. فيذكر أحد المعتقلين أنّ بعض عناصر الدرك قاموا بتأمين الطعام لهم وتزويدهم ببعض المال، ويؤكّد آخر أنّه لم يشعر أنّه كان في زنزانة مقارنة بالحالة التي كان فيها بعد ضربه في ساحة رياض الصلح "هون كانوا كتير مناح معنا، ما حدا أذانا".

مضى المعتقلون على محاضر كتبت بحقّهم تنهيهم عن تكرار أعمال الشغب التي نكر معظمهم أنّهم قاموا بها، وذكر معتقل آخر أنّهم طلبوا أرقام هواتفهم لاستجوابهم لاحقا أمام قاضي التحقيق. فيما ذكر عددٌ آخر أنّهم مضوا على محاضر دون أن يعرفوا مضمونها.

أكّد الذين خرجوا من ثكنة الحلو بالمقابل أنّهم تعرّضوا عند توقيفهم للضرب لمدّة ساعتين تقريبا وهم ممدّون على الأرض في رياض الصلح. "اعتبر الأرض متل إمّك أو مرتك، بدّك تبوس الأرض"، هكذا قال أحد عناصر مكافحة الشغب لمعتقل تجنّب ذكر اسمه لتخوّفه من أيّة ملاحقة. وأضاف أنّ كلّ من أزاح أنفه قليلا عن الأرض كانت العناصر الأمنيّة تضربه. تعرّض المعتقلون للضرب من كلّ عنصر يمرّون بجانبه وهم مساقون من مكان اعتقالهم حتّى ساحة رياض الصلح حيث أجبروهم على التمدّد أرضا.

تتجنّب عناصر مكافحة الشغب بضربها الهمجيّ للمتظاهرين عندما ترصد كاميرا تصوّرهم. يقول المعتقل خالد كريديّة إنّ ضابطا طلب وقف ضرب الشباب حين رأى كاميرات تصورّهم. ويزيد هادي الخنسا أنّ أمرا يقضي بسوق الموقوفين الممددين على الأرض على سيارات القوى الأمنيّة أتى بعد معرفتهم أنّ الإعلام سيأتي ليصوّر ما يحصل.

يخبرنا طارق، أحد المعتقلين كيف كان واقفا بطريقة سلمية مع قوى الأمن في رياض الصلح، وأكّد أنّ عددا كبيرا من العناصر يعرفه، ولكنّه حين هرب من قنابل الغاز ليقف إلى جانب العناصر الواقفة في الخلف، قام العناصر باعتقاله وضربه: "أخدوني وضربوني شي ميّة واحد". يصف أحمد اعتقاله بالمتوحّش وغير الطبيعي، فكانت العناصر تعتقل أيّ شخص تراه أمامها. سمع أحمد عنصرا يخبر زميله بأنّ معظم المعتقلين لا دخل لهم بأعمال الشغب، فجاء الردّ: "عرفان بس بدّي فش خلقي".

تمسك إحدى الأمّهات يد ابنها لحظة خروجه من ثكنة الحلو وتُظهر للناس والإعلام المتواجد آثار الضرب على جسد ابنها، هو الطالب الذي يعمل كي يستطيع تأمين تعليمه. يذكر هذا المعتقل أنّه ضرب داخل السجن أيضا، وأنّه وآخرون من المعتقلين التي تظهر عليهم آثار التعنيف تمّ سوقهم في فان من ثكنة الحلو على الطريق البحريّة ليكونوا بعيدين عن الإعلام: "زتّوني زتّة الكلاب وهربوا".

يخبر نزار نجّار أنّ 6 أو 7 شبابا هم الذين حقّق معهم في الثكنة، وأنّ هؤلاء والآخرين وقّعوا على تعهّد بعدم تكرار "تخريبهم للأملاك العامّة" واصفا ذلك بالسخيف لأنّ لا دليل على ذلك أبدا. أمّا هادي فكان ذاهبا لإحضار درّاجته الناريّة من رياض الصلح، فتلقّى اتهامات من عناصر القوى الأمنيّة بأنّه هو الذي جرح أحد العناصر، فضربوه هناك مع الشباب الآخرين. وفي الثكنة، طلبوا منه تجنّب النزول إلى مظاهرات "لأنّه القصّة بتكبر أكتر من هيك". وأشار إلى أنّهم كانوا أكثر من 45 معتقلا في غرفة واحدة قبل أن يقسموهم إلى مجموعتين صباح السبت: "كنا نايمين الراس عالإجر".

محمّد صقر كان أحد الذين وقعوا على محضر لم يعرفوا مضمونه، وأخذوا رقم هاتفه لاستجوابه لاحقا. ورغم تنبيههم من النزول إلى الشارع مجدّدا، يقول محمّد: شو ما قالوا بدنا نرجع ننزل".

أمّا المعتقل الذي طلب عدم ذكر اسمه، فكان قد أخذ إذنا من عنصر في القوى الأمنيّة بالدخول لأخذ درّاجته، فطلب العنصر أن يتأكّد أنّ الشاب خالي اليدين. وحين دخل ليأتي بدرّاجته، ورغم إعلام العناصر الأخرى بأنّه أخذ إذنا بذلك، اعتقلوه وضربوه وأكيلت عليه الشتائم. يذكر هذا المعتقل الأحاديث التي كان يسمعها في صفوف القوى الأمنيّة، التي رفضت أن تسمح لشخص متصاوب بأن يأخذ دواءه. وفي حادثة أخرى، يذكر أنّ عنصرا اقترح على زميله التالي "شو رأيك منركض عليهن ركض، مننزل بالبواط عليهن؟".

اتُهم أحمد وحمزة كما غيرهما بتكسير الأملاك العامّة، وجعلوهم يوقّعون على ذلك بعد تبليغهم أنّهم سيطلبون للتحقيق لاحقا في حال تبيّن أنّهم انخرطوا في "أعمال الشغب". وحين كان يمشي دون أن يشارك بأيّ عمل، اعتقل أربعة عناصر من قوى مكافحة الشغب بيتر شوشاني الذي تعرّض لضرب مبرح "أكلت شي مية خبطة". سأل أحد العناصر بيتر عن اسمه، وحين أجاب، قام العنصر بعضّه في يده، وحين كان يتحرّك بعد أن مدّدوه على الأرض، كان يتعرّض لركلة من العناصر. الأمر نفسه حصل مع معتقل آخر تعرّض لضربة قويّة من عصا القوى الأمنيّة حين قال "أنا أعزل ما معي شي"، وبعد ذلك صارت العناصر الأمنيّة "اتدعوس علينا" (أي تدعسنا).