بعد أيام عدة من انطلاق الحراك الشعبي في لبنان وتحديدا بتاريخ 24/10/2019، وجه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون خطابا للبنانيين. وقد ذهب رئيس الجمهورية أبعد من رئيس الحكومة لجهة الاعتراف بأهمية الحراك: فهو لم يثنِ فقط على دوره الضاغط الذي مكّن القوى الحكومية من التوصل إلى اتفاق ضمن أقصر المهل، بل أثنى عليه أيضا لأنه وضع حدا لشعور هذه القوى بامكانية التصرف كما تشاء من دون أن يستتبع ذلك أي صدّ من قبل المجتمع. بالمقابل، وكما بيّنا بخصوص الورقة الإصلاحية، أتى خطاب رئيس الجمهورية، غير متناسب مع قوة الحدث وغير مقنع. ففيما انبنى هذا الخطاب على فرضية أن القضاء مستقل وقادر من دون الحاجة إلى أي اجراءات أو ضمانات إضافية، فإنه خلص إلى وجوب التركيز على إقرار حفنة من التشريعات من شأنها أن تسهم في تعزيز مكافحة الفساد. بالمقابل، بدا الخطاب أقلّ اهتماما بدور السلطة التنفيذية، حيث اكتفى بالإحالة إلى الورقة الإصلاحية التي وضعتها الحكومة، في حين أن هذه الورقة كانت عبارة عن وعود تشريعية وتنظيمية بمعزل عن أي خطوات تنفيذية مباشرة. فكأنه يعوّل على القضاء والتشريع من دون منح أي دور للسلطة التنفيذية. وعدا عن الوقت الطويل الذي قد تستغرقه صناعة هذه التشريعات في ظل أزمة تحتاج إلى مبادرات فورية، فإن نفاذها وفعاليتها يبقيان موضع تساؤل وبخاصة في ظل عدم صحة الفرضية التي انطلق الخطاب منها أي فرضية تحقق استقلال فعلي للقضاء.

وقبل المضي في تفسير كل ذلك، نسارع إلى القول بأن الخطاب جاء من هذه الزوايا بمثابة تنصّل من تحمّل المسؤولية المباشرة: فحين تبرز السلطة السياسية دور القضاء في مكافحة الفساد من دون منحه حصانات كافية، فذلك يعكس سعيها إلى سحب الاتهامات الموجهة إليها بالفساد من الشارع إليه بعد تكريسه مرجعا وحيدا للاتهام والإدانة أكثر مما يعكس سعيها إلى مكافحة الفساد حقيقة. وحين تبرز السلطة السياسية أهمية التشريع بغياب قضاء مستقل فعليا، فذلك يعكس عمليا مسعى منها كسبا للوقت أكثر مما يعكس أي مسعى للإصلاح.

 

افتراض استقلال القضاءمن دون تحصينه:

القضاء ستار للفساد أم أداة لمكافحته؟  

بعد إشادة رئيس الجمهورية بالحراك الشعبي والتأكيد على انجازاته في تحريك العجلة الحكومية، استهل رئيس الجمهورية حديثه عن الإصلاح بالتعويل على دور القضاء في مكافحة الفساد. وللتأكيد على قدرة القضاء بأداء هذا الدور، أشار رئيس الجمهورية إلى ضمانتين إثنتين: الأولى، هي ضمانة شخصية منه قوامها التعهّد بحماية أيّ قاض من أي تدخل أو ضغط قد يتعرض له، والثانية أن العهد والحكومة نجحا مؤخرا في تعيين رؤساء جيّدين للقضاة، الأمر الذي يعزّز قدرات القضاة على أداء الأدوار المطلوبة منهم، وفق ما نستطلعه من البيان الذي صدر مؤخرا عن مجلس القضاء الأعلى في مستهل الأسبوع الفائت والذي أكد على دور القضاة في مكافحة الفساد. ورغم الوعود بإطلاق ورش تشريعية حول مكافحة الفساد، كان من اللافت أن الخطاب لم يشر من من قريب أو بعيد إلى اقتراح قانون استقلالية القضاء وشفافيته والذي كانت أعدته "المفكرة" والعالق أمام لجنة الإدارة والعدل أو أي اقتراح آخر لمنح ضمانات قانونية للقضاء. ومن هذه الزاوية، يقبل افتراض استقلال القضاء على هذا النحو الانتقاد من زوايا عدة أبرزها الآتية:

  • أن مجمل الضمانات التي افترض من خلالها تحقق استقلال القضاء هي في حقيقتها مجرد ضمانات شخصية، وهي تحديدا الضمانات المتصلة بشخصه أو بمن عينهم كرؤساء للقضاة. وعدا أن قوة هذه الضمانات تبقى وقفا على إرادة هؤلاء الأشخاص ونزاهتهم واحتفاظهم بمواقعهم ومدى صلاحياتهم، فهي تبقى هشة غير قادرة على منح القضاة ضمانات كافية وهي ضمانات لا يمكن التعويل عليها تاليا لإرساء أسس عمل يفترض أن يكون شديد التعقيد وطويل الأمد. وتأكيدا على ذلك، تجدر الإشارة إلى أربعة أمور: (1) أن التعويل على رئيس الجمهورية لضمان استقلال القضاة يبقى مثاليا طالما أنه يعني في عمقه التعويل على السلطة السياسية لحماية القضاء منها مما يتعارض مع مبدأ استقلال القضاء. (2) أن مجرد القول بتعيين رؤساء للقضاة (والمقصود رئيس ديوان المحاسبة ورئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس شورى الدولة والنائب العام التمييزي) إنما يعكس نظرة ملتبسة لاستقلال القضاة. فباستثناء قضاة النيابة العامة، يفترض أن يتمتع القضاة باستقلالية تامة مما يتعارض مع القول بخضوعهم لأي رئيس. و(3) أن دور "رؤساء" القضاة يبقى محدودا في ورشة مكافحة الفساد في ظل القوانين الحاضرة. فمن المعلوم أن المهمة الرئيسية لمجلس القضاء الأعلى هو التشكيلات القضائية (أي وضع القاضي المناسب في المركز المناسب)، علما أن هذه التشكيلات لا تصدر إلا بمرسوم مما أعطى كل المرجعيات الموقعة عليه حق الفيتو عليها وتاليا امكانية إجهاضها، وهو أمر غالبا ما حصل. وعليه، سرعان ما سيجد رئيس مجلس القضاء، مثله مثل كثيرين من قبله، نفسه ملزما في ظل القوانين والمماسرات الحالية، على التعامل بطريقة أو بأخرى مع القوى الحاكمة لتمرير أي تشكيلات وعمليا إرضاءها تحت طائلة تعطيل العمل القضائي في الكثير من المحاكم. و(4) أنه خلافا لما جاء في الخطاب، فإن هذه التعيينات لم تكن كلها موفقة أو مطمئنة. يكفي هنا التذكير بأن النائب العام التمييزي الحالي غسان عويدات شغل قرابة 10 سنوات منصب قاضي التحقيق الأول في بيروت. وفيما لم يعرف عنه متابعته أي ملف فساد بصفته هذه، سجل في رصيده بالمقابل أمران: أولا، أنه أساء مرات عدة توزيع الملفات القضائية على قضاة تحقيق بيروت، بحيث أناط درس العديد من الملفات المتصلة بقوى سياسية بقضاة تحقيق مقربين منها على نحو يمنحها امتيازا ويضفي ارتيابا مشروعا على التحقيقات برمتها، وثانيا أنه حفظ العديد من هذه الدعاوى المقامة ضد أشخاص نافذين، بعضهم في ملفات فساد كما هي حال ملف سوكلين وملف الميزان بلانش (بحق السيد أنطون الصحناوي). كما أن التعميم الصادر عنه عشية الحراك (23/9/2019) بحصر كل ملفات موظفي الإدارات العامة بين يديه ومنع النيابات العامة من أي إجراء بشأنهم شكل مؤشرا خطيرا على ضرب استقلال النيابات العامة وكبح جهود مكافحة الفساد. وقد تأكد ذلك مع تصريحات عويدات الإعلامية عقب ادعاء المدعية العامة في جبل لبنان غادة عون على رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي ورفاقع بجرم الإثراء غير المشروع من دون المرور من خلاله.
  • أن افتراض تحقق استقلال القضاء فعليا يجافي واقع الأمور الناتج عن التنظيم القضائي الحالي وعن الممارسات السائدة، ومنها الممارسات التي أسهم العهد في إرسائها وتعزيزها والتي أدت إلى تعزيز وضع يد القوى السياسية على القضاء. وقد أدت هذه الممارسات عمليا وتدريجيا إلى نسف الحواجز بين القضاء والسلطة السياسية في اتجاه استبدال التدخل في القضاء بتداخل يكاد يصبح عضويا بين القضاة المعينين في مراكز هامة والقوى السياسية. فالتشكيلات القضائية التي شهدها عهد رئيس الجمهورية في 2017 تميزت باعتماد معايير المحاصصة في اقتسام المراكز القضائية الهامة وبخاصة في النيابات العامة وقضاء التحقيق ورؤساء المحاكم، بمعنى أن القوى السياسية (التيار الوطني الحر والمستقبل وثنائي حركة أمل-حزب الله) تولت ملء المراكز بقضاة مقربين منها، كلا بما يتصل بالمراكز المخصصة لطائفته. وهذا ما دفع "المفكرة" آنذاك إلى تسميتها بتشكيلات الأحزاب الثلاثة. بهذا المعنى، مكنت هذه التشكيلات القوى السياسية من وضع يدها على المراكز القضائية على نحو سمح لها بالتحكم بحريات الناس ومصالحهم. وعليه، لم تعد العلاقة بين القوى السياسية والقضاة النافذين علاقة تدخل بإمكان أي كان ردعه، بل علاقة تداخل، يخدم فيها القضاة النافذون القوى التي عينتهم مقابل مساهمتهم في تعيينهم في مراكزهم وضمان حمايتهم. وخير دليل على ذلك هو حزام الأمان الذي مده التيار الوطني الحر لأحد أبرز القضاة المعينين منه وهو القاضي بيتر جرمانوس، حين رفض وزير العدل الاستجابة لتوصية هيئة التفتيش القضائي بوقفه عن العمل.

