فيما تتكاثر المطالب والوعود بمكافحة الفساد، نشهد في الآن نفسه نشوء ممارسات من شأنها إغلاق السبل القضائية الممكنة للقيام بذلك. أبرز هذه الممارسات تتمثل في تعزيز هرمية مطلقة داخل النيابات العامة، على نحو يؤدّي إلى حصر امكانية مباشرة دعاوى الفساد ومجمل دعاوى الشأن العام أو عدم مباشرتها في شخص واحد هو النائب العام التمييزي. وهي ممارسات جدّ خطيرة، من شأنها أن تولّد سوابق غير مؤاتية لأداء النيابات العامة لدورها في حماية الصالح العام.

ويجدر التنبيه بداية منعا لأي تأويل أو تفسير يخرج المقال عن سياقه، أن الهدف منه هو حصرا التنبيه إلى ممارسة خطيرة تشهد تمدّدا في العدلية منذ تولّي النائب العام التمييزي الجديد غسان عويدات صلاحياته في أيلول الماضي، وفي الآن نفسه التنبيه إلى المخاطر التي قد تحدق بالمرحلة الانتقالية ما بعد الانتفاضة اللبنانية أو تمنع تحقيق أهدافها، ومن أبرزها مكافحة الفساد. كما يجدر لفت النظر إلى أنني أتخذ في هذا المقال نفس الموقف الذي كنت اعتمدته في 2013 اعتراضا على قرارات مماثلة كان أصدرها النائب العام التمييزي الأسبق حاتم ماضي، حيث كتبت مقالا عنوانه "هذه الهرمية التي لم تعد تحتمل". ومن شأن هذا الأمر أن يدحض أي اتهام قد يُوجّه لهذا المقال بأنه يرمي للدفاع عن قاضٍ بعينه تضرر من هذه الممارسات أو أنه يستهدف القاضي الذي بادر إلى إرسائها (عويدات). وأنا أُكثر من هذه الإيضاحات، استدراكا لما لجأت بعض الأوساط القضائية إلى تسويقه لجهة أن أي انتقاد يوجّه إلى عويدات يشكل استهدافا له وحملة ضدّه وربما ضدّ القضاء برمته. ومن شأن هذه العوائد غير الديمقراطية التي اعتادت عليها دوائر القوى السياسية الحاكمة، أن تتيح للمسؤول العام التنصّل من إجابة الحجة بالحجة، تبعاً لظهوره مظهر ضحية تستجرّ التعاطف أكثر مما تستدعي المساءلة. وما آمل به من هذا المقال هو العكس تماما، أي أن يشكل مدعاة لبدء التفكير في مسألة بالغة الخطورة تمهيدا لإعادة تصويب مسار العدالة والأداء داخل النيابات العامة.

وفيما نشرنا أمس الحلقة الأولى من المقال والتي بيّنا فيه كيف فرض عويدات هرمية مطلقة في أداء النيابات العامة بما يتجاوز ويخالف قانون أصول المحاكمات الجزائية، ننشر هنا الحلقة الثانية والتي نتناول فيها المخاطر الناجمة عن هذه الهرمية.

 

1- شخصنة الحق العام: النيابة العامة "الامتيازية"

من النافل القول أن هرمية كهذه تقودنا حكما إلى شخصنة الحق العام بعدما حصر عويدات بشخصه سلطة تحريك أو عدم تحريك الدعوى العامة في مجموعة كبيرة من الجرائم، هي كما سبق بيانه مجمل الجرائم المتصلة بالقطاع العام والشأن العامّ، أي كل جريمة ذات أبعاد اجتماعية أو سياسية. ومن مخاطر إناطة مهامّ بهذا الحجم بشخص واحد، هو ربط الدفاع عن الحق العام بإرادة هذا الشخص وتوجّهاته وارتباطاته والضغوط التي قد تمارس عليه على اختلافها، كل ذلك بغياب أي ضوابط أو توجّهات عامة تحدد كيفية استخدام سلطته هذه. يضاف إلى ذلك أن من شأن فائض النفوذ هذا أن يؤدي إلى جعله غير قابل لأي نوع من المحاسبة الفعلية، وبخاصة في ظل ضعف أداء هيئة التفتيش القضائي وانتقاصها إلى أدوات التحقيق.

