لا يتحرك رائد، وهو رائد الثورة في النبطية، من دون الرجوع إلى سلام. ينزل من على المنصة المنصوبة وسط شارع حسن كامل الصباح، ليجدها من بين الحشود، يفلفش أوراقه، يشير إلى شيء ما فيها، يتهامسان، يتناقشان، فتربت على كتفه موافقة، ثم يعود كل منهما إلى عمله.

هذا المشهد يتكرر طوال ساعات النهار، بين رجال الثورة ونسائها في النبطية. الرجال يديرون الثورة، والنساء يهندسنها. الرجال يكتبون الشعارات، يختارون الهتافات الأكثر تهذيبا والأقل استفزازا ويبثون الأغاني الوطنية، لكنهم لا يفعلون هذا كله، قبل أن يعرضوا موادهم على النساء، ليظفروا بموافقتهن.

فمنذ اليوم الأول للثورة النبطانية، برزت قدرات وطاقات نسائية، لم نكن نعلم من قبل أنها موجودة. نساء، من مختلف الأعمار، سبقن الرجال بالنزول إلى الشارع، متجاوزات الضغوطات التي تكبل إرادة الرجال، قافزات عن الحواجز السياسية والاجتماعية للمنطقة، ومتحررات من كل قيودها بما يعني الحراك نفسه.  

من طريقة كلام الرجال مع هؤلاء النساء، ندرك أنهم يقسمونهن إلى فئتين: فئة الصبايا وفئة الستات. يأتي يوسف مثلا لعرض مشكلة ما، ينادي عليهن لعقد اجتماع سريع: "يا ستات، يا صبايا"، فإذا كان يريد عملا يحتاج إلى جهد جسدي، ينادي الصبايا، أما إذا كان يطلب نصيحة أو مشورة، فيسأل وين الستات؟

الستات عددهن غير قليل، كذلك الصبايا، وهن يتوزعن مهام تنظيم الثورة، ينسقن الأدوار فيما بينهن، بدون أن يتفقن عليها مسبقا. من تجد نفسها قادرة تتطوع فورا، هكذا يأتي التوزيع بالصدفة أو بالفطرة ربما.

مثلا، تعرف ميسا من دون أن يكلفها أحد، أن عليها يوميا أن تشرح للناس مطالب الثورة. تركز ميسا على الشق الخدماتي والإنمائي، ولها معركتها الخاصة أيضا، ميسا التي تسمي نفسها "أم سمير". هي واحدة من الخاسرات في معركة حضانة ابنها، الذي لا تراه إلا يوما واحدا في الأسبوع، لذلك يندرج حق الحضانة ضمن مطالبها ومطالب الثورة.

ضحى التي توفيت أمها بالسرطان، تهتم بالشق البيئي والصحي، تتبنى قضايا الطبابة المجانية وضمان الشيخوخة وفي جعبتها حلول مختلفة لأزمة النفايات التي أثقلت المدينة. ضحى تزوجت حديثا من شاب فرنسي، كانت تمضي معه شهر عسلها في اليونان، حين بدأت الثورة، فتركته هناك وحده، والتحقت برفيقاتها الثائرات في النبطية.

نجمة الحراك هناء. صبية في أواخر العشرينيات، حركتها لا تهدأ، صوتها لا يهدأ. صباحا تكون أول الواصلين، وليلا آخر المغادرين. كل يوم نقول غدا سوف تغيب هناء عن الثورة، ستتصل بإحدانا وتقول أنا تعبانة أو صوتي مبحوح، لكنها تفاجئنا، وتصل في اليوم التالي مكتملة العافية، كأنها عائدة من رحلة نقاهة. هناء شجاعة، مقاتلة، ملمة بكل القضايا التي نزل الشعب اللبناني إلى الشارع من أجلها، تحلل تناقش، تقاتل، تصرح لوسائل الإعلام، يليق بها لقب الناطقة الرسمية باسم الثورة.

ميرنا تأتي يوميا ومعها ابنتيها ورد وصبا. من اليوم الأول للثورة حجزت مكانها على المنصة الرئيسية، هي مايسترو الثورة، تدوزن الهتافات والشعارات من فوق،  أحيانا نراها تعترض على أغنية ما، تطلب من الشباب عدم بثها، لكنهم لا ينفذون، فتقول: "طيب". كل شيء طيب عند ميرنا، قلبها، لهفتها وحرصها على سلامة المحتجين، أمس حين تعرض المحتجون للإعتداء، وقفت أمامهم، مثل أبطال المعارك الأسطورية، فاتحة ذراعيها على وسعهما، لترد عنهم ضربات العصي حتى كادت أن تتهشم عظامها.

إلسي أصغر الثائرات القائدات، صاحبة الأفكار والاقتراحات الخلاقة، تذهب ليلا إلى بيتها تحلم، ثم تأتي في اليوم التالي لتنفذ حلمها. اقترحت منذ اليوم الأول جمع التبرعات للصرف على الثورة، لتأمين بدل مكبرات الصوت، شراء المياه والأعلام. إلسي صوت شابات الثورة في الإعلام، تسأل قبل أن تجري أي مقابلة، عن الموضوع الذي يجب التركيز عليه اليوم، تصغي باهتمام إلى كل الأصوات وتنقلها بأمانة للعالم كله.

فاتن، ابنة البيت المناضل، الأم العصامية، التي احتفلت من وقت ليس بعيدا بزواج وحيدتها، التي ربتها ورعتها وكبرتها برموش العين، ترعى صبايا الحراك برموش عينيها أيضا. انضمت فاتن إلى الثورة، من أجل وطن لا يطرد أبناءه، ويؤمن لشبابه حياة كريمة وفرص عمل، كي لا يضطروا للهجرة، كما اضطرت وحيدتها وأبناء وبنات آخرين. فاتن تهتم أيضا بنظافة باحة الإعتصام، كأن الباحة إحدى غرف بيتها، بينما ينشغل المعتصمون بترديد الهتافات، تنصرف هي إلى تعزيل الباحة. كل من يراها يضرب لها التحية ويبتسم، هي ابنة جورية، السيدة الأنيقة المثقفة، التي حضن الطابق السفلي لمنزلها على طريق مرجعيون، أول قاعة للسينما في النبطية.

سلام...الحديث عن سلام لا ينتهي، وليس من السهل أن يبدأ أيضا، هي كما يسمونها الشبان والصبايا "زاد الخير" التي بيدها "الختم". تتابع كل شاردة وواردة في الثورة، تمشي في المقدمة، تهتف، تغني، ترقص، تفاوض، تتوسط، تليّن المواقف الحادة، تدوّر الزوايا، وتواجه الإعتداءات بقلب لبؤة تدفع الخطر عن أشبالها. لولا حنكة سلام وديبلوماسيتها، ووعيها حساسيات أهل المدينة، لأُجهضت الثورة منذ اليوم الأول، البسمة لا تفارق شفتيها، وفي لحظات التصادم تختفي ابتسامتها، وتحل محلها سحنة الغضب الساطع، تقتحم الخطر غير آبهة بالعواقب ولا بالنتائج. تنزل سلام صباحا إلى ساحة الثورة، بعد أن تدعو الجميع على صفحتها على فيسبوك للنزول، ثم تحمل هاتفها، وتتصل بنساء الثورة واحدة واحدة: "يلا نشري غسيلاتك وتعي، خلصي طبختك نحنا ناطرينك، جيبي معك سندويشات لبنة للثوار".

أجمل ما في النبطية هذه الأيام نساؤها، برواية رجالها، وهذا اعتراف لم يحلمن يوما بسماعه، لولا هذه الثورة الجميلة.