في شهر أيلول المنصرم، كان عشاق الرياضة في لبنان على موعد مع افتتاح الدوري اللبناني لكرة القدم. بطبيعة الحال، ومع انطلاقة كل دوري تشتد المنافسة بين الفرق وتظهر الخلافات بين المشجعين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي المدرجات أحياناً. لكن أكثر ما كان لافتاً للنظر هذه السنة، بالنسبة لمتابعي الرياضة في لبنان، هو ظهور يافطات في الملاعب تضع المسألة الاجتماعية في صلب المدرجات. فمشجعو فريق "النجمة" رفعوا يافظة كتب عليها "الشعب اذا جاع بياكل حكاموا"، بينما رفع مشجعو "الأنصار" يافطة أخرى، في نفس الاتجاه، قالوا من خلالها "الفقر سيف حاد ارحموا جيوب العباد".

ما يعكسه هذا التحول هو ظهور التعبيرات عن المظالم الاجتماعية التي يعيشها اللبنانيين واللبنانيات في مساحات غير مألوفة عن تلك التي كان ينظمها عادة وهي إما النقابات، أو منظمات المجتمع المدني الخ.

طبعاً، المشهد الحالي هو من أجمل المشاهد التي عرفها لبنان، لكنه أيضاً من أكثرها دقة طالما أن اللحظة الشعبية الراهنة هي لحظة تأسيسية لمرحلة قادمة لم تتضح معالمها بعد.

من دون أدنى شك، من غير المجدي القول – كما يحاول بعض من الطبقة الحاكمة التسويق له - بأن هذه الاحتجاجات موجهة حصراً ضد عهد عمره ثلاث سنوات، أو الحكومة الحالية أو ضد الطبقة السياسة التي حكمت عشية اتفاق الطائف. فعلياً، ما يحدث الآن هو رفض كامل لنظام وتركيبة حكم ما بعد الطائف (وليس بالضرورة اتفاق الطائف).

 

ركائز نظام ما بعد الطائف  

تختلف القراءات – كل حسب موقعه – حول دعائم نظام ما بعد الحرب وأسباب الأزمات التي ينتجها. منهم من يقول أن مشكلة النظام تكمن في الطائفية حصراً بصفتها علة العلل، ومنهم من يعتقد أن العلة الاساس هي في السلاح وفقدان الدولة لسيطرتها على العنف الشرعي. آخرون يقولون أن المشكلة الأكبر هي في السياسات الاقتصادية والمالية التي أسس لها الرئيس الأسبق رفيق الحريري إلى جانب المحاصصة الطائفية التي رافقتها.  

في الواقع نظام ما بعد الطائف الذي هندسته الطبقة الحاكمة وأمن لها استمراريتها في الحكم حتى الآن، هو نتيجة ترابط ثلاثة عوامل متكاملة: العنف المادي أو المعنوي، السيطرة على الرأسمال والاقتصاد ومعها موارد الدولة، وأخيراً السيطرة على التصورات المجتمعية من خلال هيمنة الطبقة السياسية على الخطاب. ما ساهم في استدامة هي العوامل هو تمكن السياسيين من تقاسم الأدوار في ما بينهم – إما بالاتفاق (مرحلة 1990 – 2005) وإما بالتعطيل (مرحلة 2005-2019).

القاسم المشترك خلال هذه الفترات هو السيطرة الكاملة على الحكم، من خلال القضاء التام على امكانية المحاسبة من قبل الشعب. تحقق ذلك من خلال مروحة من الآليات منها من خلال القوانين ومنها من خلال الممارسة.

فالقوانين المتتالية رسخت تدريجياً مناعة الطبقة الحاكمة، منها مثلاً قانون العفو والذي لم يؤمن لها عفواً عن جرائم القتل والتفجير التي ارتكبتها خلال الحرب، لكن أيضاً، ولو بشكل غير مباشر، عن الصفقات المالية وعمليات الفساد التي ارتكبتها (التهريب، تجارة الأسلحة...). كذلك الأمر بالنسبة للأنظمة الإنتخابية غير العادلة الخ.

كما أن أبرز ما ساهم في تغييب تام لمفهوم المحاسبة، إلى جانب المنظومة القانونية، هو القضاء على أي حدود فاصلة بين القطاع الخاص والقطاع العام. فعلياً، لم تسمح هذه المعادلة بتطوير آليات محاسبة في موضوع إعادة الإعمار مثلاً أو السيطرة على الأملاك العامة واحتلالها. فمن يملك الحق في أن يحاسب هو نفسه من يجب أن يحاسب (الأمثلة عدة منها على سبيل المثال لا الحصر موضوع النفايات والالتحام بين شركة "سوكلين" ورئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري).

