مثلت موجة الاستقالات الأخيرة لرؤساء البلديات في نهاية شهر أكتوبر 2019، ناقوس خطر نبه إلى الأزمة التي تعيشها منظومة الحكم المحلي والواقع المتأزم للبلديات التي لم يمض على انتخاب مجالسها سوى سنة ونصف تقريبا. الأرقام التي نشرتها منظمة بوصلة حول حجم الاستقالات، كانت النتيجة المنتظرة لتجربة مضت فيها السلطة المركزية على عجل دون أن تعود إلى أسس عجز السلط المحلية في السابق عن أداء واجباتها تجاه المواطنين ودون البحث عن سبل فك قيود المديونية والعجز المالي وآثار اختلال المنوال التنموي الذي كان أحد العقبات الرئيسية في هذه الأزمة.

 

نشرت منظمة بوصلة في 30 أكتوبر الجاري، نتائج رصدها لموجة الاستقالة في صفوف رؤساء البلديات إلى حدود التاسع والعشرين من نفس الشهر. وخلصت عملية المتابعة إلى استقالة 24 رئيس بلدية خلال الفترة الممتدة بين شهر أوت 2018 و29 أكتوبر 2019. وقد تنوّعت الأسباب بين استقالات احتجاجية على ضعف الموارد أو تعطيلات السلطة المركزية أو لإكراهات شخصية، إلا أن الملاحظة الأولى كانت في انطلاق هذه الموجة بعد أقل من 3 أشهر من الانتخابات البلدية في 06 ماي 2018 لتشمل 14 محافظة تونسية من شمال البلاد إلى جنوبها. وقد توزعت الاستقالات على معظم المكونات السياسية وخصوصا تلك التي تصدرت نتائج الانتخابات البلدية، حيث كان 42% من رؤساء البلديات المستقيلين ينتمون إلى حركة النهضة و21% منهم من المنتمين إلى حزب نداء تونس، إضافة إلى المستقلين بنسبة 37%.

أما عن أسباب الاستقالة، فقد أقدم 42% من رؤساء البلديات الذين تركوا مسؤولياتهم على تلك الخطوة بتعلة عدم التفرغ، في حين أرجع 21% الاستقالة إلى استحالة العمل مع المجلس البلدي، بينما تعلل 17% من المستقيلين بالإمكانيات الضعيفة للبلدية و4% بسبب تعطيلات الإدارة البلدية والسلطة المركزية، في حين استقال 16% من رؤساء البلديات لأسباب شخصية أو صحية.

لكن بوادر الأزمة في مسار ترسيخ اللامركزية بدأت نذرها مبكرا منذ أفصحت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن نسبة العزوف في الانتخابات البلدية والتي ناهزت 65%. مؤشر سرعان ما برزت دلالاته مع تواتر الاستقالات من المجالس البلدية منذ الأسابيع الأولى التي تلت الانتخابات والتي بلغت ذروتها في شهر ماي 2019 بعد سلسلة من الاستقالات الجماعيّة في 9 مجالس بلديّة وحلّ ثلاثة مجالس بلدية بصفة رسمية في باردو وسوق الجديد وتصاعد الخلافات بين الكنفدرالية التونسيّة لرؤساء البلديات ووزارة الشؤون المحليّة والبيئية لتصل إلى حدّ اللجوء إلى القضاء الإداري ضدّ الوزارة في 14 ماي 2019.

لم تكن الاستقالات الأخيرة لرؤساء البلديات سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد الذي يهدد مسار منظومة الحكم المحلي، حيث تعمد القائمون على تركيز هذا المشروع التعامي عن معالجة المخاطر الحقيقية التي تتجاوز بعض الفصول القانونية والمرتبطة بالواقع الاقتصادي للبلاد وتركة 6 عقود من الحكم المركزي المطلق.

