بتاريخ 23/10/2019، ادعت النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان غادة عون على رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي بجرم صرف النفوذ والإثراء غير المشروع على خلفية استحصاله على قروض مصرفية مدعومة بقيمة 30 مليون د.أ. وهي بذلك سجلت التطبيق الأول لقانون الإثراء غير المشروع الذي كان أقر في صيغته الأولى منذ 66 سنة. الجواب على هذه الخطوة الهامة جاء سريعا. لم يكتفِ المدعي العام التمييزي بما صرح به لوسائل الإعلام بأن ادعاءها مشوب بأخطاء جسيمة أبرزها أنها تجاوزته ولم تعبر من خلاله، بل ذهب إلى حد توجيه أوامر للضابطة العدلية بالامتناع عن تلقي أي أوامر أو توجيهات منها. وفي موازاة الإعلان عن هذا القرار، كان الرئيس ميقاتي يجتمع مع رئيسي الوزراء السابقين تمام سلام وفؤاد السنيورة للتباحث في القضايا العامة الناجمة عن استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، علما أنه حتى اللحظة لم يقدم أي جواب مقنع على الادعاءات الموثقة الموجهة ضده. يستدعي وقف القاضية عون عن العمل على هذا النحو عددا من الملاحظات:

 

1-  أنه يؤكد مرة أخرى المؤكد ومفاده أن الحديث عن مكافحة الفساد يبقى كلاما فارغا ما لم يترافق مع ضمان استقلالية القضاء. ومن شأن هذا التدبير أن يقوض كل الوعود الإصلاحية التي أشار إليها خطاب رئيس الجمهورية والورقة الإصلاحية لمجلس الوزراء وبخاصة بما يتصل بوضع قوانين لاسترداد الأموال المنهوبة أو رفع السرية المصرفية أو رفع الحصانات القانونية عن الموظفين العامين. فعلى فرض وضع كل هذه القوانين، كيف يكون لأي قاضٍ أن يتجرأ على اتخاذ قرارات، إذا كانت آلة القمع بانتظاره من دون أن يتمتع بضمانات كافية لصدها؟ وهذا ما كنا أشرنا إليه مرارا وتحديدا تعليقا على كل من المواقف الصادرة عن الرئيسين في أعقاب الحراك الشعبي، حيث انتقدنا خلوّ هذه المواقف من أي وعود لتعزيز الضمانات القانونية لاستقلال القضاء،

2- أن هذا التدبير يذكر بالسياسة التي أعلن عنها النائب العام التمييزي غسان عويدات فور تسلم مهامه في 23 أيلول 2019 وفق ما أشرنا إليه في مقال حمل عنوانا معبرا مفاده: "أول عهد عويدات الأمر لي". وقد حذرنا آنذاك من مغبة ذلك على صعيد استقلال النيابات العامة وسياسات مكافحة الفساد. لم ينقض شهر إلا وتأكدت مخاوفنا في هذا المضمار. وكما سبق وبينا عدم قانونية هذا التعميم، فإن القرار الصادر عنه بوقف القاضية عون عن التواصل مع الضابطة العدلية هو بدوره غير قانوني. وتأكيدا على ذلك، نحيل إلى سابقة شديدة الدلالة، حين تدخّل مجلس القضاء الأعلى في 2013 ليرغم النائب العام التمييزي الأسبق حاتم ماضي على التراجع عن قرارين مماثلين، منع بموجبهما الضابطة العدلية من مخابرة مدعيتين عامتين أو تلقي أي إشارات منهما. واللافت أن تدخّل المجلس جاء آنذاك تبعا لكتاب رفعته رئيسة الهيئة الاتهامية في بيروت ندى دكروب ضدّ هذه الممارسات، وقد ورد حرفيا فيه: "أرفع إليكم هذا الكتاب بصفتكم الساهرين على حسن سير القضاء وعلى كرامته وحسن سير العمل في المحاكم، والمولجين اتخاذ القرارات اللازمة بهذا الشأن انطلاقا من كون سلطة الإشراف المعطاة للنائب العام لدى محكمة التمييز على النيابات العامة يجب أن لا تخرج عن الغاية التي أعطيت من أجلها ألا وهي حسن سير العدالة وأن تبقى ممارسة هذه السلطة في إطارها المشروع بما يحافظ على المبادئ التي يقوم عليها التنظيم القضائي وعلى الالتزام بالقوانين المرعية بعدم تجاوز مرجع قضائي لمرجع قضائي آخر وعلى كرامة القضاة واستقلاليتهم..".. ويلحظ أن الكتاب أسهب في إثبات عدم قانونية هذه القرارات التي عكست شكلا من أشكال تمدّد التنظيم الهرمي، وشكلت في الآن نفسه "عقوبة من غير الجائز اتخاذها من دون اتباع أصول الملاحقة القانونية" (العبارة وردت في الكتاب حرفيا). فمهما يكن السبب الداعي الى ذلك، فإن إطلاق يد النائب العام التمييزي، في اتخاذ قرارات مماثلة من دون إعطاء قضاة النيابة العامة أي ضمانات في محاكمة عادلة أمام المرجع الصالح (الذي هو المجلس التأديبي للقضاة والذي لا يحال القضاة إليه إلا بقرار من هيئة التفتيش القضائي)، إنما يؤدي إلى استباحتهم وتعزيز نفوذ النائب العام التمييزي إلى حدود الانتفاخ.

3- أن العقوبة التي استهدفت القاضية غادة عون اليوم تأتي ردا على ما أسمته تعاطفا منها مع حراك الناس، وأيضا ردا على ما كان مجلس القضاء الأعلى ونادي قضاة لبنان أعلناه من وجوب تعزيز دور القضاء في مكافحة الفساد، وبمثابة إحباط للجهود المبذولة في هذا الاتجاه.