في حين نجحت الطبقة الحاكمة مجتمعة في القضاء على مفهوم المحاسبة، كانت تطور في الآن نفسه آليات للسيطرة على مؤسسات الدولة وقراراتها. وعليه، أصبحت الدولة موردا للسياسيين لتوزيع الخدمات على المواطنين (التوظيفات والتعيينات في الدولة). كما وتم السيطرة على قرارات الحكومة من خلال العنف (القمصان السود و 7 أيار). هكذا إذا طوّعت الدولة لمصلحة الطبقة الحاكمة، فانفصلت تدريجياً عن المجتمع.

وفي هذا السياق ازدادت الفوارق الاجتماعية في لبنان: الفقير ازداد فقراً، والثري ازداد ثراءً. القوي ازداد استقواءً، والمواطن افتقر للحقّ. لكن هذه الفوارق لم تظهر يوماً إلى العلن بشكل يشكل قطيعة بين الطبقة الحاكمة والشعب، لأسباب عدة منها أن هذه الأخيرة كان دائماً باستطاعتها أن تقنعهم بأن الدولة "غائبة" ومشاكل المجتمع ناتجة عن تحديات إقليمية أكثر منها مسألة سوء إدارة للشأن العام.

 

"ضعف الدولة" وقوة النظام

فعلياً، ومنذ الطائف، برز خطابٌ قائم على تصوير الدولة على أنها ضعيفة وغير قادرة على إعادة الإعمار أو الدفاع عن الأرض. نلجأ إذاً لتلزيم الوظائف الأساسية للدولة إلى أطراف أخرى، هي نفسها كانت متمثلة في المؤسسات التمثيلية (الحكومة، المجلس النيابي).

من هنا، لم تعد الدولة عنصراً مهماً في تسيير أمور المجتمع، ولم تتكون على أنها مصدر حق للمواطن. فترسخت الولاءات الزبائنية والطائفية على أنواعها. مستقبل المجتمع، أصبح جزءاً من مستقبل النظام وأركانه. مستقبل النظام ارتبط بتهميش الدولة أيضاً.  

في مقابل تصوير الدولة على أنها ضعيفة، تطورت الهيمنة على الخطاب من خلال تخريج المشاكل التي يواجهها لبنان ووضعها حصراً في إطار السياسات والتحديات اللإقليمية. فالألوية من هذا المنظار، بالنسبة للطبقة الحاكمة، هي لمواجهة التحديات الخارجية أكان الصراع مع إسرائيل أو محاولة التخلص من الوصاية السورية. بعدما خرجت إسرائيل من لبنان (2000) وسوريا (2005)، تمّ تصوير الصراع بفعل الهيمنة على أنه صراع بين 14 آذار و8 آذار ومعها تم تقسيم المجتمع من باب الثقافة بين من "يحب الحياة" ومن "يحب الموت" (المقاومة)، بين من هو "عميل" لإسرائيل ومن هو "مقاوم"، بين محور "التطبيع" و"الممانعة". كل هذه الازدواجيات منعت تطور خطاب سياسي من شأنه تسليط الضوء على أعطاب الدولة. فتأجلت عمداً السياسات العامة المتعلقة بمطالب المواطن الحياتية، الاجتماعية والاقتصادية.

ففي حين تم التحكم بتصورات المجتمع، ما برحت الطبقة الحاكمة تعقد صفقات تراكم من خلالها ثرواتها، ضاربة بعرض الحائط مسؤولياتها تجاه المجتمع. وعليه، انفصلت إذاً مصالح الطبقة الحاكمة عن حاجات المجتمع.

أمام الأزمات الاقتصادية، والخوف على انهيار الليرة، راح المجتمع يزداد قلقاً وخوفاً على مستقبله الاقتصادي، في وقت شحت فيه الخدمات والتمويل الخارجي الذي كان يستفيد منه أركان السلطة، وتراجع الاقتصاد، فتفاقمت أوضاع المواطن المعيشية لدرجة أن شبكات الزبائنية السابقة لم تعد تكفي لسد حاجاته.

فكان يكفي أن تأخذ الحكومة قراراً بوضع ضريبة على خدمة "الواتساب" – وهي أصلاً خدمة مجانية - من أجل أن تطلق شرارة الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة. ليست المسألة مسألة "واتساب" بقدر ما هي تعبير صارخ عن كيفية إدراة الشأن العام. عملياً، تبيع الحكومة ما هو ملك للشعب. الآلية نفسها تنطبق على قطاعات عدة منها المساحات العامة (بيع الأرصفة من خلال خدمة "الفاليه باركينغ")، بيع الشط، التخلي على الثروة الحرجية الخ.

