في ظل الأحداث التي تشهدها البلاد تبعاً لتدهور الأوضاع الإقتصادية وتبعاً لسوء إدارة الحكومة الحالية للأزمة الإقتصادية، لا بل إعتمادها سياسات أدت إلى تفاقم سوء هذه الأوضاع، وعلى اثر مشاركة عدد هائل من المواطنين في التحركات الشعبية المنددة بهذه السياسات السيئة، والتي آلت منذ نهار الإثنين الماضي (في 21/10/2019) إلى إعلان حالة من الإضراب الوطني مع قطع للطرقات في مختلف المناطق اللبنانية، عمد بعض أصحاب العمل – بضغط من أصحاب النفوذ والسياسيين أو من دون ضغط – إلى تهديد أجرائهم بصرفهم من العمل في حال تخلفوا عن الحضور إلى مكان العمل يوم الإضراب والمداومة فيه بشكل معتاد. ونظراً لما يؤدي إليه موقف أصحاب العمل هذا من تعدٍّ فادح وخطر على ممارسة الأجراء – وتالياً المواطنين – لحرياتهم الشخصية والعامة – لا بل لموجباتهم المواطنية والمدنية –، نعيد التذكير أدناه بأبعاد حق الإضراب والضوابط القانونية التي ترعاه، استجابة لتساؤل العديد من هؤلاء الأجراء حول تداعيات قيامهم بواجباتهم المواطنية والمدنية في الإضراب، ودرءاً للمخاوف التي يتم رميها عليهم بغية إستغلالهم وردعهم عن التظاهر.

 

في حق الإضراب:

يتمتع حق الإضراب – وهو وجه آخر من أوجه حرية التعبير – بقوة ذات وزن دستوري. فبالإضافة إلى تكريس الدستور اللبناني لمبدأ العدالة الإجتماعية – ويشكل الإضراب إحدى الوسائل المتاحة للشعب لتفعيل هذا المبدأ والمطالبة به –، فقد تبنى الدستور (في مقدمته، الفقرة "باء") العهود الأممية الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها لبنان والتي باتت جزءاً لا يتجزأ منه[1]، لا سيما منها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[2] الذي يكرس في المادة 19 (فقرة 2) منه الحق في حرية التعبير بأية وسيلة يختارها الإنسان، وخصوصة العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية[3] الذي يكرس في المادة 8 (فقرة 1 "دال") منه حق الإضراب مباشرة.

وقد ذهب القانون الوضعي اللبناني إلى معاقبة المساس والتعدي على هذه الحقوق الدستورية، لا سيما في إطار العلاقات العمّالية، بين أصحاب العمل والأجراء. فقد نصت المادة 50 فقرة "دال" (5) من قانون العمل اللبناني على إعتبار صرف صاحب العمل للأجير من قبيل الإساءة أو التجاوز في استعمال الحق (أي ما هو معروف بالصرف التعسفي) في حال أقدم صاحب العمل على فسخ عقد عمل الأجير (أي صرفه) "لممارسته حرياته الشخصية أو العامة ضمن نطاق القوانين المرعية الإجراء" (ومنها بطبيعة الحال، إشتراك الأجير في إضراب[4]). فضلاً عن ذلك، ونظراً لأبعاد الإضراب الراهن الوطنية والتاريخية، فيمكن قراءته أيضاً ضمن إطار ممارسة المواطنين – وتالياً الأجراء والعمّال – لحقوقهم وواجباتهم المواطنية والمدنية، وهي أفعال محمية على حدة في قانون العقوبات اللبناني، إذ تعاقب المادة 329 منه كل فعل من شأنه أن يعوق اللبناني عن ممارسة حقوقه أو واجباته المدنية بالحبس حتى السنة، إذا إقترف بالتهديد والشدة أو بأي وسيلة أخرى من وسائل الإكراه الجسدي أو المعنوي[5].

 

ونظراً لأهمية حق الإضراب وقوته الدستورية، فلا يمكن الحد من ممارسة هذا الحق ولا وضع ضوابط له إلاّ بموجب نص قانوني صريح. وفي حين يخلو قانون العمل اللبناني نهائياً من أي مادة تأتي على ذكر حق الإضراب وترعى وسائل ممارسته، يبقى السؤال معرفة كيفية ممارسة هذا الحق وما هي حدوده.

