من يطالع الورقة التي أعلن عنها رئيس الحكومة سعد الحريري في نهاية المهلة التي أعطاها لنفسه ولشركائه في الحكم للرد على مطالب الحراك الشعبي الأكبر في تاريخ لبنان، يدرك أنها ورقة سطحية تخلو من أية رؤية عامة أو اتّساق وتتجاهل المسائل الأساسية التي أدّت إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والاجتماعية على النحو الذي وصلت إليه. كما أنها تقتصر في غالبيتها على توجيهات ووعود يترك تنفيذها للمستقبل.

ومن زوايا عدة، بدت هذه الورقة الإصلاحية وكأنها تستعيد في عمقها روحية الخطّة الإصلاحية التي كان أعلنها الوزير أكرم شهيب لحل أزمة النفايات، تحت وقع حراك صيف 2015. فتماما كما أبدى شهيب آنذاك مرونة في الاعتراف بحصول أخطاء وفساد طوال 20 سنة فيما يتصل بمعالجة النفايات، فإن ورقته لم تتضمن أي توجّه إصلاحي مباشر، بعدما ميزت بين الحاضر الصعب الذي يقتضي معالجته كيفما كان من خلال إقامة مطامر هنا وهنالك، والغد الذي يغني والمفترض حلوله خلال 18 شهرا من وضعها (أي في ربيع 2017). وضعت الخطة وجاء ربيع 2017 وبعده ربيعان آخران ولم يتحقق شيء من الوعود التي تضمنتها تلك الورقة. وبخلاف ما حصل في 2015 حيث انبرى بعض الخبراء ومنهم خبراء من الأمم المتحدة وجمعيات غير حكومية للإشادة بخطة شهيب، بقيت ورقة الحريري باهتة، فيما جاء الجواب في الشارع بصورة فورية بعد الإعلان عنها، بعدما اعتبرها كثيرون دليلا إضافيا على عجز الحكومة التام عن معالجة قضايا الناس وهمومهم ومجرد مناورة لاستيعاب الحراك وتهدئته.

 

حلول تبسيطية مجتزأة تتجاهل "وجع الناس"

أول الملاحظات على هذه الورقة تتصل بالمسائل التي تعالجها والتي تبقى مجتزأة وتقنية ومتفرقة، ومجردة عن أي رؤية عامة أو الحد الأدنى من الاتساق. ولئن استعادت الورقة بعض الشعارات المستمدة من قاموس الجهات المانحة كمكافحة الفساد وتخفيض عجز الموازنة وإنشاء شبكة الأمان الاجتماعي، وبعض الشعارات التي راجت في الخطاب العام كاسترداد الأموال المنهوبة، فهي خلت بالمقابل من أي إصلاحات بنيوية أو حتى إعلانات مبادئ ذات دلالة على مختلف الأصعدة السياسي أو الاقتصادي أو المالي أو الإداري أو الاجتماعي. كما أنها خلت من أيّ إشارة ولو من باب رفع العتب للمشاكل الحقيقية التي يعاني منها الناس على نحو يدحض أي ادعاء بتفهم وجعهم، وهو الادعاء الذي تردد على ألسنة العديد من رموز الحكم، ومنهم الحريري نفسه.

فإذ أثنى الحريري على الحراك الحاصل على أساس أنه أوجد حالة وطنية عامة سهّلت عليه تجاوز الفيتوات الطائفية التي غالبا ما أعاقت امكانية اتخاذ القرار سابقا (وهذا ما عاد وأكده رئيس الجمهورية ميشال عون في خطابه أمس)، فإن الورقة خلت بالمقابل من أي تعهّدات أو التزامات أو مجرد توجيهات عامة تتصل بكيفية اتخاذ القرارات مستقبلا على نحو يضمن إنهاء لعبة المساومات والمحاصصة. ومن هذا المنطلق، بدا تسريع القرار الحكومي مؤشرا على قوة الحراك الذي أرغم القوى السياسية المشاركة في الحكم على الإسراع في إقرار الورقة المذكورة على أمل استيعابه، أكثر مما يؤشر إلى تغيّر يعوّل عليه في سلوكيات القوى السياسية.

