قلب تلامذة المدارس  وطلاب معظم الجامعات في لبنان مشهد الثورة في البلاد أمس الأربعاء 6 تشرين الثاني 2019. إذ كان واضحا منذ بداية الثورة الدور الفعّال لجيل سن العشرينات في الثورة وحضورهم الكثيف والفاعل في الشوارع وقطع الطرقات والإعتصامات. ولكن أمس، خفّض تلامذة لبنان سن الثورة إلى ما دون العشرين وتحديدا ما بين 16 إلى 18 عاماً مع خروج معظم تلامذة صفي البكالوريا القسم ألأول والثاني ومعهم تلامذة الأول ثانوي وحتى الشهادة المتوسطة البريفية إلى الشوارع والساحات.

ومع مشهد الخارجين بالزي المدرسي وبهتافات مبتكرة تداول المواطنون في نقاشاتهم وتعليقاتهم سواء في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي الإنطباع الذي يقول أن مشهد شوارع وساحات لبنان أعادت ذكريات ومشاهد حراك السبعينات وتظاهراتها حين شكل التلامذة وطلاب الجامعات مكوناً أساسياً ونشطاً وفعّالاً منها، في قفزة ثورية على شل مجالس الطلاب أو تسييسها وتسييرها في بعض الجامعات وعلى رأسها الجامعة اللبنانية. 

ولم يثر التلامذة والطلاب على السلطة السياسية فقط بل أيضاً على محاولات القمع التي مارسها بعض مدراء ومديرات بعض المدارس. فجاء رد الطلاب متسلحين بحقهم في التظاهر السلمي، رافعين سلاح تطوع العديد من المحامين الدفاع عنهم والإدعاء على مدراء المدارس في حال طردهم أو قمعهم وهو ما تسبب برجوع بعض هؤلاء (المدراء) عن تهديداتهم من دون أن يستمروا في محاولة إقناع ومنع تلامذتهم من التعطيل والتظاهر. ولم تكن مديرة مدرسة عبرا للراهبات الوحيدة التي هددت بطرد الطلاب ومن ثم تراجعت بل سجل طلاب أكثر من خمس مدارس تهديدات تلقوها من إدارات مدارسهم. 

وكانت صفحة "طلاب لبنان" على موقع فايسبوك، والتي يتابعها التلامذة لمعرفة أخبار المدارس والامتحانات الرسميّة، قد نشرت مساء الثلاثء 5 تشرين الثاني دعوة إلى التجمع عند الملعب البلدي في منطقة الطريق الجديدة يوم الأربعاء 6 تشرين الثاني عند الساعة السابعة صباحا للتوجّه إلى وزارة التربيّة. ولبّى طلاب المدارس الرسمية وأخرى الخاصة ومنها مدارس الليسه الفرنسية والكوليج بروتستانت وليسه عبد القادر ومدارس الحريري الدعوة بعد أن جمّعوا أنفسهم. وقال بعض طلاب مدارس الحريري أن إدارة مدرستهم لم ترد عليهم حتّى الآن، ولكنّهم يتوقّعون أن يتعرّضوا للقمع والضغط كي يعودوا إلى صفوفهم.

وكذلك نشرت اللجنة الطلابية في لبنان دعوات إلى تحركات لطلاب جامعات الأميركية واللبنانية الأميركية واللويزة وهايكازيان ومدرسة أي سي في شارع بليس، وكذلك تجمع لطلاب الجامعة العربية أمام حرم جامعتهم.

وبحسب إحدى الطالبات، إنّ التلامذة، وبعدما عادوا إلى الدوام الطبيعيّ يوم الثلاثاء 5 تشرين الثاني 2019، شعروا بأنّ التظاهرات في الشارع قد خفّت وقلّ عديدها، فقرّروا العودة إلى الشارع. ويكمل زميلها "ما بدنا الثورة تنام".

وشهدت بيروت أكبر هذه الإعتصامات أمام وزارة التربية بعدما تعاهد تلامذة معظم المدارس الخاصة والرسمية في العاصمة وخرج كل منهم من أمام مدرسته ليتلاقوا في الشوارع مكونين مسيرة كانت تكبر مع انضمام طلاب وتلامذة من الجامعات والمدارس إليها. كما خرج طلاب جامعات AUST والبلمند والقديس يوسف على وقع هتاف ""هيلا هيلا هيلا هو الجامعة مسكرة يا حلو" و"سكرت سكرت".

وأفاد أحد الطلاب المعتصمين أمام وزارة التربية عن تعرض الطلاب المعتمصين أمام مبنى وزارة التربية في الأونيسكو لاعتداء من قبل عناصر مكافحة الشغب وقوى الأمن، بعد محاولتهم اغلاق الطريق.
ويروي أحد الطلاب أنه هدد بالإعتقال إذا حاول إغلاق الطريق مجدداً، وعندما رفض التهديد صفعه عسكري على وجهه أمام كاميرات تلفزيون الLBC ، وعندما رأى زملاؤه ما تعرض له بدأوا برش عناصر الجيش بالمياه، وليس بالعبوات، فهاجمهم العناصر واعتقلوا طالباً من بينهم.