 

في ممارسة حق الإضراب وتداعياته:

لم ينظم المشرع اللبناني حق العمّال والأجراء بالإضراب، وهو لم يأتِ على ذكره إلاّ في قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم[6] وبشكل عرضي، عندما أشار إلى التوقف غير الشرعي عن العمل (أي الإضراب) في المادة 63 منه[7]. يستدل من المدلول العكسي (a contrario) لنص هذه المادة، أن التوقف الشرعي عن العمل هو ذاك الذي يقع فقط خلال مهلة 15 يوماً التي تفصل بين نهاية مرحلة الوساطة وبدء مرحلة التحكيم في نزاعات العمل الجماعية[8]. غير أنه، ووفق المدلول العكسي عينه، فيستدل أن المشترع اللبناني وإن إعتبر من حيث المبدأ الإضراب الذي يعلنه الأجراء قبل وأثناء مرحلة الوساطة والتحكيم إضراباً غير مشروع، إلاّ أنه إعتبر أيضاً أن هذا الإضراب ليس من شأنه فسخ عقد الأجراء المضربين على مسؤوليتهم، إذ أنه إكتفى بحرمانهم من أجورهم عن مدة توقفهم عن العمل (الفقرة 3 من المادة 63 المذكورة). وقد ذهب مجلس العمل التحكيمي في بيروت إلى تكريس هذه القراءة للمادة 63 المذكورة في قرار له بتاريخ 16/02/1968، جاء فيها "أنه وعملا بأحكام المادة 63 من قانون 2 ايلول سنة 1964 فإن الإضراب الذي أعلنه المدعي مع رفاقه وإن كان يعتبر غير مشروع، إلا أن المدعى عليها لا يحق لها فصل المدعي عن عمله وجل ما بامكانها ان تفعل كان حرمانه من رواتبه اثناء مدة الاضراب."

وعليه، يبقى حق صاحب العمل بصرف أجرائه محصوراً بضوابط أحكام قانون العمل، علما أن صاحب العمل يفقد حقه في حسم ألأجور في حال ثبوت القوة القاهرة، وقد تشكل عدم امكانية الوصول إلى مكان العمل بسبب قطع الطرقات هذه القوة القاهرة.

وأبعد من ذلك، فمن المهم الإشارة إلى أن هذه القراءة للنصوص المذكورة، تشمل أيضاً الإضرابات التي تعنى بمطالب ذات طابع سياسي، لا سيما عندما تكون تلك المطالب تشمل البحث عن حلول لمواضيع تتعلق بالسياسة الإقتصادية والإجتماعية للبلد. تالياً فإن إعلان عدم شرعية إضراب وطني هدفه التنديد بالنتائج الإجتماعية السلبية لسياسة الحكومة الإقتصادية – وصرف الأجراء المضربين على هذا الأساس – إنما يعتبر إنتهاكاً فادحاً وخطيراً لمبدأ الحرية النقابية[9]، ومعها الحق بالإضراب المكرس دستورياً للأجراء والعمّال. والتوجه نفسه يقتضي إعتماده في ما يسمى الإضراب التضامني (Grève de solidarité) الهادف إلى دعم مطالب جماعية ذات تأثير (وإن كان غير مباشر) على الأوضاع المهنية والإقتصادية الخاصة بالأجراء المتضامنين. وعلى سبيل المثال، فقد اعتبرت محكمة التمييز الفرنسية في القانون المقارن (الغرفة الإجتماعية، في قرارها تاريخ 29/05/1979)، أن صرف أجير من العمل دون تعويض نتيجة تغيب هذا الأخير عن العمل للمشاركة في إضراب وطني هدفه رفض تجميد الأجور وتخفيض ساعات العمل، يشكل صرفاً تعسفياً من العمل لأن الإضراب الذي اشترك فيه هذا الأجير بمفرده دون سائر زملائه في المؤسسة كان إضراباً شرعياً وإن كان هدفه تحقيق مطالب مهنية على مستوى وطني وليس مطالب مهنية خاصة بالمؤسسة التي يعمل فيها.

أما بالنسبة لحق صاحب العمل بصرف الأجير المضرب، فهو يبقى محصوراً ضمن إطار أحكام قانون العمل، لا سيما المادة 74 منه فيما يخص الخطأ الجسيم خلال فترة الإضراب، وهو أمر يعود للقضاء المختص تحديده على ضوء ظروف كل حالة. مع الإشارة إلى أنه وفضلاً عن الشروط الشكلية الجوهرية المنصوص عليها في المادة 74 المذكورة (إبلاغ وزارة العمل خلال مهلة ثلاثة أيام من تحقق صاحب العمل من الخطأ الجسيم)، فلتطبيق أحكام هذه المادة يقتضي توفر ثلاثة شروط أساسية:

(1) ألاّ يكون تصرف الأجير متأتيا من قوة قاهرة،

و(2) أن تتوفر لدى الأجير المعني نية الإضرار بمصالح صاحب العمل المادية وفق مدلول الفقرة 3 من المادة 74 المذكورة،

و(3) أن يثبت صاحب العمل نفسه أن الأجير المعني اشترك شخصياً في حركة غير شرعية احتلّت موقع العمل أو أعاقت حرية العمل في المؤسسة أو تسببت بأعمال عنف على المنشآت أو على الأشخاص أو حالت دون وصول الأجراء غير المشاركين في الإضراب إلى أعمالهم[10].