وإثباتا لذلك، يجدر التذكير بتجربة النائب العام التمييزي الأسبق عدنان عضوم الذي تحوّل بفعل نفوذه والممارسات التي أرساها إلى لاعب سياسي بامتياز، داخل قصر العدل وخارجه، إلى درجة حملت أحد كبار الصحفيين (الراحل غسان تويني) بتسمية عهده ب "العهد العضومي". كما أُطلقت عليه ألقاب عديدة كـ "الفرعون[1]"، و"حاكم لبنان القضائي"، "الفاصل بين حدّ تحقيق العدالة وحد السياسة[2]" و"سوبر ستار العدلية[3]". كما أن الصحف استخدمت كلمة "ديوان" للإشارة إلى مكتبه الذي أضحى محجّة للسياسيين وأصحاب النفوذ. وإذ سعت هيئة التفتيش القضائي إلى التصدي لعمله من خلال التأكيد على عدم شرعية التحقيقات التي كان يجريها قبل 2001 بغياب نص قانوني يسمح له بذلك، فإن عضوم ردّ على الهيئة بهجوم إعلامي صاعق، معلنا أن مساءلته تتمّ فقط من قبل وزير العدل، مبرئا نفسه من احتمال محاسبته من قبلها. وقد انتهى مجلس القضاء الأعلى إلى تغليب موقف عضوم على موقف هيئة التفتيش القضائي.

وبالطبع، خطورة شخصنة الحقّ العام لا تتوقف عند استغلال النفوذ أو تحويل النيابة العامة التمييزية إلى إمارة شخصية بما قد يستتبعها من امتيازات ومنافع، بل غالبا ما تتحول إلى أداة شديدة الفعالية في يد القوى الحاكمة لفرض شروطها وخطوطها الحمر أو حتى الاشتراك في استغلال ما لديها من نفوذ وسلطة، داخل النيابات العامة والقضاء عموما. ويتأتى هذا الأمر بشكل منطقي من الصلاحية المناطة بالحكومة بتعيين النائب العام التمييزي وعزله بمرسوم ومن دون حاجة لمراجعة أي هيئة قضائية ولو على سبيل الاستشارة في هذا الشأن، وخصوصا في ظل ضعف الشفافية والآليات الديمقراطية في اتخاذ القرارات العامة. وعليه، وفي ظل منظومة كهذه، غالبا ما يبرز النائب العام التمييزي بمثابة الشخص المحوري بالنسبة للقوى الحاكمة داخل قصور العدل، بحيث تصبح قادرة من خلال استدراج ولائه على وضع يدها على شبكة النيابات العامة برمّتها. فلا تتحرك دعوى إلا تحت السقف الذي تريده هذه القوى.

ومن أبرز الشواهد على هذا التوجّه والتي وثقتها المفكرة في السنوات الماضية، تحوّل النيابة العامة التمييزية إلى مقصد لأصحاب النفوذ، يقدّمون لديها شكاويهم وتتولى هي التحقيق فيها مباشرة، حتى ولو كانت قليلة الأهمية (قضايا القدح والذم مثلا). وقد بدت النيابة العامة من خلال ذلك وكأنها تحدّد الجرائم التي تقرّر التحقيق بها على هذا الوجه، ليس على أساس خطورتها الموضوعية بل على أساس مقام الأشخاص المعنيين بها، سواء كانوا مرتكبين أو ضحايا. وهذا ما دفعنا إلى القول بتحوّل النيابة العامة التمييزية إلى نيابة عامة امتيازية. ومن شأن هذه التوجهات أن تضغط على تعريف عويدات للجرائم الخطرة التي يجدر إعلامه مسبقا بها، بحيث يشمل هذا التعريف أي ادعاء ضد أي من الأشخاص النافذين (كما حصل في قضية الإثراء غير المشروع المقدمة ضد السيد نجيب ميقاتي وبنك عودة) حتى ولو كان الجرم خاليا بحد ذاته من أي اعتبارات أمنية. فمن هذه الزاوية، لا تكمن الخطورة في طبيعة الجرم إنما في أهمية المقام المتصل به.

وما يزيد من حدة المخاوف إزاء شخصنة الحق العام، هو اشتمال مركز النائب العام التمييزي، ضمن المحاصصة الطائفية في توزيع المراكز القضائية وما يستتبعه من ارتباط مميز بإحدى القوى السياسية الحاكمة. فبفعل هذه المحاصصة، يصبح من شأن أي توسيع لصلاحيات النائب العام التمييزي أن يؤدي إلى تغليب كفة فريق سياسي على حساب الفرقاء الآخرين وأن يستتبع حكما ردود أفعال من سائر القوى السياسية الساعية بدورها إلى المحافظة على مواقعها ونفوذها داخل القضاء.

