كان مجلس نقابة المحامين في بيروت نهار الأربعاء الفائت يعقد اجتماعاً للبحث في عدة بنود، أحدها شكل امتعاضاً لدى المحامين كونه يتعلق بـ "مصير الانتخابات النقابية" ربطاً بظروف البلاد الحالية المتصلة بالاحتجاجات الشعبية وقطع الطرقات. وسرعان ما تم التراجع عن هذا التوجه بفعل توجه "الأوضاع في لبنان إلى الهدوء" ودعت النقابة لجمعية عمومية لإجراء عملية الانتخاب في حال اكتمل النصاب (كانت مقررة نهار الأحد الفائت). وعليه، فإن أول أحد من شهر تشرين الثاني بقي موعدا لأول اجتماع للجمعية العمومية للمصادقة على حسابات النقابة وانتخاب نقيب وأربعة أعضاء جدد، وبسبب عدم اكتمال النصاب ارجئت لتاريخ 17 تشرين الثاني حيث تنعقد الجمعية العمومية من دون شرط توفر النصاب القانوني (وهو ما يحصل اعتياديا منذ عقود). وإن الامتعاض لدى المحامين من نية نقيب المحامين أندريه الشدياق البحث في بند مصير الانتخابات، شكل بالنسبة إليهم محور شك بأن يكون النقيب يسعى إلى تمديد ولايته بذريعة قطع الطرقات، ورُجح عند البعض أن يكون السبب لاحتمال تراجع التأييد للأحزاب في الجسم النقابي بعد الانتفاضة الشعبية على حساب ارتفاع حظوظ المرشحين المستقلين.  

إذن، بعدما كان مجلس نقابة المحامين في بيروت يتهيأ لعقد جلسة من أجل البحث بجدول أعمال تضمن بنداً للبحث في مصير الانتخابات النقابية، تم الإعلان عنه في 28 تشرين الأول، بهدف استباقي لما يمكن حصوله من أحداث قد تمنع انعقاد الجمعية العمومية للمحامين المقرر عقدها خلال شهر تشرين الثاني 2019. وربط نقيب المحامين الإعلان هذا، بأحوال البلاد التي كانت على غير ما هي عليه اليوم، بحسب البيان الصادر في 30 تشرين الأول لمجلس نقابة المحامين، والذي أدلى بأنه وفي ظل الظروف المتجهة إلى الهدوء في البلد، كرّر المجلس أن الجمعية العمومية العادية للمحامين مدعوة بصورة حكمية للانعقاد في دورتها الأولى في 3/11/2019 وعند عدم اكتمال نصابها، ففي دورتها الثانية 17/11/2019.

وخلال انعقاد الاجتماع، كان عدد من المحامين يجتمعون في كافيتريا بيت المحامي في بيروت بانتظار انتهاء انعقاد جلسة مجلس النقابة، وكانوا على قناعة بأن هذا البند لن يتم العمل به نظراً لتحسن الظروف، علماً أنه لا يوجد أي ظرف يستدعي النظر في تأجيل الانتخابات.

في حديث مع المرشح لنقابة المحامين المحامي ناضر كسبار، شرح أنه "حتى ولو استمرت الأوضاع كما هي على حاله منذ بداية الانتفاضة الشعبية فإنه لم يكن هناك أي داعٍ لتأجيل الانتخابات، وذلك لأن الطرقات لم تكن مغلقة بالكامل، بل اقتصر الإغلاق على الطرقات الرئيسية والإبقاء على الفرعية، مما لا يُعد مانعاً امام المحامين للوصول إلى النقابة لإجراء الانتخابات".  

ويؤكد أنه "لم يكن هناك أي قوة قاهرة في البلاد تستدعي تأجيل الانتخابات، ولا حالة طوارئ تمنع حصول الانتخابات". ويرى كسبار أن "إجراء الانتخابات هو ترسيخ للديمقراطية وتكريس لمبادئ النقابة التي لا تقبل التجديد أو التمديد".