 

المسألة الاجتماعية: الخاصرة الضعيفة للنظام؟

طبعاً ليست هذه المرة الأولى التي يتحرك فيها اللبنانيون من أجل المطالب الاقتصادية والاجتماعية. في الواقع، لطالما شهد لبنان في فترة ما بعد الحرب احتجاجات اجتماعية متفرقة تحركت فيها فئات عدة للمطالبة بتحسين حقوقهم المعيشية (الأساتذة، قطاع النقل...). كما عرف لبنان موجات من المظاهرات في محطات عدة ضد السياسات والإصلاحات المنشودة من قبل الحكومات المختلفة (باريس"1" و"2" وسيدر "1"). في حين حققت هذه القطاعات بعضا من مطاليبها (معركة الأجور الخ) إلا أن تحليل هذه الحراكات يشير إلى أن ثلاث عوائق أساسية كانت تواجهها:

- "الشبح الطائفي"، أي الدور الذي تلعبه الطائفية في فكفكة الحراكات والخوف المتخيل من الاقتتال الطائفي (حملة "إسقاط النظام الطائفي")؛

- غياب أو ضعف النقابات حيث عمدت السلطة منذ انتهاء الحرب إلى تفكيكها وتطويعها، فأصبحت عملياً تابعة للسلطة أكثر مما هي بُنى للدفاع عن حقوق ومطالب الفئات المنضوية تحتها.

- عدم قدرة الاحتجاجات على ربط مطالبها الاقتصادية بأمور إصلاحية أكبر (مثلاً نوعية التعليم في الجامعات الرسمية)، كما وأنها لم تستطع أن تحرك الشارع الأكبر مناصرةً ودعماً لقضاياها. فكانت تطالب بـ"المكاسب" وليس بالإصلاح الشامل للقطاعات.

إحدى النتائج المباشرة لهذه التحديات أنها أدت إلى عدم تشكل جسم متناسق (نقابات أو أحزاب أو هيئات...) يفاوض السلطة باسم المجتمع، لا بل عمدت السلطة إلى استغلال هذا التشتت للتفاوض مع كل طرف على حدة. وبالتالي كان من شبه المستحيل ربط هذه الفئات ببعضها البعض (مثلاً القضاة والأساتذة الثانويين)، والتأسيس لحركة عابرة للطوائف والمناطق تحقق وتناصر من أجل مطالب جامعة (مثلاً، ضمان الشيخوخة الذي يستفيد منه جميع المواطنين).

حالياً، يبدو أن الاحتجاجات الحالية قد تخطت للوهلة الأولى هذه التحديات والاشكاليات الأساسية. فها هي الطبقات الاجتماعية المختلفة تنزل إلى الشارع للتعبير عن مظالمها الاقتصادية والاجتماعية في مشهد فارق بالنسبة إلى تحركات ما في مرحلة ما بعد الطائف، إذا لم نقل منذ الاستقلال. يعود ذلك لسببين أساسيين:

  • عدم اقتصار الاحتجاجات على بيروت، أي المركز الاقتصادي والسياسي في لبنان. فالمناطق الأخرى تشهد تحركات أيضاً. لقد شهد لبنان تجارب سابقة منها مثلاً المظاهرات التي قادها موسى الصدر قبل الحرب الأهلية في المناطق التي تعاني من الحرمان (بعلبك). لكنها المرة الأولى التي تتحرك فيها المناطق في نفس الوقت، وتتضامن مع بعضها البعض.
  • اتّسعت ساحات الاحتجاج الحالية لأوسع مروحة من المظالم الشخصية والقضايا المطلبية والحقوقية. لقد شهدت لحظة الاحتجاجات ومنذ اليوم الأول منفذاً ومساحة لتعبير الأفراد عن مشاكلهم التي تواجههم في حياتهم اليومية. كذلك الأمر بالنسبة للمطالب الحقوقية والجماعية. كلها تتعايش وتتمثل من دون إقصاء أو وصم. لكن لا بد من القول أيضاً، بأن اللحظة هذه لم تستوعب أيضاَ، أو لم تجد مكاناً لها، لكل من هو مقيم في لبنان (لاجئين، عمالة أجنبية) وهم من أكثر الأشخاص المتضريرن من النظام القائم، اقتصادياً، اجتماعياً أو سياسياً، ذلك بالرغم من هتافات عدة ظهرت دعماً لها من قبل الناشطين.