 

2- المس باستقلالية النيابات العامة:

الضرر الثاني الناجم عن هذه الهرمية هو تجريد النواب العامين مما بقي لهم من استقلالية في أداء مهامهم، بفعل تعميم الرقابة المسبقة على القضايا الهامة التي يتولون النظر فيها والاستيلاء على بعض صلاحياتهم، وبخاصة في القضايا المتصلة بالقطاع العام. وهنا أيضا نعود ونكرر نقدنا لتوجهات عويدات والذي سبق وذكرناه في الحلقة الأولى من هذا المقال: بدل أن تنصبّ الجهود على تعزيز استقلالية القضاة العاملين في النيابة العامة من خلال التخفيف من حدة الهرمية (المضخّمة أصلا) التي يمارسها النائب العام التمييزي وبدرجة أقل النواب العامون الاستئنافيون، ذهب عويدات في اتجاه معاكس تماما نحو تحويل هذه الهرمية إلى هرمية شبه مطلقة، يضمحلّ معها أي حديث أو مسعى عن استقلالية النيابات العامة. وهذا ما عبّرت عنه عدد من التحقيقات الصحفية التي أوردت نقلا عن مصادر قضائية لم تكشف عن هويتها، أن لا مجال للحديث عن استقلالية النيابات العامة (النهار والأخبار). وفيما تعكس هذه التصريحات حدة الهرمية الراهنة داخل النيابات العامة في القانون والممارسات اللبنانية، فإنها تنسف بالمقابل مبادئ الاستقلالية التي يجدر التمسك بها وصولا إلى تطوير أدائها في الدفاع عن الحق العام.

ويتأكد ذلك من خلال أمور ثلاثة:

الأول، أن أعضاء النيابات العامة في لبنان كلهم قضاة أقسموا اليمين بأن يقوموا بوظائفهم القضائية بمنتهى الإخلاص والتجرد وأن يكونوا عادلين "بين الناس أمينين على حقوقهم" ... وأن يتصرفوا في كل "أعمالهم تصرف القاضي الصادق الشريف" من دون أن يميزوا بين الوظائف التي قد يتولونها خلال مسارهم المهني في القضاء أو في النيابة العامة (المادة 47 من قانون تنظيم القضاء العدلي). ومن النافل القول أن الالتزام بهذا القسم لا يكون ممكنا ما لم يتمتع أعضاء النيابة العامة بالحد الأدنى من الاستقلالية، أقله لجهة التصدي لأي تعليمات تتعارض مع القوانين أو تضيق من صلاحياتهم. كما أن المادة 44 من قانون تنظيم القضاء العدلي وضعت أن القضاة مستقلون في إجراء وظائفهم وإن عادت المادة التي أعقبتها (45) وحدّت من هذه الاستقلالية من خلال إخضاعهم لإدارة ومراقبة رؤسائهم ووزير العدل، وهذا ما تم تعديله في 2001 بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية من خلال نقل السلطة على النيابات العامة من وزير العدل إلى النائب العام التمييزي. وما نتبينه من هاتين المادتين أن المبدأ يبقى الاستقلالية، حتى ولو فرض مبدأ وحدة النيابة العامة الحدّ من مداه بدرجة معينة كما فعلت المادة 45 ومن بعدها. وهذا ما يتماشى مع المعايير والتوجهات الدولية وبخاصة في الدول التي تعمل وفق النظام الفرنسي، وأحدثها عهدا التطور الحاصل في تنظيم النيابات العامة في المغرب وتونس،

الثاني، أن التسلسلية (أو الهرمية) داخل النيابة العامة (بخلاف القضاء العادي) لا تجد مبرر وجودها في توحيد المرجعية صاحبة القرار أو تسليط قاضٍ على آخرين إنما في ضمان المساواة بين المواطنين من خلال وضع قواعد عامة موحدة (تعاميم أو تعليمات عامة) في تفسير القوانين وتطبيقها من قبل النيابات العامة على طول التراب الوطني من دون أي تمييز. ونتبين هنا فارقا شاسعا بين المنحيين: ففيما تقودنا الهرمية المبنية على شخصنة الحق العام إلى فتح الباب أمام ممارسات الامتيازات والتمييز على أساس مدى نفوذهم ومدى قربهم من رأس الهرم وفق ما سبق بيانه، فإن من شأن الهرمية القائمة على وضع سياسات جزائية وإصدار تعاميم ملزمة أن تضع حدا للفوضى والانتقائية والمحسوبية (وكلها أمور يعج بها عمل النيابات العامة وفق اعتراف عويدات في تعميمه نفسه) وأن تفتح باب المساواة أمام القانون والقضاء في آن. ومن البيّن أنه يشترط لصحة هذه التعليمات العامّة أن تكون موافقة للقانون وللصالح العام ومبنية على المساواة بين المتقاضين وأن تكون منشورة ومتاحة لهؤلاء. ففي هذه الحالة، وفقط في هذه الحالة، نكون في صدد بناء مؤسسة النيابة العامة على نحو يضمن وحدتها وتطورها ويزيد من قدراتها على تحقيق الصالح العام.

الثالث، أن الحد من مجالات الانتقائية لا يمكن حصوله إلا من خلال تفعيل مبدأ CHECK & BALANCE ومن خلال إعمال الحد الأدنى من الشفافية، وهو أمر يستحيل في حال حصر الملفات كلها لدى شخص واحد، يؤدي فائض نفوذه إلى وضعه بمنأى عن أي رقابة. 

