يتبين من سماع الهتافات والخطابات المتداولة بين مختلف ساحات الثورة، سواء في وسط بيروت (رياض الصلح وساحة الشهداء) أو في ساحات جلّ الديب وطرابلس، كما يتبين من مثابرة الثوار على قطع الطرقات الرئيسية في مختلف المناطق في البلد وإعادة فرض وجودهم (أي وجود الشعب) في المساحات العامة وتثبيته، كما يتبين أيضاً من ردة فعل أركان النظام الأساسيين ومن خطاباتهم المضادة لخطابات الثورة، كلها تبين أن قاعدة المعادلات قد تغيّرت. فما أنجزته ثورة 17 تشرين الأول الماضي، هو إنعطاف تاريخي – بكل ما للكلمة من معنى – في موازين القوى بين الشعب اللبناني وأركان النظام – وكلمة "النظام" هنا لا تشمل فقط السلطات الدستورية في الجمهورية وحسب، وإنما تشمل أيضاً قوى أخرى فيها، من قوى رأس المال في مختلف تجلياتها وقوى الأمر الواقع، التي استخدمت وسائل عنفية وترهيبية لفرض نفسها على بيئتها وعلى الشارع الثائر عموماً. فأركان هذا النظام مرتبكة: فهي لم تتوقع صمود ثورة 17 تشرين ولا إمتدادها وتالياً قوّتها. وقد ذهب أحد أبرز أركان هذا النظام إلى حد الإستهزاء من الثوار، في إحدى خطبه المطوّلة والهادفة إلى تفكيك صورة الثورة وتسييسها وصولاً إلى تخوين المشاركين فيها، فتساءل ساخراً "ما معنى إسقاط النظام؟". هذا هو معنى إسقاط النظام: أركانه الآن مرتبكة وتحاول جاهدة قلب موازين القوى مجدداً للعودة إلى ما كانت عليه قبل 17 تشرين، وبشتى الطرق، بدءاً من مناشدة الثوار للحوار وصولاً إلى إرسال أعوانها لإرساء قواعد عنفها وإرهابها في الشارع بغية تخويف هؤلاء الثوار وقمع الثورة.

 

والواقع أن المظاهرات التقليدية وحدها، لم تؤدّ إلى قلب موازين القوى على هذا النحو. فقد لوى النظام بفعل ما كسره الثوار من حواجز كلامية وخطابية في الشارع ("هيلا هيلا هو..." و"حرامي... حرامي...")، ومن خلال الإبداعات الزخرفية (graffiti) التي زيّنت جدران المدينة مظهرة بشكل مرئي إستعادة الشارع الثائر (الشعب) لأملاكه (سواء كان ملكاً عاماً أو ملكاً خاصاً محتلاً للمساحة العامة). فلم يبقَ أي من أركان النظام بمنأى عن النقد وعن السباب، "كلن يعني كلن" – وإن أزعج هذا الأمر من ندّد بالسباب في محاولة سلطوية لتأديب الشارع، متجاهلاً بالمقابل سباب النظام الممنهج والممأسس إزاء هذا الشارع منذ عقود. لا بل وقد لوى النظام أيضاً بفعل ما أنجزه الثوار من قطع للطرقات وقلب للخطاب المندد بهذا القطع، فـ"كم مرّة قُطعت الطريق على المواطن بفعل تعسفي من قبل أركان النظام؟"

إن كل هذه الأمور إنما تشكل أوجها مختلفة لتجليات العصيان المدني ومعه ممارسة الثوار لحقهم بالمقاومة لمواجهة طغيان وإرهاب النظام. فكيف يعالج القانون وفلسفة القانون حق الشعوب في المقاومة والعصيان بوجه النظام، وهي قد تبدو على أنها من ظواهر اللاقانون أو في مواجهة مباشرة مع القانون بحد ذاته؟ ما هو دور حق المقاومة هذا، الذي تم تكريسه في مطلع الثورة الفرنسية منذ 230 سنة تحديداً؟ وما هي مفاعيله؟