السطحية نفسها نجدها على الصعيد الاقتصادي. فهنا أيضا، وفيما خلا بند يتيم تحدث عن مساهمة للدولة في تشجيع الصناعات التي تنجح في زيادة صادراتها إلى الخارج (والتي يخشى أن يكون أول المستفيدين منها شركات الترابة التي تزدهر بفعل الاحتكار الممنوح لها وتعاقب الحروب التدميرية في المنطقة)، خلت الورقة من أي إشارة إلى وجوب إعادة النظر بطبيعة الاقتصاد الريعي أو وقف الاحتكارات أو تشجيع القطاعات الإنتاجية. كما خلت من أي التزام بمعالجة الكوارث البيئة والتي باتت تقوّض امكانية استمرار قطاعات إنتاجية عدة، أبرزها الزراعة والسياحة ومعها التنمية المستدامة.

على الصعيد المالي، أتت الحلول سريالية، حيث تعهد الحريري بتخفيض عجز الموازنة بما يقارب خمسة مليارات د.أ، من دون أي زيادة للضرائب غير المباشرة أو تخفيض للرواتب (باستثناء تخفيض 50% من مخصصات الرؤساء والوزراء والنواب الحاليين والسابقين) أو شطب للديون. ويفهم من الورقة أن الحكومة ستعتمد على المصرف المركزي لتخفيض خدمة الدين بحوالي 3 مليارات د.أ من دون توضيح آليات ذلك، وأنها ستفرض ضريبة استثنائية على أرباح المصارف لسنة واحدة تعزز موارد الدولة بما قدرته الورقة ب 400 مليون د.أ. ومن اللافت بالمقابل أن الورقة سهت تماما عن إبداء أي تطمين بشأن سبائك الذهب المملوكة من المصرف المركزي والمودعة بالخارج، على الرغم من المعطيات المقلقة التي أثارها حزب مواطنون ومواطنات في دولة حول مدى سيادة الدولة عليها أو امكانية استردادها.

على صعيد الإصلاحات الإدارية، لا نجد في الورقة أي التزام بتحسين الخدمات العامة في أي من المرافق العامة، باستثناء التعهد بزيادة التغذية بالكهرباء 24/24 بفعل توقيع عقود لإنشاء معامل، وهو وعد ما فتئ يتكرر منذ سنوات ويتم إرجاؤه لأسباب ظاهرها تقني وباطنها فساد كما حصل بشأن معمل دير عمار. أما التعديلات المقترحة كلها لجهة دمج وزارات أو مؤسسات عامة فهي مبررة بتوفير الأعباء المالية، من دون أي صلة بتحسين أداء أي من المرافق العامة المتصلة بها. وأكثر ما يقلق هنا هو تضمين الورقة توجهات نحو خصخصة العديد من المرافق من دون وضع أي ضوابط لضمان استمرار تمتع المواطنين بها باسعار عادلة تأخذ بعين الاعتبار أوضاعهم المعيشية.

على الصعيد الاجتماعي وهو الصعيد الأكثر ارتباطا ب "وجع" الناس، بدا النقض هائلا. فباستثناء ما تضمنته الورقة بشأن تضمين الموازنة العامة إضافة 20 مليار ليرة لدعم برنامج الأسر الأكثر فقرا (وهو برنامج يُخشى أن يتحول إلى أداة لتفعيل الزبونية واستغلال حاجات الناس) والموافقة على قرض من الصندوق العربي للانماء الاقتصادي لتمويل مشروع الإسكان (وهو أمر يتصل بإرادة الصندوق)، لا نجد بالمقابل أي التزامات بإيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية المستعصية. فلا حديث عن أي سياسة إسكانية أو اجراءات تسمح بتخفيض كلفة السكن وإيجاد حلول تدريجية للعشوائيات الممتدة على طول التراب اللبناني. ولا حديث عن كيفية المساهمة في إيجاد فرص عمل وضمان الاستقرار الوظيفي أو منح تعويض بطالة أو حتى تفعيل الهيئة الوطنية للاستخدام. كما لا حديث عن أي إصلاح في مجال التعليم، لا لجهة تحسين نوعية المدارس الرسمية ولا على صعيد ضبط أقساط المدارس الخاصة، ولا على صعيد الجامعات المنتشرة كالفطريات، بما يعكس تعدد الزعامات والطوائف. كما لا نجد في الورقة المعلنة أي إشارة إلى مناطق الموت والتي تم تسميم هوائها وترابها ومائها وتاليا أهلها بفعل التلويث المتمادي بغياب إدارات الدولة وتواطئها. وتطول لائحة القضايا التي لم تتعرض لها الورقة ولو بكلمة، ولو من باب رفع العتب. والسهو عن مجمل هذه القضايا لا يؤكد فقط عجز الحكومة عن التصدي للقضايا الوطنية الجدية، بل يؤكد أن إشارة القوى السياسية (ومنهم رئيس الحكومة) لتفهمها لوجع الناس وأحقية مطالبهم، هو مجرد مجاملة مجردة عن أي اهتمام حقيقي في معالجته.

