ما هي مواقف النقابات المهنية من الحراك الشعبي في البلاد، الآن وقد مرت عشرة أيام على انتفاضة الشعب اللبناني، وبخاصة أن عددا كبير من أصحاب المهن يتشاركون في هذه الحراكات التي تحصل في مناطق عدة، من الجنوب في صور وبنت جبيل والنبطية وكفرمان، إلى جل الديب حتى أقصى الشمال حيث ساحة النور والبداوي في طرابلس وتجمعات أخرى في عكار، من دون أن ننسى زحلة، وبعلبك وبيروت. وقبل المضي في ذلك، يهمنا أن نوضح أن العديد من المهن تُنظم من خلال نقابتين إحداها في طرابلس تشمل لبنان الشمالي والأخرى في بيروت تشمل سائر المناطق الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أنه بخلاف الحال في طرابلس حيث انخرطت النقابات المهنية في الحراك الشعبي ووضعت خبراتها في تصرفه، فإن تجمعات من المهن المختلفة تسعى للتعويض عن تخاذل نقابات بيروت، في مواقف أخذ بعضها طابع الانتفاض.  

 

النقابات المهنية في طرابلس

صوت الناس نجح في خرق النقابات المهن الحرة في الشمال-طرابلس، فبادرت نقابات المحامين والمهندسين وأطباء الأسنان والأطباء إلى الاجتماع منذ بداية الانتفاضة الشعبية، نهار الأحد 20 تشرين الأول. فاتخذت نقابة المحامين قرار الامتناع عن حضور الجلسات في قصر العدل. وفي بيان مشترك للنقابات المذكورة، تم وضع مركز المعونة القضائية والمساعدة القانونية في نقابة المحامين في تصرف الحراك الشعبي على مستوى محافظتي الشمال وعكار، للقيام بكل ما هو مطلوب لجهة المسائل المتعلقة بمن قد يحتجز بسبب الحراك. وأنشأت نقابتا الأطباء وأطباء الأسنان عيادة ميدانية لاستقبال ومعالجة وتوجيه كافة الحالات الطارئة الناجمة عن الاعتصامات. وأنشأت نقابة المهندسين خلية هندسية للمواكبة التقنية والتنفيذية لمساعدة هذا الحراك على الاستمرار، ولوضع تقرير شامل عن موضوع الأملاك البحرية والكهرباء في محافظتي الشمال وعكار.

واستمرت النقابات في طرابلس في إعلان تأييدها للاحتجاجات الشعبية، عبر عقد اجتماع ثان نهار الخميس 24 تشرين الأول، أكدوا من بعده على تمسكهم بالحراك، وعلى استعدادهم تزويد الحراك بالخطط والأفكار والمقترحات والدراسات المساعدة في تحقيق المطالب". وشدد بيان المجتمعين على "ضرورة محاسبة الفاسدين، وإصدار قانون يعيد الأموال المختلسة إلى الدولة".

وبُعيد الاجتماع، نزل مئات من النقابيين إلى الشارع وأعربوا عن تضامنهم مع الشعب اللبناني في ساحة النور في طرابلس. وارتدى الأطباء الرواب والمهندسين لبسوا خوذاتهم أما المحامين رأت نقابتهم عدم ارتداء الروب في الساحة.

 

النقابات المهنية في بيروت

نقابة المحامين

أما في بيروت، وفيما لزمت نقابة المحامين الصمت في بداية الحراك، عمد عدد من المحامين في بيروت من تلقاء أنفسهم إلى الوقوف في ساحة رياض الشهداء في بيروت نهار الاثنين 21 تشرين الأول، تعبيراً عن تأييدهم للحراك ومعلنين تقديم مساعدتهم القانونية في إطار الدفاع عن المتظاهرين. كما كانت مجموعة من المحامين أعادت منذ اليوم الأول للحراك تفعيل لجنة الدفاع عن المتظاهرين التي كانت نشأت في خضم حراك صيف 2015 وأقامت خيمة لها بعد يومين من بدايته في ساحة الشهداء (انتقلت فيما بعد إلى موقف العازارية).

