فيما تتكاثر المطالب والوعود بمكافحة الفساد، نشهد في الآن نفسه نشوء ممارسات من شأنها إغلاق السبل القضائية الممكنة للقيام بذلك. أبرز هذه الممارسات تتمثل في تعزيز هرمية مطلقة داخل النيابات العامة، على نحو يؤدّي إلى حصر امكانية مباشرة دعاوى الفساد ومجمل دعاوى الشأن العام بيد شخص واحد هو النائب العام التمييزي. وهي ممارسات جدّ خطيرة، من شأنها أن تولّد سوابق غير مؤاتية للعمل القضائي أو حماية الصالح العام.

ويجدر التنبيه بداية منعا لأي تأويل أو تفسير يخرج المقال عن سياقه، إلى أن الهدف منه هو التنبيه إلى ممارسة خطيرة تشهد تمددا في العدلية منذ تولّي النائب العام التمييزي الجديد صلاحياته في أيلول الماضي بما يخالف قانون أصول المحاكمات الجزائية، وفي الآن نفسه التنبيه إلى المخاطر التي قد تحدق بالمرحلة الانتقالية ما بعد الثورة اللبنانية أو تهدد طموحاتها. 

 

اتجاه لفرض هرمية مطلقة داخل النيابات العامة

في هذا الصدد، يجدر التذكير بداية بأن النائب العام التمييزي الأسبق عدنان عضوم كان نجح في 2001 في تكريس هرمية مبالغ بها من خلال قانون أصول المحاكمات الجزائية وهي هرمية تتمثل في إعطائه صلاحية شاملة للتحقيق في أي قضية يريدها وتوجيه تعليمات خطية أو شفهية وعامة أو متصلة بملف معين، وتشكل حكما هرمية مبالغا بها بالمقارنة مع صلاحيات النواب العامين التمييزيين في القانون المقارن. وفيما كان ينتظر أن يتمّ التخفيف من حدة هذه الهرمية بالتشريع وإلا في الممارسة في اتجاه استقلالية النيابات العامة ريثما يتم إصدار قانون استقلالية القضاء الموعود، ذهب النائب العام التمييزي الحالي غسان عويدات في اتجاه مناقض تماما، أي في اتجاه تعزيز سلطته الهرمية. وقد تم ذلك من خلال ثلاثة مداخل، اثنين منها وردا في التعميم الصادر عنه بتاريخ 23 أيلول 2019 للنيابات العامة كافة، فيما الثالث تمثل في التدابير العقابية التي قررها بتاريخ 29/10/2019 بحق النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان غادة عون.

 

الاتجاهات الثلاثة هي الآتية:

1- توسيع مجال الرقابة المسبقة: من الجرائم الخطيرة إلى جرائم القطاع العام والشأن العام

أول هذه الاتجاهات تمثل في توسيع حدود الجرائم التي يترتب على قضاة النيابة العامة إعلام النائب العام التمييزي بها مسبقا، تمهيدا للعمل بتوجيهاته بشأنها. ففيما نصت المادة 16 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على وجوب إعلامه بالجرائم الخطيرة، فإن التعميم الصادر في 23 أيلول فرض إعلامه قبل القيام بأي إجراء بجميع الملفات المتصلة بالإدارات والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات، وعمليا بكل ما يتصل بالقطاع العام والفساد داخله. فضلا عن ذلك، فرض النائب العام التمييزي في تعميمه وجوب إعلامه بكل ما يتصل بقضايا "الشأن العام".

وهو بذلك بدا كأنه استغل وجود مفهوم مطاط (الجرائم الخطيرة) ليوسع تعريفه على نحو يشمل مجمل جرائم الفساد وجرائم الشأن العام. وما يفاقم من هذا الأمر هو أن مفهوم الشأن العام لا يقلّ ضبابية عن مفهوم الجرائم الخطيرة، وهو يقبل بدوره التوسيع ليشمل مجمل القضايا الحيوية ذات الأبعاد العامة، وقضايا صرف النفوذ أو قضايا التعرض للبيئة أو الملك العام أو الأموال العامة أو التهميش أو الاعتداء على حرية التعبير أو الحريات النقابية أو الرشوة الانتخابية وبشكل أعم الفساد الانتخابي...الخ. ولا نبالغ إذا قلنا أن من شأن توسيع الرقابة المسبقة على الملفات أن يولي عويدات الكلمة الأولى والأخيرة في أي قضية تتصل بالقطاع العام أو الشأن العام وعمليا في أي قضية تتصل بأصحاب النفوذ، وأن يتحول من جراء ذلك إلى ما يشبه "الأخ الأكبر" big brother الذي يراقب ويعرف كل شيء.