يضاف إلى كل ذلك، أن الحريري تحدث عن ضمان الشيخوخة في خطابه وعن امكانية توقيع عقد مع البنك الدولي لرفع قيمة المبالغ المخصصة للأسر الأكثر فقرا، فيما أن الورقة خلت تماما من أي إشارة إلى هاتين المسألتين.

 

حلول تجانب الحقيقة وتكذبها السلوكيات الحاضرة

من البيّن أن الحلول المقترحة تجانب الحقيقة وتتعارض مع سلوكيات لم يتمّ إعلان التراجع عنها. فعدا الانتقادات الكثيفة لمدى واقعية تخفيض عجز الموازنة على نحو غير مسبوق، يهمنا بشكل خاص مناقشة مسألة مكافحة الفساد التي ركز عليها الحريري وتناولتها الورقة من جوانب عدة، ليعود رئيس الجمهورية ليخصص لها الجزء الأكبر من خطابه أمس. وفي هذا المضمار، يسجل أربع ملاحظات:

أولا، أن تأكيد مكافحة الفساد أتى من دون أي إشارة لاستقلال القضاء في خطاب الحريري، فكأنما يؤمل مكافحة الفساد من دون إيلاء أي جهد لتعزيز آليات المحاسبة أو الردع. وهذا ما كان تصدى له نادي قضاة لبنان مرارا معتبرا في العديد من بياناته وتصريحاته تلازم معركتي مكافحة الفساد واستقلال القضاء، على أساس أن أي حديث عن مكافحة الفساد من دون قضاء مستقل هو كلام من دون مضمون. وفيما لزمت الورقة الصمت إزاء مسألة الحصانات القانونية للموظفين العامين والوزراء، ذكر رئيس الجمهورية بتقديم اقتراحي قانون لرفع السرية المصرفية والحصانات القضائية لدى مجلس النواب بما يؤدي إلى إغراق المسألة في دهاليز التشريع الذي غالبا ما يستغرق سنوات. وما يزيد من قابلية هذه المواقف للنقد، هو أنه كان بإمكان السلطة التنفيذية لو شاءت فعلا رفع الحصانات أن تصدر تعميما على جميع الإدارات العامة بوجوب إعطاء إذن فوري لملاحقة أي موظف عام ومن دون أي استثناء في الظروف الراهنة. كما أنه كان بإمكانها أن تفرض على وزرائها الالتزام بالتعاون مع القضاء تحت طائلة إقالتهم فورا منها.

ولعل أخطر ما جاء في تعهدات الحكومة في هذا الإطار، هو الإلتزام بإصدار قانون عفو عام قبل نهاية العام الحالي، بما يتعارض تماما مع منطق المحاسبة. وفيما كانت الجهات السياسية أوحت أن العفو العام الموعود يستهدف الإتجار بالمخدرات إرضاء لمطلوبي البقاع والهرمل وعائلاتهم، والجرائم المتصلة بتهم الإرهاب إرضاء للعديد من الموقوفين الإسلاميين وعائلاتهم وبخاصة في طرابلس، فضلا عن عملاء اسرائيل بما يرضي شرائح اجتماعية أخرى، فإن الورقة أوردت وعد العفو العام من دون تحديد الجرائم المشمولة به، والتي يخشى طبعا أن تشمل جرائم الاختلاس وسرقة المال العام ومجمل جرائم الفساد، تماما كما حصل غداة حرب 1975-1990.

