أطلّ رئيس الجمهورية ميشال عون مساء الثلاثاء في 12 تشرين الثاني في مقابلة تلفزيونيّة اعتبر المتظاهرون معظم مضمونها استفزازيّاً لجهة عدم إعلانه موعد بدء الاستشارات ولا كيفية الخروج من الأزمة الاقتصادية والأهم عبارته الإشكالية التي دعا فيها المتظاهرين إلى الهجرة "إذا ما في عندن أوادم بهالدولة". وفور انتهاء المقابلة، نزل عدد كبير من المتظاهرين إلى الشارع وأغلقوا العديد من الطرق في بيروت ومناطق أخرى احتجاجاً على المقابلة التي اعتبروا مضمونها استخفافاً بهم وبانتفاضتهم التي بدأت قبل 28 يوماً. وعلى إحدى الطرق المقطوعة، وتحديداً في خلدة سقط علاء أبو فخر شهيداً على يد مرافق أحد عقداء الجيش أثناء مشاركته بقطع الطريق. وأصيب علاء بالرصاص في رأسه أمام عينيّ زوجته وابنه ونقل إلى المستشفى حيث فارق الحياة.

حادثتان هزّتا الشارع يوم الثلاثاء أشعرت الأولى الناس بأنّ السلطة ما زالت غير مكترثة بهم لا بل تحمّلهم مسؤولية الأزمة ولا تأبه سوى بالمحافظة على سيطرتها. أمّا الثانية التي أجمعت جميع ساحات التظاهر على اعتبار الشهيد الذي سقط فيها شهيد الثورة وليس شهيد حزب أو طائفة، فأظهرت أنّ ما بعد 17 تشرين الأوّل ليس كما قبله.

 

حشود غفيرة من جميع ساحات الاعتصام

في اليوم التالي للمقابلة أي يوم الأربعاء، خرجت جموع من المتظاهرين من ساحات اعتصامهم في بيروت والمناطق نحو القصر الجمهوري من دون أن يتمكّنوا من الوصول إليه بسبب الطوق الأمنيّ الكبير الذي ضربته القوى الأمنية والجيش. فقد أغلقت جميع الطرقات المؤدّية إلى قصر بعبدا بالحواجز الحديديّة والأسلاك الشائكة وسط حضور أعداد كبيرة من العناصر الأمنيّة. ولم يمنع هذا الطوق المواطنين من الإصرار على الاعتصام أمام الأسلاك الشائكة على الطريق نحو القصر، للتعبير عن انزعاجهم من تصريحات الرئيس وللردّ على بعض ما قاله. وازداد عدد المتظاهرين في بعبدا مع تقدّم ساعات النهار ووصلت حافلات تقلّ متظاهرين من طرابلس أتوا للتظاهر أمام القصر الجمهوريّ ولدعم المتظاهرين في بيروت.

وقطعت الطريق الأساسيّة وفروعها التي تصل بعبدا ببيروت بفعل الحشود الغفيرة التي امتدّت حتى النفق المؤدّي إلى الضاحية الجنوبية حيث قام عدد من المتظاهرين بالطرق بالحجارة على الدرابزين في خطوة رمزية قالوا إن هدفها "إيقاظ الرئيس من نومه".

 

علاء الحاضر الأكبر

صحيح أنّ عدداً من المتظاهرين على طريق القصر الجمهوري طالب بإسقاط الرئيس، إلّا أن مطالب التظاهرة لم تنحصر بذلك. فالهدف الرئيسي كان الردّ على استفزاز الرئيس لهم من خلال عدم تجاوبه مع مطالبهم لا بل تجاهله لهم. واعتبر المتظاهرون أنّ هذا القصر الذي مُنع المتظاهرون من الاقتراب منه يجب أن يكون للشعب وأن يفتح أمامهم كما فتح أمام مناصري التيار الوطنيّ الحرّ. لذلك كتب المتظاهرون "قصر الشعب" بجانب "القصر الجمهوري" على لافتة السير في بعبدا.