وقد اقتضى انتظار زهاء أسبوع لتعلن النقابة بيانها الأول في 24 تشرين الأول والذي بدا تجميعا لمواقف مترددة أو حتى متناقضة. ففيما أيد البيان مطالب الحراك، فإنه أيد أيضا بعض ما جاء في ورقة الإصلاحات التي أصدرتها الحكومة اللبنانية وحذر من مغبة المس برئاسة الجمهورية (العهد) وأشاد بالدور الذي تؤديه القوى الأمنية وبالجيش. كما لوحظ تحفظه الشديد إزاء الشتائم التي أطلقها متظاهرون ضد عدد من الزعماء، حيث بدأ البيان بعبارة "ما عدا ما تلفظ به البعض من سباب وشتيمة وتجريح"، وكأنه يدين الحراك لهذه الجهة أو يأخذ مسافة منه. الأهم أن النقابة لم تعلن أي إضراب تضامنا مع الحراك منبهة من "تفادي أي شطط أو حيد عن مبادئ التحرك المرفوعة مجانبة لأي فراغ دستوري قاتل". وفيما أكد البيان على أن لجنة المعونات القضائية المؤلفة من النقيب وتحت إشرافه لن تألو أي جهد في سبيل تأمين الحق المقدس في الدفاع كلما ورد أو يرد إليها طلب بالخصوص، فإنه لم يتخذ أي تدابير لتقريب اللجنة من المتظاهرين أو للتواصل مع لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، وذلك بخلاف نقابة المحامين في طرابلس التي وضعت مركز المعونة القضائية في تصرف الحراك الشعبي. ولم تنسَ النقابة التي تبقى منذ فترة بعيدة عن معظم القضايا الاجتماعية من التمجيد بذاتها وأعضائها من خلال التذكير ب "القوانين التي اضطلع بها فرسان المحامين من برلمانيين أو وزراء سواء في وضعهم النصوص الهادفة إلى مكافحة الفساد أو حسن إدارة شؤون البلاد واستقرار الليرة اللبنانية وخزينة الدولة، فلو استجيب لها في حينه لما بلغت الثروات الشخصية المقدرة اليوم لبعض رجال السياسة ومن أنيطت بهم الخدمة العامة منذ عقود من الزمن، على ما يحكى، أضعاف الدين العام بوجهيه الخارجي والداخلي". ويلحظ هنا أن بيان النقابة لم تذكر أيا من اقتراحات القوانين المتصلة بالقضاء، وإن شددت على دور القضاء المستقل ... لناحية ائتمانه على الحريات العامة المكرسة في الدستور والقوانين الوضعية، ومن عدادها الحق في إبداء الرأي والتظاهر ضمن نطاق الأحكام المرعية الإجراء، من نحو أول، والحريصة على حماية الحقوق وصون الملكية العامة والخاصة ومعاقبة المتعرضين لها، من نحو ثان، والمولج تطبيق القوانين المتعلقة بالفساد وسرقة وهدر المال العام، من نحو ثالث. فكأنما بإمكان القضاء أن يتصدى لكل هذه الآفات من دون إعطاءها أي ضمانات.

وفي حين أن ورقة الإصلاحات التي أقرتها الحكومة نهار الإثنين لم تحض بتأييد شعبي إذ استمر اللبنانيون ينزلون إلى الساحات مرددين شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، فإن نقابة المحامين في بيروت أيدت "بعض القرارات الحكومية ولو جاءت متأخرة وتحت ضغط المتظاهرين"، وذلك من خلال "عدم زيادة الضرائب ووقف الهدر وضبط الأملاك العامة البحرية والنهرية وسواها ومحاسبة ومساءلة أي مسؤول مخالف مهما علا شأنه". بالإضافة إلى "استرداد الأموال المنهوبة وتفعيل دور أجهزة الرقابة وتوضيح ماهية ومرامي الهندسات المصرفية المالية".