طلاب الجامعة العربيّة من جهتهم، توجّهوا صباح اليوم الأربعاء إلى جامعتهم، لا للدخول إلى قاعات التدريس، بل للتظاهر أمام جميع مداخل الجامعة في بيروت (وحتّى في مواقف السيّارات). ولمنع الحافلات، التي تنقل الطلاب إلى فرع الجامعة في الدبيّة من السير نام بعض الطلاب أمامها، كما أوقفوا سياراتهم أمام مواقف السيارات، ليرغموا أساتذتهم على المشي ما يقارب الكيلومتر للوصول إلى حرم الجامعة. أمّا ردّ الجامعة فكان إعلانها ببيان إقفال الجامعة حتّى إشعار آخر. وحين لمس الطلاب تفاعلا من قبل الجامعة، وعلموا بتواجد عدد من طلاب الجامعات أمام وزارة التربية في الأونسيكو، قرّروا التوجّه إلى هناك سيرا على الأقدام لمشاركة زملائهم في اعتصامهم الذي يتوقعون تكراره يوم غد الخميس أيضا.

ولم تقتصر الثورة على تلامذة وطلاب بيروت، ففي بعبدا دعا طلاب الجامعة الأنطونية لوقفة إحتجاجية أمام بوابة الحرم الجامعي لدعم الثورة كطلاب، رفضاً لاعتماد الجامعة دفع الأقساط فقط بالدولار، واعتراضاً على تجاهل إدارة الجامعة عريضة وقّع عليها أكثر من 1100 طالب، وفتح أبوابها الثلاثاء في 5 تشرين الأول. وهتف الطلاب المعتصمون : "لبناني لبناني بدنا ندفع لبناني"،  و"طاء طاء طائية سكرنا الأنطونية".

وفي البقاع الشمالي اعتصم تلامذة ثانوية الفاكهة الرسمية هاتفين: "سكر سكر يا مدير"، وفي ساحة الزيتون على طريق البلدة نحو الهرمل "ارفع إيدك ضدن كلن، ضدن كلن يعني كلن"، "يسقط يسقط حكم السارق". وانسحبت الإعتصامات الطلابية إلى بدنايل وزحلة وراشيا أيضا.

أما في جب جنين فقد أقام الطلاب سلاسل بشرية أمام المصارف في المدينة لإغلاقها. وتحدث المعتصمون عن اعتداء  الجيش على بعض الطلاب، واعتقال بعضهم، فيما كان الأهالي والطلاب يهتفون "الله يحيي الجيش"، و"نزلوهم نزلوهم"، لإطلاق سراحهم.

وفي النبطية وطرابلس وصيدا شكل تلامذة المدارس عماد حراك المدن الثلاثة مع طلاب بعض الجامعات، وهتفوا "هيلا هيلا هيلا هو الطريق مسكر يا حلو"، و"لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس"، "حرامي حرامي رياض سلامة حرامي"، و"الشعب يريد إسقاط النظام".

وفي مدرسة حسن صعب ورينيه معوّض في بيروت (وهما في المبنى ذاته)، بدأ قسم من الطلاب بالتشاور فيما بينهم داخل صفوفهم. وقرّر البعض إلقاء النشيد الوطنيّ والانتقال إلى ساحة الشهداء. وعلى المقلب الآخر، تواصل طلاب من المدرستين في ما بينهم وأنشأوا مجموعة على موقع واتساب وصل عدد المشاركين فيه إلى 120 طالبا من المدرستين، لبّى 60 من بينهم نداء التظاهر أمام وزارة التربية الذي وجهّه طالب من مدرسة حسن صعب. يعبّر الطالب عن تفاجئه بعدد الطلاب الذين لبّوا الدعوة خاصّة أنّه أرسلها عند الثالثة فجرا. تجمّع الطلاب عند الساعة 7 صباحا على محطّة بنزين قريبة من المدرسة، تحرّكوا من هناك ولاقاهم طلاب مدرسة شكيب إرسلان.

ولحقت مديرة مدرسة رينيه معوّض بالطلاب قبيل انطلاقهم وتمكنت من منع ثلاثة منهم وهدّدت بالطرد النهائيّ، ولكنّها تراجعت عن الموضوع بعدما أرسل لها طالب بأنّ محاميا من فردان سيدافع عن كل طالب يتعرض للطرد التعسفيّ. ولكنّها لم تتوان عن إرسال ناطور المدرسة إلى مكان الإعتصام أمام الوزارة، لتصوير الطلاب ومعرفة من يشارك منهم، وحجّتها كانت أنّه يوصل أوراقاً للمدرسة إلى الوزارة. تردّ إحدى الطالبات ساخرة: "ما تذكّر يوديهن إلا اليوم".

أمّا مدير مدرسة حسن صعب، فقال بأحقيّة التظاهر وحرية التعبير ولكن لم يسمح للطلاب بالخروج من حرم المدرسة بعد دخوله صباحا، فما كان منهم إلا أنّ توجهوا إلى نقطة الإنطلاق.

وسمع بعض الطلاب مؤهّلا أول من عناصر قوى مكافحة الشغب يأمر زملاءه بإزاحة الطلاب من مكان اعتصامهم، وتعرّض طالبان لضربة عصا من قبلهم. وبالرغم مما حصل من قبل قوى مكافحة الشغب، وقف الطلاب ليصرخوا "سلميّة سلمية". وأكّد الطلاب أنّهم مستمرون في مظاهراتهم أمام الوزارة في الأيّام المقبلة مؤكّدين أن عددهم سيزداد.