تحت إرادة الضغط الشعب، أصدر وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال محمد شقير بياناً بتاريخ 5 تشرين الثاني 2019 أعلن فيه أن "شركتي الخلوي (MTC وORASCOM مالكة ALFA) بدأتا بتسليم بطاقات إعادة تعبئة الخطوط الخلوية بمختلف فئاتها (بطاقات التشريج) إلى الموزعين بالليرة اللبنانية"، بعدما كان أعلن في وقت سابق أن تغيير التسعيرة يحتاج لمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء. إلا أن هذه الخطوة ليست كافية، لسببين: الأول، أن مرجعية التسعير لا تزال بالدولار إذ أن البيان أكد أن الدفع يكون بـ "الدفع بحسب سعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي الصادر عن مصرف لبنان"، والثاني، بأنها محصورة بالخطوط مسبقة الدفع، مع الإبقاء على الدفع بالدولار لمستخدمي الخطوط الثابتة.

ما صدر عن شقير، لم يوقف نادي قضاة لبنان عن تسجيل شكوى بهذا الخصوص إلى مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد في اليوم نفسه، لناحية المخالفات القانونية التي ترتكبها شركتا الخليوي إزاء تسعير خدماتها بالدولار منذ سنوات. وقد أبدى رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو في حديث للمفكرة رأيا موافقا بقوله أن خطوة شقير "متواضعة إذ أن توجهنا يذهب باتجاه أن تكون مرجعية التسعير هي الليرة اللبنانية لكافة خدمات الخليوي".

تفصيلاً، يؤكد برو أن "طموح جمعية حماية المستهلك تحقيق هدفين رئيسيين: أولاً، تخفيف الهموم عن الناس، وثانياً، تخفيف الضغط على الليرة لحماية الاقتصاد اللبناني". ويلفت إلى أن نية الوزير شقير هو إيجاد "حل وسطي"، مشيراً إلى أن توجهات الوزير كانت بأن "يلزم الموزعين دفع قيمة بطاقات التشريج بنسبة 25% بالليرة واللبنانية و75% بالدولار وهو ما رفضناه". يُضيف، "عند اطلاعنا على العقدين الموقعين بين الدولة وشركتي الخليوي، لم نجد ما يُشير إلى وجوب التسعير بالدولار، بل على العكس فإنه يُفهم منهما أن التسعيرة بالليرة اللبنانية، لذا فإننا نرى أن الشركتين خالفتا قانون "النقد والتسليف"، و"قانون حماية المستهلك"، وعليه فإننا ندرس في الجمعية الآلية القانونية للمحاسبة أمام مجلس شورى الدولة". 

وبالعودة إلى الشكوى التي بادر إليها نادي قضاة لبنان، فإنه لحظ فيها أن التسعيرة للخطوط الثابتة على وجه الخصوص، كانت ولا تزال تُستوفى بالدولار الأميركي. وهو أمر أدى، مع شح الدولار، إلى تضخم في الفاتورة حيث وصلت تسعيرة بطاقة التشريج المسبق المخصصة لشهر واحد، والمسعرة بـ 39 ألف ليرة، إلى 50 ألف وأكثر في بعض المناطق، بحسب شكاوى المواطنين لجمعية حماية المستهلك. ويُستخلص من شكوى نادي القضاة أن وزير الاتصالات هو المعني الوحيد بتسعير خدمة الخليوي، وأن الشركتين تخالفان العقدين الموقعين بينها وبين الدولة اللبنانية، ما يقضي باتخاذ تدابير بهذا الخصوص من قبل مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد. ومن هذه التدابير بحسب مرجع قضائي، هو تنظيم محضر وإحالته إلى القضاء لمحاسبة المعنيين في هذه المخالفات.

والحال، أن تسعير خدمة تُنتج في الداخل اللبناني بغير العملة الوطنية، يُعد انتهاكاً للقوانين المرعية التي تحدد التسعيرات بالليرة اللبنانية لقاء الخدمات أو السلع المنتجة في لبنان، أي غير المستوردة. وما يضاعف الاستغراب في هذا المجال هو أن قطاع الخليوي هو مرفق عام، ومن غير المبرر استيفاء الأموال لقاء خدماته بغير العملة الوطنية.