عملا بهذا التوجه، نفهم خلو الورقة من أي تعهد بملاحقة أي من ملفات الفساد الكبيرة أو التحقيق بالملفات التي تحوم حولها شبهات فساد، ومن أبرزها متا سمي هندسات مالية جد مكلفة من قبل حاكم مصرف لبنان أو تولي وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق إدارة أكثر من 150 كسارة دمرت أجزاء كبيرة من جبال لبنان أو العمليات المشبوهة لأوجيرو أو الفساد القضائي أو توقيع مراسيم إشغال أملاك عامة في مختلف المناطق خلافا للقوانين وآخرها في الناعمة والذوق أو ارتكابات محافظ بيروت في قضية الإيدن باي أو عملية الاستيلاء على المشاعات والأملاك العامة آخرها عهدا الاستيلاء على 30 ألف متر من شاطئ الميناء أو التوظيفات العشوائية أو التأخر في إنشاء معمل دير عمار. واللائحة تطول جدا وهي تستوجب إطلاق مسار قضائي متكامل، نأمل أن يكون عنوانه الأول محاسبة الفساد منعا لتكراره.

ثانيا، فضلا عن أن تركيز الورقة على وضع مشروع قانون للأموال المنهوبة يفيد ضمنا بحصر التعامل مع النهب على استرداد الأموال من دون محاسبة، فإنه يؤشر إلى اتجاه آخر لا يقل خطورة، قوامه إبراز مسارات التشريع في مكافحة الفساد وتغليبها على أي خطوات عملية آنية قد تسمح باسترداد الأموال من دون تأخير. وقد جاء خطاب رئيس الجمهورية ليغلب بدوره المسار التشريعي، بعدما ذكر بأربعة اقتراحات قوانين لمكافحة الفساد، كان تقدم بها في 2013 أو تقدم بها نواب من كتلة لبنان القوي مؤخرا. ومن دون التقليل من أهمية المسار التشريعي، إلا أن ثمة مخاوف مشروعة من أن يدخلنا التعويل على هذا المسار في موازاة الامتناع عن أي عمل مباشر، في دوامة قد تستغرق سنوات قبل تحقيق أي نتيجة فعلية. ولتبيان ذلك، يجدر التذكير بأن قانون الإثراء غير المشروع (قانون من أين لك هذا؟) والذي وضع في صيغته الأولى في 1953 شهد التطبيق الأول له أمس بعد 66 سنة من إقراره وأنه ما كان ليحصل لولا حصول الإنفجار الشعبي الأكبر في تاريخ لبنان. كما يجدر التذكير بأن اقتراح قانون الوصول للمعلومات الذي تم تقديمه في 2007 تم إقراره في 2017 وأن الأمين العام لمجلس الوزراء محمود مكية (وهو نفسه الذي وجه أمس دعوات لبدء مناقشة مشروع قانون استرداد الأموال المنهوبة) خرج بعد سنتين من المفاخرة به في المحافل الدولية ليفتي بأنه غير قابل للتطبيق لعدم صدور مراسيمه التطبيقية. كما يشار أيضا أن قانوني الشفافية في قطاع النفط وحماية كاشفي الفساد الصادرين في 2018 يبقيان غير قابلين للتطبيق لاتصالهما بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي كان رئيس الجمهورية ردّ مؤخرا القانون الآيل إلى إنشائها.

والخطير في الأمر هو أن الفترة التي قد يستغرقها مناقشة مشروع قانون استرداد الأموال المنهوبة كافية مبدئيا لتمكين الجهات الناهبة من تهريب جميع هذه الأموال (أقله الأموال القابلة للنقل) أو التصرف بها، مما قد يحوّل القانون بطبيعته إلى قانون من دون موضوع.