وفي اعتراض ضمني على بيان نقابة محامي بيروت، دعا محامون تحت تسمية "حقوقيون" زملاءهم للتلاقي في ساحة رياض الصلح. وقد شارك في المسيرة عشرات المحامين والمحاميات يلبسون روب المحاماة نهار السبت 26 تشرين الأول، في تحدّ واضح للتعميم الصادر عن نقيب المحامين أندره الشدياق الذي حذر من مغبة مخالفة الآداب المهنية، لجهة ارتداء روب المحامين في التظاهرات من دون إذن مسبق منه.

 

نقابة المهندسين

نقابة المهندسين في بيروت أبقت أبوابها مفتوحة من الساعة التاسعة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، وذلك ليتم لمعالجة مسائل استثنائية مثل التأمين الصحي وحوادث الاستشفاء للمهندسين والمهندسات. وشرح نقيب المهندسين المعمار جاد تابت في بيان أصدره نهار الأربعاء 23 تشرين الأول أنه "في هذه الظروف المصيرية التي تمر بها البلاد، وفي ظل حراك جماهيري واسع يعبّر عن رفض للسياسات التي أوصلت البلاد إلى شفير الهاوية، لا بد لنا كمهندسين أن نلعب دورنا في طرح الأمور الأساسية التي تهم شعبنا والمشاركة في النقاشات الواسعة التي تطال مستقبل البلاد".

واعتبر النقيب أن "نقابة المهندسين ليست مؤسسة تجارية وليست معملاً أو مكتباً أو مؤسسة صناعية، بل هي مؤسسة عامة ومكان لتأمين الخدمات الأساسية للمهندسين من استشفاء وتقاعد وغيرها". على هذا الأساس، قرر نقيب المهندسين التكيف مع الظروف الميدانية وفتح باب النقابة لتأمين الخدمات الأساسية للمهندسين.

ولفت تابت إلى أنه مستعد، حينما تتأمن ظروف التنقل والتواصل لاستقبال طلبات كافة المهندسين الذين يرغبون اللقاء في مراكز النقابة، وذلك بهدف طرح الأمور الأساسية التي تطال مهنتنا والمشاركة في رسم أفق تطور لبنان المستقبلية انطلاقاً من مسؤولياتنا كمواطنين.

ويُشار إلى أن عدداً من المهندسين تداعوا إلى مقرها واعتصموا رفضاً لافتتاح أبواب النقابة وعدم الالتزام بالإضراب العام. وهتفوا أن "النقابة ليست للسلطة بل للرأي العام واعتبروا أن قرار فتح الأبواب جاء بإجماع أكثرية من مجلس النقابة. وكان قطاع المهندسين في الحزب الشيوعي قد أعلن نهار الأربعاء دعمه للحراك الشعبي، مطالبا بإقفال النقابة دعما لـ "الانتفاضة الشعبية". وقال في بيان: "انطلاقا من دور المهندسين الشيوعيين ودعمهم للانتفاضة الشعبية في وجه سلطة المال والمحاصصة التي نهبت البلد وأفقرت شعبه، لا بد لنقابة المهندسين أن تقوم بدورها الوطني ودعم انتفاضة الشعب بالمشاركة الفعالة بكل أشكالها". ومن جهتها، أصدرت هيئة المهندسين في حزب "الوطنيين الأحرار" بياناً عولت فيه على النقيب ومجلس النقابة احترام هذا التحرك والانخراط فيه دفاعا عن مصالح النقابة والمهندسين بوجه سلطة جائرة يحاول بعض منها حرمان المهندسين من حقوقهم على مدى سنوات". واستهجنت الهيئة "القرارات المتسرعة من قبل النقابة بفتح أبوابها في هذا الظرف الدقيق، وندعوها وكافة المهندسين إلى النزول الى الشارع للمشاركة في هذا التحرك الوطني".

 

الأطباء

وكان من اللافت مشاركة حشد من أطباء مستشفى أوتيل ديو في التظاهرات في رياض الصلح، نهار الجمعة، للتعبير عن تأييدهم لمطالب الشعب. مع الإشارة إلى تطوع عدد من الأطباء والممرضين خيمة في ساحة الشهداء لتلبية الحاجات الطارئة خلال التظاهرات. كما سجلت تظاهرة حصلت داخل حرم مستشفى الروم.