 

حصل مرة التمديد في مرحلة الاقتتال الداخلي بإصدار المرسوم الاشتراعي رقم 42 عام 1977

تمديد المجالس النقابية والجمعيات لرئاساتها حصل في مرة سابقة في لبنان، عام 1977 حين كانت البلاد تمر بظروف استثنائية، أي ظروف الحرب التي شكلت حالة تستدعي عدم التنقل نظراً لإغلاق الطرقات حينها والحواجز الأمنية والسلاح المتفلت، الذي استدعى إصدار المرسوم الاشتراعي رقم 42 تاريخ 2 حزيران 1977، على أن ينتهي مفعوله تاريخ 31 كانون الأول 1977. وأُعيد العمل به تاريخ 29 أيار 1980 إلى تاريخ 31 كانون الأول 1980 وأُضيف إليه الاتحادات العمالية واتحاد أرباب العمل.

وقد شمل المرسوم  42آنذاك "الجمعيات" التي تُجسد النقابات والتعاونيات والجمعيات على اختلافها وسائر الهيئات المنبثقة عنها أو المماثلة لها. وسمح بأحكام استثنائية، بأن تدعو الجمعيات لجمعيات عمومية كهيئة انتخابية، على شرط النصاب بالأكثرية المطلقة من الأعضاء في كل الدورات الانتخابية المتتالية، وذلك ما لم ينص نظامها على نصاب يفوق الأكثرية المطلقة. وفي حال لم يتأمن النصاب في الدورة الانتخابية الثانية، يُستغنى عن الدعوة الثالثة، وتستمر عندئذ مجالس الجمعيات وهيئاتها التنفيذية في أعمالها القانونية لغاية سنة 1977. وشرّع المرسوم للمجالس برئيسها وأعضائها وهيئاتها قانونية القيام بأعمالها ضمن الصلاحيات المحددة لها في قوانينها وأنظمتها.

إذن، يُقارب كسبار بين ظروف البلاد في أواخر السبعينيات، والوضع الحالي، مستغرباً طرح فكرة النظر في إمكانية عدم عقد انتخابات من الأساس، نظراً إلى أن الطرقات الفرعية في لبنان بقيت مفتوحة أمام الناس، على خلاف مرحلة الحرب التي كانت تُشكل خطراً أمنياً على المواطنين. ويروي كسبار للمفكرة عن "المخاطر التي كان يواجهها المحامون خلال فترة السبعينيات في التوجه إلى قصر العدل لإجراء الانتخابات، حتى أنه مرة تم قصف قصر العدل خلال عملية انتخاب النقيب الأسبق المحامي عصام كرم عام 1983. وحينها، "استمر المحامون بالاقتراع متحدين القصف الذي تعرض له قصر العدل".

ويُشير كسبار إلى أنه في أصعب الظروف التي مرت على البلاد، تم إجراء انتخابات في العام 1981 حين انتخب النقيب عصام خوري، وعام 1983 النقيب عصام كرم، وعام 1987 انتخب النقيب ريمون عيد.

الحال أن موقف نقابة المحامين في بيروت من الانتفاضة الشعبية لم يرق للكثير من المحامين الذين رأوا أن نقابة الحريات لم تقُم بالدور المطلوب منها إزاء ظروف البلاد، في مقاربة وضعها البعض مع التفكير في تأجيل الانتخابات. إذ كانت النقابة لزمت الصمت منذ انتفاضة 17 تشرين الأول، حتى أصدرت بيانا بتاريخ 24 تشرين الأول، أيدت فيه المطالب الشعبية، وفي الوقت نفسه أيدت بعض ما جاء في الورقة الإصلاحية التي أصدرتها الحكومة في محاولة منها لتنفيس الشارع اللبنانية. وبدلاً من أن تضع النقابة نقدها البناء تجاه ما يحصل في الشارع أو إعلان مساندتها للحراك، مثلما ذهبت إليه نقابة المحامين في طرابلس عبر إعلان الإضراب وإنشاء غرفة عمليات وخط ساخن بتصرف المشاركين والمشاركات في الحراك، فإنها اكتفت بالبيان وبإعلان تقديم المساعدة عبر المعونة القضائية دون اتخاذ تدابير لتقريب اللجنة من المتظاهرين.

ويلفت عدد من المحامين للمفكرة أن موقف النقابة كان هزيلاً إزاء الانتفاضة، إذ يشير المحامي غسان مغبغب إلى أن النقابة بدت وكأنها غير موجودة علماً أن تاريخها يشهد على دعمها للحريات والحقوق.