وكان علاء أبو فخر الحاضر الأكبر في بعبدا كما في كلّ ساحات التظاهر في مختلف المناطق اللبنانيّة. وكتب أحد المتظاهرين على جدران الطريق الذي وقف المحتجون أمامه: "علاء ما رح يهاجر، علاء مات (قتلتوه)"، ردّاً على جملة عون في مقابلته: "إذا ما في عندن أوادم بهالدولة يروحوا يهاجروا ما راح يوصلوا للسلطة". وعلى لافتة السير الكبرى كتبت الجملة ذاتها عن علاء، وجملة "شهدا الثورة" قاصدين بها علاء وحسين العطّار. وعند الساعة السادسة مساء أضيئت الشموع في بعبدا كما في معظم المناطق تكريماً لروح علاء، وحمل المتظاهرون صوره وقد كتب عليها "شهيد الثورة" وعلّق بعضها على جدران الطريق. ومن اللافتات التي رفعها المتظاهرون "مبروك بيّ الكلّ، اليوم استشهد بيّ قدّام ابنه".

 

توقيف ناشط واقتياده إلى جهة مجهولة

لم يقتصر التواجد الأمني على إغلاق جميع الطرقات العامّة والفرعيّة وحضور عدد كبير من قوى مكافحة الشغب على الطرقات وفي البساتين المجاورة، بل تعدّاه إلى استفزازات من بعض العناصر الأمنية. فقد قال بعض المتظاهرين إنّ مجموعة من الأشخاص بقيادة ضابط في مخابرات الجيش بدأوا يهتفون "ثورة" بشكل ساخر بين المتظاهرين قبل أن ينسحبوا إلى ما وراء قوى مكافحة الشغب وحمل الضابط مسدساً بيده بشكل ظاهر ورفع اصبعه الوسطى باتجاه المتظاهرين وهو يضحك بشكل ساخر. وانتشرت صور للضابط وهو يقوم بذلك على شبكات الإعلام الاجتماعي.

وتكررت جدليّة "سلميّة" و"غير سلميّة" في تحرّك بعبدا، حيث قدمت مجموعة من الشبّان من بيروت وتقدّمت نحو الصفوف الأماميّة حيث الأسلاك وحاولت فتحها فاعترض بعض المتظاهرين وهتفوا "سلميّة! سلميّة!". ووصف بعض المتظاهرين المجموعة المندفعة بأنّها مندسّة وهو ما فاجأ عناصرها الذين أكدوا أنهم جاؤوا من مختلف مناطق بيروت لممارسة حقّهم الطبيعيّ بالتظاهر ولدعم المتواجدين في بعبدا، وقرروا الانسحاب بعد ذلك.

وأثناء التظاهرة قدمت سيّارتان للصليب الأحمر اللبناني متوجّهتين نحو بعبدا سرعان ما فتح لها المتظاهرون الطريق على عكس القوى الأمنية التي لم ترفع الأسلاك الشائكة على الفور. وأخذ عدد من المتظاهرين يهتفون "بلطجية! بلطجية!". والمفارقة أنّهم هم من بدأ إزالة الأسلاك قبل أن يأتي الجيش ويحاول فتح الطريق ويدفع المتظاهرين إلى الوراء كي لا يتجاوزوا الأسلاك.

ولم تخل التظاهرة من التوقيفات حيث قام عناصر من المخابرات العسكريّة بلباس مدنيّ بسحب أحد المتظاهرين ويدعى خلدون جابر، من بين صفوف المتظاهرين واقتياده إلى جهة مجهولة بعد التعرّض له بالضرب. ولم تعرف على الفور الوجهة التي اقتيد إليها خلدون واعتبر المتظاهرون أنّه تعرّض للاختطاف. وأفرج عنه مساء اليوم بفعل ضغط الشارع والناشطين وجهود من لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين.   

وقالت اللجنة إنّ خلدون تعرّض للضرب أثناء توقيفه وأثناء نقله في الآلية العسكرية إلى وزارة الدفاع. ونقلت عنه أنّه تعرّض للترهيب النفسي في وزارة الدفاع قبل أن ينقل إلى المستشفى العسكري للحصول على تقرير طبّي يسمح بتوقيفه. وأضافت اللجنة أنّ خلدون أحيل لاحقاً إلى الشرطة العسكرية التي اتخذت قراراً بتركه. وبعد طلب النشرة له تبيّن أنّ في حقه محضر فقدان بطاقة هوية لدى فصيلة راس بيروت التي نقل إليها لاحقاً وأطلق سراحه بعد إيداع مبلغ مالي على سبيل الأمانة. وقالت اللجنة إنّ خلدون أوقف بتهمة قدح وذم وتحقير رئيس الدولة أثناء قيادته الهتاف في التظاهرة.