 

ورشة تشريعية ضد الفساد:

التشريع كآلية للدعاية وكسب الوقت؟

ما أن اختتم رئيس الجمهورية حديثه عن القضاء حتى انتقل ليستعرض عددا من اقتراحات القوانين التي تندرج في إطار مكافحة الفساد. وفيما أنّه لم يشِرْ من قريب أو بعيد إلى اقتراح قانون استقلال القضاء وشفافيته العالق أمام لجنة الإدارة والعدل كما سبق بيانه، فإنه ذكر بالاقتراح الذي كان قدمه في 2012 وهو اقتراح إنشاء محكمة خاصة لجرائم الفساد، فضلا عن اقتراحات ثلاثة أخرى تقدم بها نواب من كتلة لبنان القوي وهي اقتراح بشأن استعادة الأموال المنهوبة واقتراح السرية المصرفية واقتراح رفع الحصانات القانونية. كما أشار أخيرا إلى قانون مكافحة الفساد في القطاع العام والذي تضمن إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وقد برر رئيس الجمهورية التركيز على الورشة التشريعية من خلال قوله بأن الإصلاح الحقيقي يستوجب وضع تشريعات جديدة، بحيث يصعب تحقيق إنجازات على صعيد مكافحة الفساد، في ظل القوانين الحاضرة.

ومن دون التقليل من أهمية التشريع، فإن النظر بالاقتراحات يعكس طابعها الشعبوي، على نحو يجعلها بمثابة أداة للدعاية للنفس وكسب الوقت، أكثر مما هي أداة للإصلاح. وهذا ما يتحصل من الأمور الآتية:

  • فيما تعج هذه الورشة باقتراحات القوانين، فإنها تغفل الإصلاح الأساسي لجعلها نافذة وقابلة للتطبيق وهو الإصلاح الآيل إلى تحقيق استقلال القضاء كما سبق بيانه، على نحو يخشى معه أن تضاف قوانين جديدة إلى الترسانة القانونية من دون أن يكون لها أي مفعول على أرض الواقع. فماذا ينفع رفع السرية المصرفية والحصانات، في حال بقيت حالة التداخل والعلاقات المشبوهة بين النيابات العامة وقضاء التحقيق والقوى السياسية ومعها الحصانات الفعلية قائمة؟ يكفي لهذه الغاية إعادة التذكير بمآل قانون الإثراء غير المشروع (من أين لك هذا؟). ففيما يجيز هذا القانون إسقاط السرية المصرفية وتجاوز الحصانات، فإنه طبق للمرة الأولى بعد 66 سنة من إقراره. كما يجدر التذكير بأن رئاسة الجمهورية نفسها كانت عطلت تنفيذ قانون حق الوصول للمعلومات من خلال ادعاء أن نفاذه يستوجب صدور مرسوم مسبق. وما يعزز من هذه المخاوف هو أن اقتراح قانون إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة جرائم الفساد نص على إنشاء محكمة استثنائية يعين أعضاؤها من القوى السياسية وتعمل وفق أصول استثنائية، بما يتعارض تماما مع مبادئ استقلال القضاء والمحاكمة العادلة. كما أن اقتراح استرداد الأموال المنهوبة حصر ممارسة الادعاء فيه أو تجميد الأموال المدعى بنهبها بالنائب العام التمييزي بمفرده، وهو ربما القاضي الأكثر ارتباطا بالقوى السياسية.
  • أن رئاسة الجمهورية نفسها كانت أعاقت إقرار قانون مكافحة الفساد في القطاع العام، وهو القانون الذي يؤدي إلى إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد حين ردّته إلى المجلس النيابي لأسباب بعضها يعكس مسعى لإرجاء البت به لسبب أو آخر كإرجاء البت به إلى حين الاتفاق على استراتيجية مكافحة الفساد وإقرار اتفاقيات دولية كاتفاقيّة منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديّة OCDE لمكافحة رشوة الموظفين العموميين الأجانب في المعاملات التجاريّة الدوليّة، وبعضها الآخر يعكس مسعى إلى الحدّ من استقلالية أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مثل رفض حصول انتخاب عضوين فيها من بين القضاة المتعاقدين من قبل هيئة جامعة لقضاة لبنان، بحجة أن جمع هذه الهيئة متعذر أو أيضا رفض استثناء تعيين أعضاء من الحزبيين أو من المشاركين في السلطة السياسية عملا بحرية تأسيس الجمعيات (!!). وما يزيد هذا الرد قابلية للانتقاد هو أنه أدى عمليا إلى تعطيل قانونين أساسيين لتكريس الشفافية وهما قانون حماية كاشفي الفساد وقانون الشفافية في قطاع الغاز، والذي يبقى تطبيقها معلقا على إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
  • أن العمل التشريعي يستغرق وقتا طويلا في الممارسات اللبنانية، وبخاصة في ظلّ اشتداد التجاذبات السلبية بين القوى السياسية والتي غالبا ما تسمح لأي منها بالتنصل من مسؤولياتها أو وعودها الإصلاحية من خلال التذرع بفيتوات القوى الأخرى. وعليه، فيما قد يؤدي تجميد حسابات بعض السياسيين اليوم إلى تمكين الدولة من استرداد الأموال المهوبة عملا بقانون تبييض الأموال، فإن تعليق هذا الأمر على وضع قانون قد يستغرق أشهرا أو سنوات يتيح المجال للجميع بتهريب الأموال التي تمكنوا من نهبها، الأمر الذي يجعل استرداد أي منها لاحقا أمرا غير قابل للتحقيق ويحول القانون إلى ما يشبه القانون من دون موضوع. تكفي في هذا الإطار الإشارة إلى أن تونس تبقى عاجزة حتى اليوم، وبعد زهاء تسع سنوات من نجاح ثورتها من استرداد أي مال من أوروبا.  

وعليه، وانطلاقا مما تقدم، يكون رئيس الجمهورية مدعوا مجددا لإعادة النظر في أولويات خطابه، في اتجاه وضع إطلاق مجموعة من الإصلاحات الفورية لاستعادة ثقة العامة، يكون أول بوادرها مباشرة القوى الأمنية في استرداد الأملاك المنهوبة على طول شاطئ البحر وأضفة الأنهر والأمر الموجه للإدارات والهيئات العامة برفع الحصانات عن موظفيها بتعميم حكومي. بالطبع، ضرورة إصدار هذه المقررات الفورية لا ينفي الجهود الواجبة لتحصين استقلال القضاء، وأولها الإسراع في إقرار اقتراح قانون استقلال القضاء وشفافيته.