قررت الحكومة أن تستهل تطبيق "ورقتها الإصلاحية" اليوم، ليس بدرس إصلاحات اقتصادية أو نقدية أو سياسية، ولا بوضع آليات لاسترداد الأملاك والأموال المنهوبة أو التعميم لرفع الحصانات عن موظفي الإدارات العامة، إنما لمناقشة قانون عفو عام، وهو أحد البنود الواردة في الورقة الإصلاحية. إن طرحه هذا القانون في ظل الأزمة الراهنة يستدعي عددا من الملاحظات:

 

  1. الأولوية للعفو العام وليس للمحاسبة؟

إن مجرد استهلال تطبيق الورقة الإصلاحية بدرس هذا المشروع وفي ظل تفاقم الأزمة الحالية، إنما يعكس ماهية توجهات القوى السياسية الحاكمة ومدى استهتارها في إدارة الشأن العام. فالأولوية اليوم ليست لمراجعة ما أمكن فعله على صعيد السياسات النقدية والمالية والاقتصادية والسياسية، بل لاستعادة المكانة السياسية من خلال إعادة بناء علاقات الزبونية، كلا مع جمهوره. من هذه الزاوية، يشكل هذا الاقتراح وقودا جديدا للثورة ضد السلطة.

 

  1. عفو 1991 الذاتي والأبيض إلى الأذهان مجددا

أن أي عفو عام يعيد إلى الأذهان العفو العام سيئ الذكر والذي صدر في 1991 والذي منح لجميع الجرائم السياسية مع بعض الاستثناءات، عفوا ذاتيا أبيض، أي من دون إلزامهم بأي قيد أو شرط للمستقبل، ولا حتى لجهة ترميم حقوق الضحايا الذين تعيّن عليهم آنذاك أن يرضخوا للأمر الواقع. وفيما يستشف من خطاب الأوساط الحكومية أن العفو العام سيستهدف بشكل خاص فئات اجتماعية تعتبرها أحزاب السلطة جزءا من "جماهيرها" كالناشطين الإسلاميين في طرابلس أو العاملين في سوق المخدرات في البقاع وبعلبك والهرمل أو أيضا عائلات العملاء الفارين إلى اسرائيل، يبقى أن أي طرح لعفو عام يستدعي الكثير من التنبه ولا سيما أن الورقة الإصلاحية لم تحدد قط مضمونه. وفيما تستثني حاليا مسودة المقترح جرائم الاعتداء على المال العام، فإنها تعفي من حيث المبدأ جميع الجنح والجنايات إلا ما استثني صراحة، الأمر الذي يشمل عددا كبيرا من الجرائم المرتكبة من القوى المشاركة في الحكم، ومن أبرزها جرائم صرف النفوذ وإساءة استخدام السلطة والتعذيب وقوانين حماية البيئة أو الماء والهواء. هذا عدا عن أن تعديل مسودة القانون قد يتمّ في أي مرحلة على نحو قد يضمنها في لحظة إقرارها من الهيئة العامة للمجلس النيابي ما يفيد إعفاء السلطة الحاكمة مما تكون قد ارتكبته من جرائم اعتداء على المال العام. وأكثر ما نخشاه أن يكون ثمة قوى تتهيأ لمواجهة الفترة الانتقالية التي قد تنجم عن الثورة الحاصلة، من خلال إعفاء ذواتهم، منعا لأي عدالة مستقبلية. مهما يكن، فإن مجرد التلويح بالعفو العام في موازاة الحديث عن المحاسبة، إنما هو من قبيل الحديث عن الأسود والأبيض، وفي الآن نفسه حزاما ناسفا للورقة الإصلاحية برمتها.

 

  1. العفو العام، محاولة جديدة لشراء الذمم؟

أن مجرد إثارة العفو في هذه الظروف بالذات ووضعه على نار حامية، تماما كما حصل قبيل الانتخابات النيابية، يؤكد بحد ذاته أن الهدف منه ليس تصحيح أوضاع اجتماعية معينة، إنما تحقيق مكاسب سياسية، قوامها استرضاء الفئات الاجتماعية التي تعتبرها القوى السياسية جمهورا لها، وتخفيف حمأتها. فكما تم التلويح بالعفو من باب الرشوة الانتخابية، ها هو يلوح به من باب تهدئة الحراك الشعبي الحاصل في المناطق قاطبة. ومن هذه الزاوية، تبدو السلطة الحاكمة وكأنها تستمر في ممارستها الاعتيادية التي تقوم على شراء الذمم والزبائن، من خلال التخلّي عن الدفاع عن مصالح الدولة والحق العام. وهذا ما نتبينه في مجالات عدة، حيث تعوّض الدولة عن عجزها عن تأمين فرص عمل أو مجالات تنمية للمواطنين من خلال تمكينهم من مخالفة القانون على حساب الصالح العام وبشكل خاص البيئة. وهذا ما نتبينه في قطاعات واسعة أبرزها قطاعات المقالع والمرامل ولكن أيضا الصناعات غير المرخصة أو غير الخاضعة لأي رقابة جدية، فضلا عن شبكات الإتجار بالبشر أو المخدرات. من هذه الزاوية، تأمل القوى السياسية أن تهدئ غضب شرائح من جماهيرها وخاصة في الهرمل-بعلبك وطرابلس، وأن تضعف تاليا أي توجه لمساءلتها. ويؤمل هنا أن تشكل حدة التطييف في العلاقات بين شركاء الحكم وما سيفترضه من تناقضات وثنائيات بين (العمالة/ المقاومة) و(الإرهاب ومكافحة الإرهاب) والمحاذير الدولية لجهة التساهل مع أعمال الإرهاب أو تبييض الأموال، إلى إغراق النقاشات حوله بتجاذبات الحكم الاعتيادية وتاليا إلى نسف الفكرة برمتها. وخير دليل على ذلك أن المسودة الحالية خلت من أي إعفاء لمزارعي المخدرات أو مصدريها، كما خلت من أي عفو عن جرائم القتل. فلنتابع..