 

دور حق المقاومة والعصيان الإصلاحي

يكمن مهد حق المقاومة والعصيان في عقيدة "قتل الطاغية" الآيلة إلى الإعتراف بقوانين طبيعية تشكل قاعدة الأساس في العلاقة بين الحكّام وشعوبهم – وفق مفهوم الفيلسوف اليوناني أرسطو لها[1] –، على نحو يسمح بتقييم هذه العلاقة موضوعياً، وتالياً الحكم موضوعياً على الحكّام الذين يشذّون عن قوانين الطبيعة تلك. وقد ذهب عدد من الفلاسفة اليونانيين والرومان – من أرسطو[2] وسيسرون[3] وسينيكا[4] – إلى حد بناء عقيدة "قتل الطاغية" المذكورة، ومفادها ترميم النظام الطبيعي الذي تم إفساده من قبل الطاغية لتعزيز مصالحها الخاصة، بحيث يصبح قتل هذا الأخير ضروريا لترميم هذا النظام (وهو أمر يشهد له تاريخ القياصرة الرومان على وجه خاص). وقد تطورت هذه العقيدة لتتحول مع تبلور الفلسفة المسيحية، لا سيما في القرن السادس عشر خلال "عصر النهضة"، من "قتل للطاغية" إلى "حق بمقاومتها" لمنعها من التعدي على القوانين الطبيعية "المقدّسة". ففي حين قد ترفض الطاغية التسليم بإدانتها وفق قوانين الطبيعة، تصبح المقاومة والعصيان حقاً يمكن اللجوء إليه لإخضاع الطاغية وإعادة تكوين النظام الطبيعي[5]. من هنا، تجلّت نظرية "القانون الطبيعي المُصلح للقانون الوضعي"، فعندما تتخلف القوانين الوضعية عن الوصول إلى الأهداف التي وُضعت من أجلها وتتخلف عن حماية المصلحة العامة، بحيث تتحول إلى أداة بيد الحكّام لتعزيز مصالحهم الخاصة، تأتي القوانين الطبيعية لدرء الشواذ وحماية المصلحة العامة ومعها النظام العام الطبيعي.

وفي مطلع الثورة الفرنسية سنة 1789، أصدرت الجمعية التأسيسية الوطنية (برلمان الثورة آنذاك) "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" حيث تبنت المادة الثانية منه وللمرة الأولى حق مقاومة الظلم والإستبداد (الطغيان) كحق من حقوق الإنسان، وهو لا يزال يتمتع بقوة دستورية في القانون المقارن الفرنسي حتى اليوم بفعل تبني مقدمة دستور الدولة الفرنسية الحالي لإعلان حقوق الإنسان والمواطن المذكور. وقد رأى مؤرّخو الإعلان سنة 1789 في "حق المقاومة" إمتدادا لنظرية القانون الطبيعي المُصحح للقانون الوضعي – وفق فهم أرسطو لها – وتالياً كقوننة للمفهوم الفلسفي.

 لكن سرعان ما تم إستبعاد هذه النظرية في مطلع القرن التاسع عشر مع إعادة إحياء نظريات الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز وتبنيها في فلسفة القوانين التي صدرت منذ ذلك الحين. فوفق هوبز[6]، لا توجد قوانين إلاّ تلك التي تصدرها الدولة. أمّا التكلم عن قوانين طبيعية وحق طبيعي في المقاومة إنما يشكل تناقضاً بحد ذاته، إذ لا قوانين ولا حقوق في الطبيعة، وكل من خالف قوانين السلطة يُعتبر ثائرا ومفاده العودة إلى حالة الطبيعة[7]. وعلى هذا الأساس، أوجدت القوانين الجزائية المختلفة أحكاما خاصة تعاقب العصيان ومقاومة السلطة (ومنها قانون العقوبات اللبناني الذي يعاقب العصيان المسلح في المادة 303 منه). وقد ذهبت بعض المحاكم، مثل محكمة التمييز الفرنسية في القانون المُقارن، إلى حد إعتبار أن المنظومة التي تسمح لفرد ما أن يتصرف كقاض إزاء أفعال السلطة العامة، هي منظومة تشذ عن مفهوم النظام العام[8]، وأن حتى الأفعال غير الشرعية الناتجة عن القيمين على السلطة العامة (الدولة) لا تبرر العصيان[9]. لا بل وقد وصل الأمر إلى حد إلزام الموظف العام بتنفيذ الأوامر حتى ولو لم تكن شرعية طالما لم تهدد المصلحة العامة بشكل صارخ[10]، وفق قاعدة "نفذ ثمّ اعترض".

