في تاريخ 24/12/2013، أعلن رئيس الجمهورية الانتقالي عبد ربه اتفاق القوى السياسية على ما أطلق عليه وثيقة "اتفاق حول حل عادل للقضية الجنوبية" وتوقيعهم عليها. ورغم هذا الاعلان الذي يُفترض أن يكون نهائياً وينهي أعمال المؤتمر التي مددت بسبب عدم الاتفاق على حل القضية الجنوبية، فقد حدث لغط كبير حول صحته من ناحية كون كل القوى السياسية الممثلة في اللجنة المصغرة للقضية الجنوبية وافقت عليه، حيث تحفظت ثلاث قوى سياسية اساسية على هذه الوثيقة ورفضت التوقيع عليها لأسباب متباينة، وهي الحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، والمؤتمر الشعبي العام.

تأخذ هذه الوثيقة أهميتها القصوى من كونها أشبه ما تكون بوثيقة "تأسيس" وإنشاء لدولة يمنية جديدة على أنقاض الدولة الحالية، يتم فيها تغيير شكل الدولة ونظامها السياسي جذرياً، وذلك اعتماداً على إعادة تعريف الشعب اليمني وتحديد جديد لمكوناته! إضافة لتحديد حقوق كل واحدة من هذه المكونات بطريقة جديدة وفي مواجهة بعضها كما يبدو.

تأتي المشكلة الاولية لهذه الوثيقة الخطيرة التي سيتم تحليل مضامينها فيما يلي، من انبثاقها من مقترح تجميعي لآراء قوى سياسية "تصارعت" فيما بينها في إطار الفريق المصغر للقضية الجنوبية. وكان المبعوث الأممي الخاص لليمن، جمال بن عمر، قدمه كمقترح جاهز ضمن خبرته وفهمه و"انحيازه". ففيما ينتظر أن تنبثق وثيقة مشابهة، من شأنها أن تقرر مستقبل اليمن وتُنشئ دولة جديدة فيه، عن أعمال جمعية تأسيسية وطنية منتخبة وممثلة لعموم اليمنيين، فإنها ليست كذلك. بل هي مُجرد نتاج فني لمقترح مبعوث دولي بادر الى تجميع آراء قوى سياسية في أحد فرق مؤتمر حوار معين بقرار من رئيس انتقالي.

وبعيداً عن ديباجة هذه الوثيقة التي تُقرر وجوباً ان حل القضية الجنوبية يمر عبر تغيير الشكل الدستوري الحالي المقرر لماهية الدولة اليمنية الحالية والمستفتى عليه شعبياً منذ انشائها في العام 1990، ليكون امر هذا الحل قائماً فقط على "اساس اتحادي"، مشيراً إلى حل المظالم على الجنوب ومعالجتها كـ "جزء أساسي من سعينا الجماعي إلى بناء يمن اتحادي جديد يجب معالجة مظالم الماضي تحديداً من دون تأخير"[1]. ورغم ذلك، لا يقول النص لماذا سيكون الشكل الاتحادي الجديد المقترح للدولة هو الحل بالأساس للقضية الجنوبية، ما دام الطريق إلى مستقبل جيد يمر فقط عبر حل قضايا الجنوب ورد المظالم التي وقعت فيه، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

بالتأكيد لايمكن التجاوز هنا ان هذه النقاط العشرين التي تم التقدم بها من اللجنة الفنية للحوار الوطني (اللجنة التحضيرية) من اجل ضمان التهيئة للحوار وبما يكفل إرخاء المناخ السياسي المحتقن في الجنوب، والمشار لها في مقدمة هذه الوثيقة، تم مقاومتها من كل اطراف العملية السياسية ومن الرئيس الانتقالي وبتواطئ من المبعوث الاممي، رغم كونها كانت شرطاً لازماً وسابقاً للحوار، الامر الذي يوحي بكون تفويت عملية تنفيذها بشكل مدروس كان غرضه بالاساس مُفاقمة الوضع المحتقن في الجنوب، وجعل غضبه والتداعيات الناجمة عنه تصبح ذات طابع انقسامي بدل من كونه موجها ضد نظام الحكم!

تُرسي إذاً هذه الوثيقة الحل المفترض بها بناء على عدد من المبادئ التي تم ايرادها في 11 نقطة. وفي المبدأ الأول، تُقرر الوثيقة انه يجب ان يصاغ دستور جديد يقضي أن الإرادة الشعبية والمساواة والتزام أعلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان أساس سلطة وشرعية الدولة الاتحادية على جميع المستويات، وفق ما تقتضيه الديمقراطية التمثيلية والتشاركية والتداولية لضمان التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة". وفق ما نلحظ هنا انه يتم حشد وجوه عدة من وجوه الديمقراطية لتوضع معا في الدستور الجديد، وهي التمثيلية والتشاركية والتداولية. واستعراض هذا النص بدايةً كاشف عن العبث الذي تمت به الصياغة، فهذه الاشكال الديمقراطية التي حشدها بعضها بجوار بعض دون تمييز، تعكس كل واحدة منها مفهوماً متبايناً عن الاخرى، وتشكل اختياراً مستقلاً بذاته! ويتم عادة اختيار واحدة منها فقط، ليتم عكس مقتضياتها في الديمقراطية المنشودة لبلد بعينه، وذلك لا يتم عبثاً، بل بناء على فهم خصائص كل واحدة منها ولماذا هي ملائمة لدستورنا ونمط عيشنا بعينها، لا حشدها بجوار بعضها البعض عبثاً و "ضحكاً على الدقون" هكذا كما قامت الخبرة الدولية التي يعكسها كما يفترض بن عمر وفريقه الاممي، ويمكن بالتأكيد مراجعة الفروق الاولية البسيطة في التعريف والمقتضيات لكل ديمقراطية على حدة في الويكيبيديا، وبشكل أعمق في مراجع الفكر السياسي الحديث!