وما ينسف أي مصداقية للورقة في هذا الخصوص هو أنها خلت من أي التزام باسترداد الأموال المنهوبة والذي بإمكان الحكومة القيام به بصورة فورية. فما الذي يمنع الحكومة اليوم من مباشرة الدعاوى العامة ضد المعتدين على الأملاك العامة البحرية والتي يستمر بعضها منذ أكثر من 40 سنة وبخاصة أصحاب المنتجعات الكبرى، علما أن غالبية هؤلاء الكاسحة لم يتقيدوا بالمهلة القانونية الأولى (والتي انتهت في آخر كانون الثاني 2018) ولا بالمهلة الثانية (والتي تنتهي في آخر الشهر الحالي) والتي منحها القانون لمعالجة أوضاعهم؟ أكثر من ذلك، ما الذي يمنع الدولة من استعادة الأملاك العامة النهرية المعتدى عليها وملاحقة المعتدين والتي هي لم يصدر أي قانون يتيح أي تسوية لها بعد؟ لكن، هنا أيضا تأتي مواقف الحكومة في اتجاه معاكس تماما، على نحو يستدلّ منه غياب أيّ نية أو رغبة باستعادة الأملاك العامة المعتدى عليها ومعه انبطاح الحكومة أمام كل من نهب هذه الأملاك. ففيما تكتفي الورقة بمطالبة الوزارات المعنية بتسريع تحصيل الغرامات من المتخلفين بدفعها فيما يتصل بالتعدي على الأملاك البحرية (وهو أمر يؤشر إلى عجز الدولة الفادح)، فإنها تعلن نية بمشروع قانون لمعالجة التعديات النهرية، ينتظر أن يكون مماثلا لقانون معالجة التعديات البحرية، وهي عمليا نية إضافية في العفو عن هذه التعديات مع ضمان تأبيدها.

ثالثا، علاوة على تجنب الحكومة دروب المحاسبة القضائية وامتناعها عن القيام بأي عمل مباشر لمكافحة الفساد أو لاسترداد الأموال المنهوبة، فإنها عادت لتكرر مسعاها السابق في اتجاه تعطيل قانون حق الوصول إلى المعلومات والذي يشكل الالتزام به شرطا ضروريا لتمكين المواطنين من ممارسة المساءلة والمحاسبة، وبشكل عام للسماح بأي نوع من أنواع المساءلة الشعبية. تمثل ذلك في تضمين الورقة التزاما بإصدار مرسوم تنفيذي لقانون حق الوصول للمعلومات. فخلافا لظاهر الكلمات المستخدمة، يشكل هذا التعهد في حقيقته وعمقه تأكيدا على مواقفها السابقة لجهة وجوب وضع مرسوم كشرط مسبق لتطبيق قانون حق الوصول للمعلومات وتاليا لجهة تعطيله إلى حين حصول ذلك، وهو الأمر الذي يتعارض تماما مع نص القانون ومع ثلاثة آراء صدرت عن هيئة التشريع والاستشارات في 2017 و2018. وهنا أيضا، كان بإمكان الحكومة أن تتعهد في ورقتها الالتزام بإعطاء المعلومات عن أي صفقات أو عقود عامة، تنفيذا لهذا القانون من دون تأخير أو أقله عملا بأخلاقياتها الإدارية وتمكينا للناس من محاسبتها. لكنها هنا أيضا لم تفعل، لتقوّض مرة أخرى مصداقيتها في مكافحة الفساد.