 

وأما بالنسبة لحق صاحب العمل بتخفيض أجور الأجراء المضربين وفق ما نصت عليه الفقرة 3 من المادة 63 من قانون عقود العمل الجماعية المذكور، فهو محصور ضمن إطار مبدأ النسبية[11]، بحيث أن أجور المضربين وحدها تخضع للتخفيض وفقط بنسبة الوقت الذي توقف فيه الأجير عن العمل[12]، على ألاّ يفوق التخفيض في الأجر هذه النسبة وإلاّ إعتبر بمثابة عقوبة مالية محظورة[13].

 

بناء على ما تقدم، يتبين أن ممارسة حق الإضراب، إن كان لأسباب مهنية مباشرة أو لأسباب سياسية تتعلق بالسياسات الإقتصادية والإجتماعية المعتمدة من الحكومة ذات تأثير (مباشر أو غير مباشر) على الأجراء والعمّال، لا يمكن إعتباره غير مشروع وإلاّ شكل إنتهاكاً فادحاً وخطيراً لمبدأ الحرية النقابية، ومعها الحق بالإضراب المكرس دستورياً للأجراء والعمّال. وفي حال اعتبر التوقف عن العمل هذا، توقفاً غير مشروع، فلا يحق لصاحب العمل معاقبة الأجراء المضربين إلاّ ضمن الحدود المنصوص عليها في القانون اللبناني والمذكورة أعلاه، وهو حتماً لا يحق له صرفهم من العمل على هذا الأساس، في ما عدا ما هو منصوص عليه بشأن الخطأ الجسيم وضمن الحدود المادة 74 من قانون العمل وفق ما تقدم، وإلاّ إعتبر صرفاً تعسفياً من العمل.

 


[1] تبعاً لقرار المجلس الدستوري رقم 2، الصادر بتاريخ 10/05/2001.

[2]  الصادر بتاريخ 16/12/1966 والذي أجيز إنضمام لبنان إليه بالقانون المنفذ بالمرسوم رقم 3855 الصادر بتاريخ 01/09/1972.

[3]  الصادر أيضاً بتاريخ 16/12/1966 والذي أجيز إنضمام لبنان إليه بالقانون المنفذ بالمرسوم رقم 3855 عينه الصادر بتاريخ 01/09/1972 والمذكور في الهامش أعلاه.

[4]  أ. وليم الغريب، "قانون العمل اللبناني – حاضره ومستقبله"، الطبعة الأولى، 2014.

[5]  وقد تصل العقوبة إلى ثلاث سنوات حبس إذا إقترف التعدي جماعة مسلحة مؤلفة من ثلاثة أشخاص أو أكثر.

[6]  الصادر بالمرسوم رقم 17386 تاريخ 02/09/1964.

[7]  

"1- يكون غير شرعي كل توقف عن العمل، من قبل الأجراء أو أرباب العمل، بسبب نزاع عمل جماعي، قبل وأثناء مرحلة الوساطة وأثناء مرحلة التحكيم. ويعتبر أيضاً غير شرعي كل توقف عن العمل من قبل الأجراء أو أرباب العمل بعد صدور قرار التحكيم ويكون سببه معاكسة القرار أو الإحتجاج عليه.

[...]

3- [...] وفي حال التوقف غير الشرعي عن العمل من قبل الأجراء، يفقدون كل حق قي قبض أجورهم عن مدة التوقف عن العمل".

 

[8]  تراجع المادة 47 من نفس القانون.

[9]  أ. وليم الغريب، "قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم اللبناني"، الطبعة الأولى، 2016.

[10] Idem & Antoine CRISTAU, Grève dans le secteur privé – Généralités sur la grève dans le secteur privé, Rép. Droit du tavail, Dalloz, Janvier 2008 (actualisation : Août 2018).

[11] A. CRISTAU, op. cit.

[12] أ. الغريب، مذكور أعلاه ومحكمة التمييز الفرنسية، قرار تاريخ 08/07/1992.

[13] Cour de Cassation française, Soc. 16 mai 1989, JCP 1990. II. 21452.