إلا أن هذه النظرة المثالية للجمهورية الديمقراطية تصطدم بعدد من الاعتبارات الأساسية. فهي أولاً تنكر وجود القوانين والحقوق الطبيعية على خلاف التوجه العام في فلسفة القانون، وعلى خلاف توجه الفقه والمشرع الدولي كما وخلافاً للنظريات المكرسة في مختلف القوانين الوضعية (فالقانون اللبناني وإجتهاده يعترفان بالقانون الطبيعي في مختلف تجلياته، سواء بالعودة إلى النصوص الجزائية – مثل المادة 183 من قانون العقوبات – أو بالعودة إلى النصوص المدنية مع مفهوم الموجب الطبيعي– مثل المواد 2 إلى 8 من قانون الموجبات والعقود إلخ.). وثانياً، هي تغرق في وهم مثالية عملية الإقتراع وما تنتجه من ممثلين للشعب يصدرون القوانين بإسمه. فألم يعلن الكاتب الفرنسي الشهير فيكتور هوغو في إحدى خطبه أمام مجلس النواب الفرنسي سنة 1850 أن عملية الإقتراع تلغي حق المقاومة؟ فوهم مثالية الإقتراع، يتجاهل تماماً نسب الإقتراع وأسباب الإقتراع ودور رأس المال في عملية الإقتراع وخصوصا دور الفقر في تلك العملية، حاجباً الحق الطبيعي في المقاومة والعصيان وجاعلاً من وهم "الحكم الذاتي" هو الآخر صمام أمان تلك الرواية الخيالية التي يتم إيهامنا بها لتبرير تفشي مخالب أركان النظام وطغيانها على إرادة الشعوب ومصيرها.

تالياً، يتجلى الطغيان في أوجه مختلفة، وليس فقط من خلال الصورة النمطية لممارسات السلطة العامة وتعسفها في إستخدام وكالة الشعب لها. فالطغيان، يمكن أن يتجلى من خلال القوانين التي يتم إصدارها من قبل الطاغية. وعلى هذا الأساس، فقد إعتبر إعلان الجيرونديين (Déclaration Girondine) خلال الثورة الفرنسية سنة 1793، أن الوجه الأول للطغيان هو ذاك المتآتي من أعمال المشرع من خلال إصداره للقوانين[11]. وهي نظرة لا تزال تصلح حتى اليوم وفق بعض فقهاء القانون[12]، لا سيما في ظل تبني قوانين منتجة للامساواة في المجتمع أو تؤدي – مباشرة أو لا – إلى قمع وإخضاغ فئة من المجتمع (مثل كل القوانين التي تهمش فئات كاملة من المجتمع اللبناني – عمّالا وعاطلين عن العمل ومحدودي الدخل ونساء ومثليين ومستهلكي المخدرات إلخ.).