رابعا، في انسجام مع مواقفها المشار إليها أعلاه لجهة تعطيل جميع أشكال المساءلة المشار إليها أعلاه (قضائية وشعبية وإدارية)، أعلن سعد الحريري في كلمته حذف جميع مشاريع الإنفاق الاستثماري الممولة بموجب الموازنة العامة للدولة، ليحصرها بالمشاريع الممولة بموجب قروض أو هبات من الخارج. وقد برّر ذلك بأن الفساد في صرف الموازنة لا يتمّ من خلال بنود الرواتب وخدمة الدين بل بشكل أساسي من خلال مشاريع الإنفاق الاستثماري الممولة بموجب موازنة الدولة والتي لا تخضع لأي رقابة خارجية. وعليه، أوضح الحريري في خطابه أن الإنفاق الإستثماري سينحصر في المشاريع الممولة خارجيا والتي لا تقبل الفساد. وقد بدت الحكومة من خلال ذلك وكأنها لا تقيم اعتبارا إلا للرقابة الخارجية بعدما أقصت أعلاه كل أشكال الرقابة الداخلية. وعدا عن أن هذا الأمر يعكس نظرة دونية مهينة لمؤسسات الدولة ولكن أيضا للمواطنين، فإنه غير صحيح لأسباب ثلاثة: أولا، أن الإنفاق الخارجي ليس بالضرورة خاضعا لرقابة حرفية جدية وغالبا ما تدخل فيه الحسابات السياسية والدبلوماسية، وأنه حتى في حال وجود رقابة فعلية ومتشددة، فإن هذه المشاريع تبقى معرضة لتمويل الفساد بأشكال غير مباشرة، كأن يخصص جزء من تمويلها لتسديد أسعار مضخمة بفعل الاحتكارات الممنوحة في قطاعات معينة كما هي حال أسعار الإسمنت مثلا، ثانيا، أن الحكومة احتفظت ضمن ورقتها بحقها بتجاوز حظر مشاريع الإنفاق استثماري بقرارات تصدر عنها عند الضرورة، على نحو يجيز لها أن تستعيد بيد ما كانت أعطته الأخرى. ولإدراك فراغ هذا التعهد من أي مضمون، يجدر التذكير أنّ الحكومة والمؤسسات العامة نجحوا في توظيف أكثر من 5000 شخص عشوائيا تبعا لصدور قانون الرتب والرواتب حظر عليهم أي توظيف إلا عند الضرورة. كما من جهة ثالثة، فإن الادعاء بانحصار الفساد في هذا الجانب مجافٍ تماما للحقيقة، بحيث نجد الفساد مستشريا بأشكال مختلفة، تتمثل في العديد من التدابير التمييزية والاحتكارية التي يجوز للسلطات العامة اتخاذها، من توظيف عشوائي إلى تلقي رشاوى أو أي منافع مقابل منح تراخيص أو احتكارات أو غض الطرف عن مخالفات قانونية (المقالع وتلويث الأنهار والإتجار بغذاء فاسد..).

وأشد ما يقلق في هذا السياق هو الإعلان عن النية في بيع واستثمار أملاك الدولة جزئيا أو كليا (أسهمها ومؤسساتها وعقاراتها..) وفق اللائحة الطويلة للأموال التي تضمنتها الورقة. كل ذلك من دون توضيح كيفية استخدام الأموال المحصلة أو وضع أي ضوابط للحصول على أفضل أسعار وعروض، سوى الإحالة إلى توظيف خبراء في هذا المجال.

 

حلول غير نافذة

الطامة الكبرى نجدها أخيرا في طبيعة البنود 25 التي تضمنتها الورقة. فباستثناء بندين اتصىلا بتعيين لجنة وزارية وتجديد ولاية أعضاء هيئة إدارة قطاع البترول، تنقسم البنود الأخرى إلى فئات أربع كلها تحيل مهمة بلورة القرارات أو اتخاذها لمراجع أخرى أو لأزمنة أخرى. ف 3 منها تتصل بالموازنة العامة لسنة 2020 و7 منها تتصل بإقرار قوانين، و10 تتصل بأعمال إدارية فيما أن 3 فقط هي مجرد توجهات عامة أو إعلانات رغبة.  

 

خلاصة

حاولنا في هذا المقال أن ندحض ما جاء في ورقة الحكومة والتي عاد العهد ليتبناها، بما يؤكد حدس الناس وقناعتهم فور الإعلان عنها بعدم مصداقيتها أو على الأقل بعجزها عن إجابة أي من مطالبهم أو همومهم. بالطبع، قبل تشرين 2019، كان كثيرون يدركون أن العهد والحكومة يكذبون... لكن الهالات التي كانت تحيط برؤوس الزعماء وتجعل منهم أبطالا وحماة طوائفهم كانت كفيلة آنذاك بتبديد هذا الإدراك أو تعميته أو على الأقل تجريده من أي قوة فاعلة. احتاج الأمر انفجارا كبيرا يسقط هالات هؤلاء الزعماء، كي تتحرر الأعين والضمائر من الغبش، كي تسقط جميع الأقنعة في مسرح مفتوح عاد المواطن ليؤدي فيه وحده دور البطل. فلنتابع...