فضلا عن ذلك، فرض النائب العام التمييزي إعلامه بالقضايا التي تثار إعلاميا ويعزى فيها أي سوء تصرف للهيئات القضائية أو الأجهزة الأمنية.

وقد شكل التجاذب بين عويدات والنائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان فرصة لعويدات للتأكيد على فهمه الواسع ل "الجرائم الخطيرة". ففيما أدلى عويدات بأن تحريك دعوى إثراء غير مشروع بحق رئيس وزراء سابق يشكل جرما خطيرا، أدلت عون بأن الجرائم الخطيرة لا تشمل قضايا الفساد، إنما هي تتصل بالجرائم الأمنية حصرا. وهذا ما سنعود إليه عند تحليل خطورة الهرمية في القسم الثاني من هذا المقال.

2- التحول من سلطة الإشراف إلى سلطة تدخل مباشر

الوجه الثاني لتوسيع التنظيم الهرمي داخل النيابات العامة، تمثل في تحوّل النيابة العامة التمييزية من سلطة إشراف توجيهية ورقابية إلى سلطة تدخل مباشر. فعدا عن أنه وسّع إطار الرقابة المسبقة من خلال توسيع دائرة القضايا المشمولة بالإعلام المسبق كما سبق بيانه، فإنه ذهب في بعض الحالات إلى مصادرة صلاحيات النيابات العامة التابعة له، عبر فرض حصول جميع مراسلات النيابات العامة من خلاله وبواسطته. ومؤدّى هذا الأمر هو جعل النائب العام التمييزي سيّدا مطلقا للتحقيق في الجرائم وتحريك الدعاوى العامة أو صرف النظر عنها، طالما أن بوسعه أن يوقف أي إجراء يمرّ من خلاله، كلما رغب بذلك.

3- توسيع حدود السلطة المسلكية

الوجه الثالث لتوسيع التنظيم الهرمي تمثل في توسيع سلطة النائب العام التمييزي المسلكية على سائر قضاة النيابات العامة وفق ما يتحصل من التدبير المتخذ بحق القاضية عون، بمنعها من التواصل مع أي من قوى الأمن الداخلي. وهنا أيضا، تجاوز عويدات حدود السلطة المناطة به بموجب المادة 16 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. ففيما له وفق هذه المادة أن يوجه تنبيها إلى أحد قضاة النيابة العامة بسبب ما يعزوه إليه من تقصير في عمله أو أن يقترح على هيئة التفتيش القضائي إحالته إلى المجلس التأديبي، فإنه ذهب أبعد مما تتيحه له هذه المادة من خلال فرض عقوبة فورية، قوامها كفّ يد القاضية عون عن التواصل مع عناصر الضابطة العدلية أو توجيه تعليمات إليهم، بمعزل عمّا تكون القاضية عون قد ارتكبته من أخطاء.