في ظل لحظة غير مسبوقة في تاريخ لبنان، وبعد أيام على الاحتجاج المتواصل في الشارع، وتخبط الطبقة السياسية، أهم ما حققته هذه اللحظة هو كسر هيمنة الطبقة على التصورات والخطاب وظهور الدولة على أنها مطلب حق بالنسبة لجميع الفئات الموجودة في الشارع. أصبح الآن من الممكن للبناني أو اللبنانية أن يتصور مستقبلاً مستقلاً عمّن تكلم باسمه لسنوات طويلة. ظهر ذلك، جلياً من خلال تبلور السلطة على أنها جسم واحد من خلال مطلب "كلن يعني كلن".

 

"كلن يعني كلن": الحل والمشكلة؟

في العام 2015 وفي عز الحراك الشعبي الناتج عن أزمة النفايات رفع شعار "كلن يعني كلن" – أي أن جميع الطبقة الحاكمة مسؤولة عمّا آلت إليه الأوضاع في لبنان. شكل ذلك أول إرهاصات بداية انكسار جزء من الهيمنة على التصورات. حينها شكل هذا الشعار في آن الحل والمشكلة أيضاً. الحل، لأنه بلور السلطة على أنها جسم واحد (وهذا من أصعب التحديات في لبنان إذ أن السلطة ليست محصورة بشخص واحد كما هي الحال في مصر أو تونس أو ليبيا). المشكلة، أن الشعار لم يوحد جميع اللبنانيين، فلم يتفق الجميع على شمل هذا الشعار لكل الأحزاب الحاكمة.

ما يحدث اليوم يبدو أنه تخطى هذه الاشكالية. يبدو أن شعار "كلن يعني كلن" قد شمل الجميع (إلى إشعار آخر). وتحول معه الصراع في المجتمع من صراع أفقي (قسم من الطبقة السياسية مع قسم من الشعب، ضد قسم آخر من هذه الطبقة مع قسم آخر من الشعب)، ليتحول إلى صراع بين الشعب والسلطة. لذلك، يحاول السياسيون جاهدين مطالبة المتظاهرين بعدم شملهم في هذا الشعار. لكن محاولاتهم حتى الآن أقل فعالية من تلك التي ظهرت في العام 2015.

لا ينفي ذلك طبعاً أن هذا الشعار ما زال يحمل الحل والعائق في آن. إذا كان الحل يتمثل بفكرة أن السلطة تصبح جسماً واحداً، إلا أنه الشعار يمكن في مكان ما أن "يجهل الفاعل". بمعنى أن في اللحظة هذه من الغضب والمظالم، يستسهل كل من يعاني من الأزمة الاقتصادية تبني الحراك لأنه لا يسمي الأشياء بأسمائها. التحدي الأكبر هو الانتقال إلى مرحلة تحميل المسؤولية للأفراد والأحزاب: حزباً حزباً، فرداً فرداً (من حزب الله، والتيار الوطني الحر وصولاً إلى مرسال غانم ورياض سلامة). وهذا ما يتبلور تدريجياً في خطاب الساحات المختلفة وأماكن التحركات المتنوعة (أمام مصرف لبنان مثلاً).  

ربما من المبكر جداً تحليل الاحتجاجات الشعبية كونها حراكاً طبقياً عابراً للطوائف، بمعنى أنه يشكل رفضاً وقطيعة مع الولاءات الأولية، وشبكات الزبائنية ويؤسس لوعي طبقي. فعلياً يظهر ذلك ليس من خلال تحليل آني وظرفي للاحتجاجات ومن شارك فيها، لكن يتم من خلال الأطر والبنى التحتية التي ستفرزها الاحتجاجات (في حال فرزتها) والتي ستحمل المطالب في الأشهر والأيام القادمة. هنا فقط سنعرف ما اذا انتقلنا إلى صراع طبقي أو سنعود إلى أطر قديمة بنيوية في المجتمع اللبناني (العائلة، الطائفة... الخ)، أو ستتشكل أنواع أخرى من البنى. ربما من المبكر أيضاً، أن نتحدث ما إذا ستتحقق مطالب المحتجين، أياً تكن هذه المطالب، أكان إسقاط "النظام" أو العهد، أو حكومة العهد، أو تطبيق القوانين المختلفة التي تساهم في مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة.

لكن المكسب الأكبر حتى الآن هو إدراك وإظهار اللبنانيين بأنهم متمسكون بالدولة أكثر بكثير مما تدعيه الطبقة الحاكمة. المكسب الثاني هو كسر الشارع، حتى الآن، لهيمنة الطبقة على الخطاب. فعلياً، يكون عنصراً من عناصر استدامة النظام الثلاث قد تخلخل: فما العمل مع العنف، والسيطرة على الموارد؟

 

الطريق طويل... لكن المكتسبات كبيرة أيضاً.