أمّا القول، بأنه يمكن مقاومة الطغيان من خلال الآليات الدستورية التقليدية (مجلس دستوري، مجلس شورى، مكتب النائب العام التمييزي، مجلس النواب إلخ.)، فهو ينمّ عن تجاهل تام لمكانة الطاغية وامتداد مخالبها على مختلف أركان النظام. فهي تملك ما يكفيها من المال والنفوذ لشراء ولاءات داخل مؤسسات الدولة. وفي حال رسبت في شراء الولاءات تلك، فهي تملك ما يكفيها من المال والنفوذ لإستخدام مؤسسات الدولة لقمع المعترضين لها. فكم من دعوى قضائية رفعها أعوان السلطة والقيمون عليها ضد صحافيين وناشطين بسبب جملة أو كلمة أو فاصلة لم ترُقْ لهم، فأسكتوا من تكلم ضدهم تحت ذريعة القدح والذم والتحقير؟ وكم من تقارير صدرت، تثبت نهب أركان النظام للمال العام، وشكلت الحصانات أو أيضا ضعف استقلال القضاء حائلا دون ملاحقتها؟

كل هذا، إن دلّ على أمر ما، فهو الإنعدام التام للتوازن في موازين القوى بين الشعب وأركان النظام (الطاغية). فعندما تصبح المحاسبة، وفق الآليات الدستورية التقليدية، عملية مستحيلة بسبب إنعدام التوازن الفادح، تبقى الطبيعة وقوانينها السلاح الوحيد الواجب إعتماده لدرء الطاغية. وتالياً يصبح حق المقاومة والعصيان، كحق طبيعي لصيق بالإنسان لا يمكن التنازل عنه، وأداة ضرورية لتعديل قاعدة المعادلات بين الشعب والطاغية، بهدف إستعادة النظام العام.

 

مفاعيل حق المقاومة والعصيان على قاعدة المعادلات

في عدد سابق ل "المفكرة"[13]، نشرْتُ كرونيكا تحت عنوان: "معركة عمّال سبينس لإنشاء نقابة: بروميثيوس في الأشرفية"، بحثت فيها عن استراتجيات مؤسسي النقابات العمّالية لقلب موازين القوى في علاقاتهم مع أصحاب العمل بغية تعزيز قوّتهم التفاوضية. وعلى غرار ما ذكرته أعلاه لناحية إستخدام الطاغية لنفوذه لقمع المعارضين له، عمدت شركة سبينس أثناء معركة إنشاء نقابة العمّال سنة 2012، إلى محاربة هؤلاء من خلال إغراقهم بعدد هائل من الدعاوى الجزائية (لا سيما دعاوى قدح وذم وتحقير)، وجيّشت كل طاقاتها وقوّة رأس مالها لإستكمال المعركة ضد عمّالها إعلامياً وفي أوساط العمّال أنفسهم في مختلف فروعها. وما أظهرته هذه القضية هو كيف يلغي إنعدام التوازن في القوى بين العمّال وصاحب العمل (شركة سبينس) أي فرضية للتفاوض المنطقي بين الأطراف، فالقوة تغلب المنطق والحلقة الأضعف تساوم مرغمة. بالفعل، فحتى لو لجأ العمّال إلى الإضراب التقليدي، جلّ ما يمكنهم إنجازه هو المساومة على الخيار الأقل ضرر لهم[14]. إلا أن عمّال سبينس، ومن خلال نقل معركتهم إلى الساحة العامة والإعلامية من جهة، وخاصة من خلال نقلها إلى الساحة القضائية الجزائية من جهة أخرى (فرفعوا وربحوا سنة 2018 الدعوى الجزائية ضد الشركة وضد رئيس مجلس إدارتها على أساس المادة 329 من قانون العقوبات لمنع الشركة ورئيسها عمّالهما من ممارسة حقوقهم وموجباتهم المدنية)، نجحوا في درء هذا الوضع العبثي للاتوازن على نحو عدّل قاعدة المعادلات[15] في لعبة موازين القوى التي إنقلبت إذ ذاك لصالحهم.

هذا هو تحديداً المفعول الأول والأساسي لممارسة الثوار لحق المقاومة والعصيان، فقطع الطرقات وتكسير زجاج واجهات المحلات في وسط بيروت التجاري وتزيين جدران المدنية بزخرفات – جارحة أحياناً للقيمين على السلطة – وحتى السباب المتعارف عليه خلال المظاهرات، وخاصة المثابرة على كل هذه الأمور وذلك على إمتداد أيام عدة، شُلّت من خلاله حركة السوق في البلد وأُقفلت المتاجر والمصارف وتوقف العمل العادي في الدوائر الرسمية، كلها تشكل عملياً: تفاوضاً – بالمعنى السوسيولوجي للكلمة – من قبل الثوار لقلب موازين القوى بين الشعب والنظام وتالياً إرساء قواعد عادلة لإمكانية القيام بتفاوض منطقي.