وبذلك بدا عويدات وكأنه يستكمل بناء ترسانته: فبعد فرض رقابته المسبقة وسلطته التوجيهية في عدد هائل من الملفات ومنها جميع الملفات المتصلة بالفساد، إذا به يحلّل لنفسه معاقبة نائبة عام استئنافية بحجة مخالفة تعليماته من دون تمكينها حتى من الدفاع عن نفسها، وكل ذلك بغياب أيّ نصّ يجيز له ذلك. ومن المهمّ بمكان هنا التذكير بسابقة شديدة الدلالة، حين تدخّل مجلس القضاء الأعلى في 2013 ليرغم النائب العام التمييزي الأسبق حاتم ماضي على التراجع عن قرارين مماثلين، منع بموجبهما الضابطة العدلية من مخابرة مدعيتين عامتين أو تلقي أي إشارات منهما. واللافت أن تدخّل المجلس جاء آنذاك تبعا لكتاب رفعته رئيسة الهيئة الاتهامية في بيروت ندى دكروب ضدّ هذه الممارسات، وقد ورد حرفيا فيه: "أرفع إليكم هذا الكتاب بصفتكم الساهرين على حسن سير القضاء وعلى كرامته وحسن سير العمل في المحاكم، والمولجين اتخاذ القرارات اللازمة بهذا الشأن انطلاقا من كون سلطة الإشراف المعطاة للنائب العام لدى محكمة التمييز على النيابات العامة يجب أن لا تخرج عن الغاية التي أعطيت من أجلها ألا وهي حسن سير العدالة وأن تبقى ممارسة هذه السلطة في إطارها المشروع بما يحافظ على المبادئ التي يقوم عليها التنظيم القضائي وعلى الالتزام بالقوانين المرعية بعدم تجاوز مرجع قضائي لمرجع قضائي آخر وعلى كرامة القضاة واستقلاليتهم..".. ويلحظ أن الكتاب أسهب في إثبات عدم قانونية هذه القرارات التي عكست شكلا من أشكال تمدّد التنظيم الهرمي، وشكلت في الآن نفسه "عقوبة من غير الجائز اتخاذها من دون اتباع أصول الملاحقة القانونية" (العبارة وردت في الكتاب حرفيا). فمهما يكن السبب الداعي الى ذلك، فإن إطلاق يد النائب العام التمييزي، في اتخاذ قرارات مماثلة من دون إعطاء قضاة النيابة العامة أي ضمانات في محاكمة عادلة أمام المرجع الصالح (الذي هو المجلس التأديبي للقضاة والذي لا يحال القضاة إليه إلا بقرار من هيئة التفتيش القضائي)، إنما يؤدي إلى استباحتهم وتعزيز نفوذ النائب العام التمييزي إلى حدود الانتفاخ.

وما يزيد الأمر سوءا هو الآلية المتبعة لتنفيذ هذه العقوبة: فالتدبير المتخذ سابقا من ماضي والآن من عويدات لا يقتصر على منع قضاة النيابة العامة من توجيه إشارات إلى الضابطة العدلية، إنما هو موجه إلى الضابطة العدلية لمنعها من تلقي هذه الإشارات. وعليه، وبدل أن تصب الجهود في اتجاه إلزام الضابطة العدلية على احترام أعمال القضاة وتنفيذها من دون تأخير، تؤول هذه التدابير الصادرة عن رأس النيابة العامة عمليا إلى إشراك الضابطة العدلية في تحجيم القضاة وفرض العقوبات عليهم والتعامل مع الإشارات الصادرة عنهم وكأنها معدومة الوجود. وبذلك، بدا عويدات وكأنه يوجه رسالة شديدة البلاغة إلى الضابطة العدلية مفادها أن السلطة القضائية تكمن في رأس الهرم (أي هو) الذي لا رأس سواه، فلا سلطة ولا مكانة لقاضٍ إلا برضاه وبإمكانه متى شاء تجريده منها وإقصاؤه.

 

انطلاقا مما تقدم، يتبين بوضوح ما سبق ذكره: فبدل أن يعمد عويدات إلى تخفيف حدة الهرمية التي كان فرضها عضوم (وهي أصلا واسعة ومبالغ بها وتتعارض مع توجهات القانون المقارن)، فإنه عمد على العكس من ذلك في اتجاه توسيعها لتصل إلى ما يمكن تسميته سلطة هرمية شاملة ومطلقة. وعليه، يتحول عويدات إلى رجل خارق في العدلية، "السوبرمان" الذي يجدر إعلامه بكل شاردة وواردة تتصل بجرائم القطاع العام أو الشأن العام وعمليا بأي جريمة تتصل بأي من أصجاب النفوذ والعمل بتوجيهاته بشأنها، تحت طائلة إنزال عقوبة فورية بحق كل من يعصاه (حتى ولو كان قاضيا) من دون تمكينه حتى من الدفاع عن نفسه.

والآن وقد بينا مدى الهرمية المطلقة التي يعمل عويدات على إرسائها بما يتعارض مع أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية ويتجاوزها، بقي أن نستعرض المخاطر السلبية الناجمة عنها، والتي تتمثل في شخصنة الحق العام وضرب مبدأ المساواة أمام القانون ومعه ما تبقى من استقلالية للنيابات العامة، فضلا عن تعريض جهود مكافحة الفساد لخطر حقيقي يفترض التصدي له قبل تعاظمه. وهذا ما سنعرضه في الحلقة الثانية من هذا المقال. فلنتابع...