ومن هنا، تأخذ تدابير عويدات الهادفة إلى فرض هرمية مطلقة (منتفخة) طابعا كاريكاتوريا يشكل في عمقه تعارضا تاما مع القانون ومع مبادئ تنظيم النيابات العامة.

 

3- تهديد مكافحة الفساد مسألة سياسية وليس حقوقية

الأمر الثالث الذي نخشاه من هذه التدابير هو تحولها إلى عائق إضافي أمام متابعة قضايا الفساد أو وقف التعديات في مجمل القضايا المتصلة بالشأن العام بما فيها من قضايا بيئة وصرف نفوذ ... الخ. وهذا ما نستشفه من الإجراءات الخاصة المفروضة بموجب هذه التدابير، وقوامها إعمال الرقابة المسبقة في جميع هذه القضايا وحصر المراسلات بين النيابة العامة والهيئات العامة على اختلافها بالنيابة العامة التمييزية وحدها.

فمن شأن هذه التدابير أن تزيد من الاجراءات المطلوبة لاستدعاء أي شاهد من العاملين لدى الهيئات العامة أو رفع الحصانة عن أي من هؤلاء بحيث يضاف إليها إعلام النائب العام التمييزي وانتظار اجراءاته (التي قد تأتي أو لا تأتي)، وأن يزيد من المرجعيات المطلوب الحصول على موافقتها وعمليا الحصانات لهذه الغاية (النيابة العامة التمييزية)، وبالنتيجة أن يزيد من العوائق أمام ملاحقة الموظفين العموميين وتاليا من مجالات إفلاتهم من العقاب. وبذلك، يصبح النائب العام التمييزي، المرجعية الأبرز في فتح أو إغلاق ملفات فساد، مع ما يستتبع ذلك من استنساب وشخصنة وتسييس وامتيازات لكل مقرب أو صاحب نفوذ كما سبق بيانه.

ومن هذه الزاوية، تبدو التدابير المتخذة في حال مخالفة لتعهدات لبنان في اتفاقية مكافحة الفساد وبخاصة للمادة 11 منه المتصلة بضمان استقلال ونزاهة النيابات العامة، والمادة 30 المتصلة بالتدابير الواجبة لتحقيق توازن مناسب بين أي حصانات او امتيازات قضائية ممنوحة لموظفيها العموميين وامكانية القيام بعمليات التحقيق والملاحقة والمقاضاة الفعالة في جرائم الفساد بالنظر إلى خطورتها وأيضا بوجوب ضمان ممارسة أي سلطة تقديرية في اتجاه ضمان الفعالية القصوى في ملاحقة هذه الجرائم.

وكان ينتظر بالواقع من عويدات أن يتجه في اتجاه معاكس تماما، كأن يضع تعميما يطلب من النيابات العامة التشدد في ملاحقة جرائم الفساد مع تفسير النصوص المتصلة بها، ومن أبرزها النصوص المتصلة بتحديد الأفعال المتصلة بالوظيفة العامة والتي تشملها الحصانات والاجراءات الواجب اتخاذها لتجاوزها وبخاصة في حال تخلّف الإدارات العامة عن إجابة طلب الإذن بالملاحقة، على نحو يؤدي إلى تفعيلها من دون أي تمييز ومن دون التوقف عند أي اعتبار أو غطاء سياسي، لا إلى إهمالها. ومن المهم بمكان في هذا الخصوص أن يحدد عويدات الحالات التي يلزم فيها نفسه شخصيا بممارسة صلاحيته القانونية بتجاوز رفض الإذن. فعدا عن أن من شأن تعليمات عامة مماثلة أن تضمن انخراط النيابات العامة جميعها في مكافحة الفساد، فإن من شأنها أن تحول دون أي شخصنة أو انتقائية وأن تعزز من مشروعية الملاحقات التي قد تحصل من جراء ذلك.

 

هذه هي أبرز المخاطر الناجمة عن إعمال الهرمية المطلقة داخل النيابات العامة. وهي مخاطر نضعها برسم النيابة العامة التمييزية آملين أن تشكل أسبابا موجبة لبدء ورشة عمل مؤداها ضمان المصالح العامة والمساواة بين جميع المواطنين بمنأى عن أي تمييز أو امتياز.

 


[1]  غسان تويني. في العدالة وحصانتها والحرية و..."الفرعنة". جريدة النهار، 11 تشرين الأول 1999

[2]  مجلس الوزراء يعيّن "حاكم لبنان القضائي" و"برج المراقبة". جريدة النهار، 7 تموز 1995

[3]  مواقف وآراء حول طلب النيابة العامة التمييزية رفع الحصانة عن فتوش. جريدة الديار، 7 كانون الأول 2003