وعلى هذا الأساس تتجلى قوّة القانون الطبيعي لإصلاح القانون الوضعي. فكيف يتم إصلاح القانون الوضعي إذ ذاك؟ وهل تشكل ممارسة حق المقاومة والعصيان مصدرا بحد ذاتها للقانون؟ إن الأساطير التأسيسية للعصيان تشي بهذا الأمر، فألم تفرض أنتيجون (Antigone) مفهوماً آخر للعدالة من خلال مخالفتها لأوامر كريون (Creon

تتجلى مفاعيل المقاومة والعصيان على مستويين أساسيين: الأول هو مساومة النظام مع مطالب الشعب الثائر – وهو أمر يحصل على المستوى السياسي للمعركة، أمكن رصده منذ الأيام الأولى التي تلت الثورة وتفاقم مع تطورها (ورقة إصلاحية، خطابين لرئيس الجمهورية، خطاب أمين عام حزب الله الثاني إلخ.). أمّا الثاني فهو إرساء مفاهيم قانونية وحقوقية جديدة في النقاش العام، لا سيما عندما ينتقل هذا النقاش العام إلى خشبة مسرح القضاء، بحيث يلعب القاضي هنا دوراً أساسياً كأكثر السلطات الدستورية في الجمهورية قرباً من الشعب وأكثرها فعالية إزاء تطوير القوانين الوضعية وتالياً إصلاحها على ضوء القوانين الطبيعية. وإن مثل الناشطين الذين يتم توقيفهم وإحالتهم بفعل عصيانهم أمام القضاء للمحاكمة، قد يكون الأكثر تجسيداً لهذه النظرية. فبإمكان هؤلاء أن يتذرعوا بمبادئ قانونية قد تكون عامة ومستنبطة من القانون الطبيعي عينه أو تكون مستنبطة من معاهدات الحقوق والحريات الأساسية، فيتم فرضها على النقاش العام أمام القاضي بغية إستخراج تفسيرات وقراءات بناء للقانون الوضعي[16]. وهذا ما يفرقهم عن مرتكبي المخالفات في الأوضاع العادية: بحيث تختفي تماما نيتهم الجرمية وتنحجب بنواياهم الإصلاحية[17]. وقد أمكن استدراك هذا الأمر حديثاً في لبنان تبعاً لتوقيف عدد من ناشطي حراك 2015 وإحالتهم إلى القضاء الجزائي. ففي سنة 2018 أصدرت القاضية المنفردة الجزائية في بيروت عبير صفا أربعة أحكام بإبطال التعقبات بحق العديد من ناشطي حراك 2015. وكان هؤلاء أطلقوا شعارات سياسية عدة في اتجاه القوى السياسية المهيمنة، من نواب ووزراء ("طلعت ريحتكم" أو "128 حرامي" إلخ.). وللوصول إلى إبطال التعقبات، رأت القاضية صفا أن العبارات موضوع الإدعاء "كانت وليدة واقع الحال السائد في البلد، وقد صدرت عن [المدعى عليهم، الناشطين] إجتماعياً، تعبيراً عن الاستياء العام، الذي لم يكن خافياً على أحد، في المرحلة التي كانت فيه أزمة النفايات تطال جميع المناطق اللبنانية وتمس بصحة المواطنين أجمعين" وأنها تالياً لا تشكل تحقيراً حتى "وإن كانت جاءت بشكل صريح ومباشر خارج أدبيات التخاطب وحدود اللياقة في إبداء الرأي، والمفروض التحلي بها تجاه أي شخص، وإن كان هذا التجاوز في التعبير يشكل في ظاهره مساساً بالكرامة"[18].

