بعد أيام من الإحباط الذي خيم على أجواء الحراك الشعبي المطلبي في مدينة النبطية، نتيجة للضغوط والتهديدات التي طاولت منظميه والمشاركين فيه، تمكن الحراك، تزامنا مع "أحد الضغط"، من استجماع أنفاسه، ورص صفوفه، والإنطلاق مجددا بحلة جديدة غير مستفزة لمكونات المنطقة السياسية.

واتفق المحتجون على خارطة طريق للحراك، تضمنت عددا من النقاط، وعلى رأسها عدم اللجوء إلى قطع الطرقات، والتشديد على سلمية الحراك، والتركيز على المطالب المعيشية والخدماتية، والاكتفاء بالساحة المسيجة بالحديد بجانب مبنى السراي، كمكان رسمي للاعتصام. وفي الساحة نفسها قرروا إقامة جلسات حوارية وتثقيفية مفتوحة، حول أسباب الحراك ومطالبه، إضافة إلى الاتفاق على تنظيم مظاهرة شبه يومية نحو فرع مصرف لبنان في المدينة، ثم الانضمام ليلا إلى حراك كفررمان.

واليوم صباحا، قام عدد من المحتجين، بالدخول إلى مبنى "ليبان بوست"، عملا بدعوة إغلاق الإدارات والمصارف التي أطلقتها الإنتفاضة في كل المناطق، وتمكنوا من تحقيق مرادهم في مكاتب البريد (ليبان بوست) كما اعتذر فرع مصرف لبنان في النبطية عن استقبال الزبائن فيما أقفلت أبواب مصارف عدة.

ورغم سلمية الناشطين والناشطات الذين قرروا تطبيق هذه الخطوة في النبطية، خيمت أجواء التوتر على المدينة، التي حاول موظفو مؤسساتها الرسمية والخاصة، عدم التجاوب مع مطالب المحتجين.

وبالنظر إلى حركة السوق التجاري، التي عادت إلى سابق عهدها، وإدارات الدولة والمصارف والمؤسسات والمدارس والجامعات والمعاهد، التي حاولت استئناف دواماتها بشكل طبيعي، وطرقاتها المفتوحة، يمكن القول أن ناشطو النبطية حافظوا قدر الإمكان على حراك منطقتهم.

ومازال منظمو الحراك الذين لا يتجاوز عددهم العشرين شخصا، يساندهم بعض "الانتحاريين" (بمعنى المقاومين للضغوط) مصرين على النزول يوميا إلى ساحة الإعتصام، ودعوة الناس إلى المشاركة، وقد أنشأوا مجموعتين لتنظيم عملهم، مجموعة متاحة للجميع سموها "التبليغات"، تُعنى بطرح الآراء وتبادل المعلومات، ومجموعة مصغرة، مهمتها قيادة الحراك.

التحديات التي تواجه حراك النبطية، معقدة وحساسة، ولا تتشابه مع ما يساق ضد الحراك في المناطق الأخرى، من شائعات واتهامات. فقد تمكن خصوم الحراك، من تشويه صورته، إلى حد ما، وبالتالي قطعه عن القواعد الشعبية، بعدما ألصقت بمنظميه تهم العمالة للسفارات، والعداء للمقاومة، وإضعاف وحدة الطائفة وغيرها، فانشغل المتحجون بالدفاع عن سمعتهم، والتبرؤ مما سيق ضدهم، بينما آثر آخرون تعليق مشاركتهم، وقعدوا في منازلهم، يدافعون عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

ساحة الحراك في النبطية، هذه الأيام، أشبه بالقفص، الذي تغرد فيه طيور محبوسة، خارج السرب، وهي لا تعدو كونها بضعة أمتار قليلة مسيجة بالعوائق الحديدية، مقتطعة من شارع عريض، يشهد حركة سير عادية، ينظر إليها من يمر بها، بعين الإستنكار وكأنها قطعة أرض محتلة من قبل معتدين على سياقها العام، أو بقلب يحسد من فيها على شجاعة الإختلاف.