 

الفصل السادس من مجلة الجماعات المحلية: قضية التفرغ تنسف المجالس البلدية

مثل الفصل السادس من مجلة الجماعات المحلية الخاص بقضية التفرغ للعمل البلدي، إحدى أهم النقاط الخلافية بين مختلف الكتل النيابية إلى حدود الأسابيع الأخيرة قبل موعد الانتخابات البلدية في 06 ماي 2018. وينص هذا الفصل في النسخة المُصادق عليها على أن "يتفرغ رؤساء مجالس الجماعات المحلية لممارسة مهامهم. وتسند لهم منح تحمل على ميزانية الجماعة المحلية تحدد معاييرها وتضبط معاليم مقاديرها بأمر حكومي بناء على رأي المحكمة الإدارية العليا وبعد أخذ رأي المجلس الأعلى للجماعات المحلية. يقصد بالتفرغ عدم الجمع بين رئاسة مجلس الجماعات المحلية وممارسة أية وظيفة أو مهنة أخرى. ويوضع رؤساء الجماعات المحلية من الأعوان العاملين بالقطاع العام في وضعية عدم مباشرة خاصة". السجال حول هذه النقطة تركز أساسا بين حركة النهضة التي كانت ترفض مبدأ التفرغ نظرا لتأثيره المحتمل على أعمال رؤساء البلديات المقبلين من أصحاب المهن الحرة، وباقي الكتل النيابية على غرار نداء تونس والجبهة الشعبية والكتلة الديمقراطية والكتلة الوطنية التي دافعت عن هذا الفصل من منطلق حجم الصلاحيات الواسعة والمهام الكبيرة الموكولة لمن سيترأسون البلديات مستقبلا.

تباين وجهات النظر كان السبب في إسقاط الفصل السادس في صيغته الأصلية بتصويت 70 نائبا ضده واحتفاظ 14 نائبا وموافقة 37 نائبا، وذلك بعد رفض كافة مقترحات التعديل في شأنه خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب يوم 03 أفريل 2018. لكن اقتراب موعد الانتخابات وهاجس عدم المصادقة على مشروع مجلة الجماعات المحلية قبل تاريخ الاقتراع، كان العامل الحاسم في الضغط على جميع الكتل البرلمانية التي انصاعت لمبدأ التوافق، لتعدل حركة النهضة في نهاية من موقفها وتصوت لصالح هذا الفصل في الجلسة العامة التي انعقدت بتاريخ 26 أفريل 2018.

بعد أقل من سنة ونصف، استقال 42% من رؤساء البلديات بسبب عدم قدرتهم على التفرغ التام للعمل البلدي، لتثبت المعطيات أن الهرولة المستعجلة "للملمة" مجلة الجماعات المحلية وإخضاع الفصل السادس لمبدأ التوافقات والصفقات السياسية كان أحد الأسباب الرئيسية للأزمة التي تعيشها منظومة الحكم المحلي والتي ستنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين وقدرة البلديات على أداء الخدمات المنوطة بها.

 

البلديات ومعضلة التنمية والديون: كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟

ترتكز الفلسفة المالية لمشروع اللامركزية ومنظومة الحكم المحلي على استقلالية الجماعات المحليّة على مستوى تعبئة الموارد وإعادة توزيعها وفق احتياجات كل دائرة بلدية. وتتوزع هذه الموارد بالأساس إلى عائدات جبائية ذاتية وأخرى غير جبائية، إضافة إلى الموارد التي تصرفها السلطة المركزية إلى البلديات في شكل منح أو اقتطاعات أو ميزانيات مشاريع جهوية. هذا ويمكن للبلديات اللجوء إلى مساعدات سنوية من صندوق القروض وفق شروط معينة تخضع للعديد من المعايير.

هذه الآليات المعتمدة للتمويل الذاتي للبلديات وتحقيق استقلاليتها عن المركز، تصطدم بالواقع الاقتصادي للدوائر البلدية البالغ عددها 350، وبالأخص في الجهات التي تتذيل قائمة مؤشرات التنمية الجهوية. إذ لا تتجاوز نسبة الاستخلاص الجبائي 11% في بعض البلديات بحسب التقارير الحكومية، وهو ما يفاقم حجم العجز الحاصل في تعبئة الموارد الجبائية. الصورة لا تختلف على مستوى الموارد غير الجبائية التي تشهد هي الأخرى ضعفا ناجما عن محدودية الرصيد العقاري في عدد هام من البلديات، إضافة إلى الاختلال الكبير على المستوى الجهوي. إذ تتواجد 77% من البلديات بمعتمديات ذات مؤشّر تنمية محلّي أقل من0.5 مع تفاوت شاسع على صعيد تركّز المجال الحضري بحسب تقرير الإدارة العامة للجماعات المحلية، فبينما يبلغ مؤشر التنمية الجهوية بتونس العاصمة 0.76، لا يتجاوز نظيره في محافظة القصرين بالوسط الغربي للبلاد سقف 0.16. احصائيات تتقاطع مع تصريحات سابقة لرئيس هيئة الاستشراف واللامركزية والمدير العام السابق للجماعات المحلية، مختار الهمامي الذي كشف أن 18 بلدية فقط تحتكر أكثر من 50% من الموارد المالية.