أبعد من ذلك، فقد تجلت مفاعيل المقاومة والعصيان على العمل القضائي بشكل عام ونظرة القضاة لوظيفتهم ودورهم في المجتمع، وإن هذا الأمر ظهر عندما ذهب أعضاء "نادي قضاة لبنان" فور إندلاع ثورة 17 تشرين إلى إصدار بيان تاريخي – هو الأول من نوعه في وظيفة يهيمن عليها "موجب التحفظ" – طالبوا فيه إتخاذ الدولة لعدد من الإجراءات لدرء فساد السلطة، أبرزها: تحمّل الزعماء السياسيين كافة المسؤولية الشخصية بالتكافل والتضامن عن عجز الخزينة الذي أنتجته سياساتهم بشكل مباشر أو غير مباشر على مدى سنوات طوال والتي تُرجمت في قرارات حكومات التحاصص المتتالية؛ وعدم تحميل الشعب أي ضريبة مستحدثة، والعمل على التخفيف من الحالية ولا سيما الأخيرة منها، والتي أتت لإعادة تعبئة الصندوق الأسود لتمتدّ الأيادي إليه إلى ما لا نهاية؛ ومنع المسؤولين من مغادرة لبنان وإزالة درعي الحصانة الوظيفية والسّرية المصرفية ونشر حسابات كل من تولّى الشأن العام علناً تمهيداً لمحاكمته محاكمة عادلة واسترداد المنهوب من أموال الناس؛ وإقرار قانون معجّل باستقلالية السلطة القضائية عبر منح القضاة حق انتخاب مجالسهم وحصر التشكيلات القضائية بها إلخ.

هكذا تكون تجلّت أهمية ممارسة حق المقاومة والعصيان الطبيعي لدرء طغيان النظام ولإصلاح قوانين البلد. لولاها، لكنّا دُفنّا تحت الركود الذي حاولت أركان النظام جاهدة فرضه من خلال تهميش المواطنين بدرجة أو بأخرى إقتصادياً وسياسياً ومالياً، وإذ بالشعب يفاجئ تلك الأركان ("صدمة إيجابية") ليل 17 تشرين الأول ويقلب رواية النظام، فيحتل الساحات المنهوبة وينتصر أخيراً على هذا الركود.

 

 


[1] أريسطو، "الأخلاق النيقوماخية".

[2] يراجع كتاب "السياسة" له.

[3] Cicéron, De Officis.

[4] Sénèque, De Beneficiis.

[5] Éric DESMONS, « Droit de Résistance », in Dictionnaire de la Culture Juridique, Quadrige / LAMY-PUF, 2010.

[6] Thomas Hobbes, Leviathan.

[7] Éric DESMONS, op. cit.

[8] Cour de Cassation Criminelle, 5 janv. 1821, S., 1821. I. 168.

[9] Cour de Cassation Criminelle, 3 mai, 1961, Bull. no. 234.

[10] Éric DESMONS, op. cit.

[11] Article 32 de la Déclaration Girondine.

[12] François LUCHAIRE, « La Protection Constitutionnelle de Droits et des Libertés », Economica, 1987.

[13]  العدد رقم 61 الخاص بقضايا العمل في لبنان، تموز 2019.

[14] C. OFFE & H. WIESENTHAL, Two Logics of Collective Action: Theoretical Notes on Social Class and Organizational Form, in Political Power and Social Theory, Zeitlin (ed.), vol. 1, Greenwich, JAI Press, 1980.

[15] J. DE MUNCK & J. LENOBLE, Droit négocié et procéduralisation, in Droit négocié, droit imposé ? – Publications des facultés universitaires Saint-Louis, Bruxelles, 1996.

[16] Rafael Encinas de Munagorri, « La désobéissance civile : une source du droit ? », RTD Civ. 2005 p.73.

[17] Idem.

[18]  نزار صاغية، "أبرز الأحكام القضائية في لبنان – 2018"، المفكرة القانونية، العدد 59، نيسان 2019.