ويُشار إلى أن شكوى نادي القضاة، ليست التحرك الأول للنادي، إنما سبقها تقديم إخبار لهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان للمطالبة بـ "اتخاذ إجراءات جذرية وسريعة لجهة رفع السرية المصرفية عن حسابات جميع المسؤولين والمتعهّدين، كما وشركائهم كافة وتجميد حسابات الفاسدين منهم للوصول لاحقاً إلى ملاحقتهم بالجرائم المنصوص عنها في قانون العقوبات وبجرم تبييض الأموال المنصوص عنه في القانون رقم ٤٤/ ٢٠١٥ تمهيداً لاسترداد الأموال المنهوبة الناتجة عن فسادهم". الإخبار الذي رفعه نادي القضاة بتاريخ 21 تشرين الأول أي بعد ثلاثة أيام من الانتفاضة الشعبية، لم تتبلغه الهيئة إلا في 31 تشرين الأول، في أول عمل رسمي له بعد إغلاق استمر لأكثر من أسبوع.

الجدير ذكره، أن شكوى نادي قضاة لبنان المسجلة تحت الرقم 15885 في مديرية حماية المستهلك، تطلب اتخاذ "الإجراءات الضرورية بحق شركتي MTC وORASCOM اللتين (استوفتا سابقا) وتستوفيان راهنا الفواتير بالدولار الأميركي (الخلوي الثابت) وبالليرة اللبنانية بالاستناد إلى تسعير الدولار الأميركي فيما يتعلق بالبطاقات المسبقة الدفع (بطاقات التشريج).

كما استمدت الشكوى حجة إضافية من المادة 192 من قانون النقد والتسليف التي تنص على أنه "تطبق على من يمتنع من قبول العملة اللبنانية بالشروط المحددة في المادتين 7 و8 العقوبات المنصوص عليها في المادة 319".

ويلحظ أن الشكوى دخلت في تفصيل أبرز ما جاء في العقدين الموقعين بين الشركتين المذكورتين. وتشرح بأن الشركتين المشغلتين لقطاع الخليوي، وقعتا عقدين مطابقين مع الدولة اللبنانية، بتاريخ 31 كانون الثاني 2012، وأنهما تقومان بتسعير خدمات الخلوي التي تقدّمها للمستهلك بالدولار، كما تقومان باستيفاء الفواتير المتعلقة بهذه الخدمات. وتُضيف الشكوى، "أن استيفاء الفواتير يتم بالدولار الاميركي (فواتير الخلوي الثابت) وبالليرة اللبنانية (بالاستناد إلى تسعير بالدولار الاميركي) فيما يتعلق بالبطاقات المسبقة الدفع (بطاقات "التشريج).

واعتبرت الشكوى بأنه بناء على ما شهدته "الأسواق اللبنانية مؤخراً من شح في الدولار الأميركي ومن انخفاض في قيمة الليرة اللبنانية أدى إلى ارتفاع في سعر البطاقات المسبقة الدفع (بطاقات "التشريج")، الأمر الذي ألقى عبئاً إضافيا غير قانوني على عاتق المستهلك".

كما تلحظ الشكوى تأكيدا لمضمونها أن "المادة 14 (وبخاصة الفقرة الرابعة منها) من عقد الإدارة الراهن تُشير إلى أنه يفترض بشركة MTC  أن تدفع "المداخيل المحصلة" (Total Collected Revenues) للدولة اللبنانية بالدولار الأميركي" على أن لا تترتب أي مسؤولية على الشركة في حال انخفاض المداخيل نتيجة سعر صرف غير مؤات لليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. ويستنتج نادي القضاة من خلال ذلك أن الشركة تستوفي فواتيرها من المشتركين بالليرة اللبنانية وليس بالدولار الأميركي. ف "لو كانت هذه الأخيرة تستوفي الفواتير بالدولار الأميركي، لما تم النص صراحةً على ترتيب آثار قانونية على التغيير في سعر صرف الليرة اللبنانية".