كما يطرح غياب التناغم بين مسار اللامركزية وخيارات الدولة التنموية معضلة أخرى أمام تجربة الحكم المحلي. إذ أن الموارد الجبائية للبلديات ترتبط عضويا بمدى ازدهار المناخ الاقتصادي والحركية المالية والاستثمارية في الدوائر البلدية، وهو ما يتناقض مع الخطط التنموية السابقة واللاحقة، القائمة على المركزة المفرطة للثروة. إذ تتركّز 93% من المشاريع الاستثمارية في الأقطاب الكلاسيكية في العاصمة والمدن الساحلية الكبرى، في حين لا تتجاوز مؤشرات التنمية الجهوية للمناطق الداخلية ثلث النسبة الوطنية المقدرة ب ـ0.43 سنة 2017 حسب وزارة التخطيط والتنمية الجهوية. سياسات لا يبدو أنها ستتغير في المستقبل القريب حسب ما تم الإفصاح عنه سنة 2016 خلال مؤتمر الاستثمار الدولي تونس 2020، حيث سيستأثر الشريط الشرقي للبلاد ب 90% من نوايا الاستثمار في المشاريع السياحيّة و78% من المشاريع الصناعيّة. لتكون المحصلة في النهاية محافظة البلديات الغنية على مواردها الجبائية وغير الجبائيّة المرتفعة، في حين سيزداد فقر البلديات القائمة أو المُحدثة في المناطق المهمشة مع تواصل محدودية أو انعدام مواردها الذاتية تزامنا مع تراجع الدعم الحكومي المركزي وتواصل تجاهل مبدأ التمييز الإيجابي في السياسيات التنموية للدولة.

وتتعلق العقبة الثانية بالمديونية على المستوى الخارجي بالنسبة للسلطة المركزية وديون البلديات. فلتنفيذ مشروع اللامركزية، اضطرت الدولة إلى تحمل ديون جديدة ستبلغ 3225 مليون دينار من الهيئات المالية الدولية كالبنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية. أعباء إضافية في مناخ اقتصادي سمته الأبرز تعاظم الدين العمومي لتونس الذي سيتجاوز 74% من إجمالي ناتجها المحلي الخام بحسب مشروع قانون المالية لسنة 2020.

أما على صعيد مديونية البلديات، فرغم قرار الحكومة التونسية في 02 نوفمبر 2017 بتخصيص 100 مليون دينار لتطهير ديون البلديات خلال سنتي 2018 و2019، فإن هذا التدخل يظل غير كاف أمام حجم الديون المتخلدة بذمة الجماعات المحلية والتي ناهزت 150 مليون دينار بحسب إحصائيات وزارة الشؤون المحلية سنة 2017. فمن دون إيجاد حلول جذرية لتدعيم الموارد المالية الذاتية للبلديات، فإن هذه الأخيرة ستلجأ مجددا للتداين لتبقى في حلقة مفرغة تستنزف مواردها المحدودة نحو نفقات التصرف وتسديد أقساط القروض.

إذن، تتجاوز هذه الهزات التي عصفت بمنظومة الحكم المحلي، إشكالية الخلافات صلب المجالس البلدية أو عقبة البيروقراطية بين البلديات والسلطة المركزية. فهذا المشروع الذي تم تضمينه في الدستور التونسي والذي ينص على أن "تلتزم الدولة بدعم اللامركزية واعتمادها بكامل التراب الوطني في إطار وحدة الدولة"، كما جاء في الفصل 14، بدأ مثقلا بتبعات عقود من المركزية المفرطة وتهميش الأطراف وارتدادات السياسات التنموية لدولة ما بعد الاستقلال، بل وحولته الأحزاب السياسية بعد الثورة إلى محور للتجاذب وأرضية لإعادة ترتيب التحالفات الحزبية قبيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية. ممارسات سيدفع ثمنها جيل بأكمله وهو ينتظر نتائج ما حسبه انطلاقة جديدة لإعادة توزيع السلطة والثروة.