تُقرر المواد من الثانية إلى السابعة شكل الحكم الاداري في اليمن على ثلاثة مستويات وهي المركز الاتحادي، والاقليم، ومن ثم الولاية، بصلاحيات كاملة على كل المستويات للاقليم والولاية على حساب المركز. ولكن المختبر الحساس والكاشف لهذه الصلاحيات يأتي في المواد اللاحقة، حيث المادة الثامنة التي تقول أن "الموارد الطبيعية ملك الشعب في اليمن" ولا أدري لماذا لا يتم قول الشعب اليمني ببساطة! ولكن النص لاحقاً على هذه الجملة يقوم بتقسيم هذه الملكية العامة للشعب في اليمن، مانحاً الشعب في الولايات المنتجة الحق الحصري في ادارتها وتسويقها والاستفادة منها، بينما المركز الاتحادي الذي يمثل عموم الشعب لا يحصل سوى على نسبة من العائدات "تخصص" له. والفكرة هنا انه حتى في الاشكال الفيدرالية السائدة في العالم، تبقى الثروات الوطنية حقا سياديا للدولة ولعموم المواطنين فيها، تُمنح فيه الاقاليم او الولايات المنتجة امتيازات خاصة وليس حصرية ولا تغلق امام المواطنين او الولايات والاقاليم الاخرى، بينما ما تم في هذه المادة هو عكس ذلك تماماً.

بالتأكيد، يبدو المبدأ التاسع من هذه المبادئ عنواناً عريضاً لفكرة التمييز بين اليمنيين وايجاد تعريف جديد لمصالحهم في مواجهة بعضهم البعض، علاوة على كون صياغته يتسم بالتناقض والعبث وعدم المعقولية وعدم وجود إمكانية للتحقق! لماذا اقول ذلك؟ يمكن أن نجد كاشفاً لذلك في الفقرات التي تقرر أنه "خلال الدورة الانتخابية الأولى، بعد تبني الدستور الاتحادي يمثل الجنوب بنسبة خمسين في المائة في كافة الهياكل القيادية في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما فيها الجيش والأمن، التي يتم التعيين فيها بموجب قرارات يصدرها رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، ويمثل الجنوب كذلك بنسبة خمسين في المائة في مجلس النواب، ويجب معالجة عدم المساواة في الخدمة المدنية والقوات المسلحة والأمن على المستوى المركزي عبر قوانين ومؤسسات، وبما يضمن إلغاء التمييز وتكافؤ الفرص لجميع اليمنيين، ومن أجل معالجة تفاوت التمثيل في التوظيف يكون للجنوبيين أولوية في شغل الوظائف الشاغرة والتأهيل والتدريب في الخدمة المدنية والقوات المسلحة والأمن، ويجب أن تحترم التعيينات متطلبات الخدمة المدنية المتعلقة بالمهارات والمؤهلات، ولا يحق صرف أي موظف بشكل تعسفي."[2]

فهو بداية يُقرر للجنوب كجغرافيا 50% من كل شيء، ويُقرر للشمال النسبة المماثلة تماماً، مُهملاً حقائق التفاوت السكاني، ومركزاً على افضلية الهوية الجهوية وامتيازها لشاغل الموقع العام على افضلية كفاءته واستحقاقه التي يقول ذات النص انه "يجب ان تحترم التعيينات متطلبات الخدمة المدنية المتعلقة بالمهارات والمؤهلات"! وإذا اقررنا ضرورة ذلك ضمن فكرة ان الموضوع مؤقت وضروري، فلم يُجب أحد كيف سيتم تدبير انتخاب مجلس تشريعي بناء على نسبة 50% للشمال والجنوب، هل سيصوت الناس على اساس جهوي، بمعنى ان الجنوبي سيختار فقط الخمسين بالمائة الخاصة به والشمالي كذلك، وهل ستتشابه طرق الانتخاب وقواعده المنظمه في ظل التفاوت في العدد بين الطرفين المفصولين جذرياً وفق مايوحي به نص المادة، ومن هو الجنوبي هنا والشمالي كذلك، هل هم اعراق؟! فإذا كنا نفهم الجنوب كجهة جغرافية في التصنيف العام، لا أدري كيف يمكن عكسها على الواقع واعتمادها لتحديد وفرز السكان بشكل نقي وجراحي، ومن ثم انعكاسها على طريقة ممارستهم حقوقهم بناء على هويتهم الجغرافية هذه.

واستكمالاً لذلك، هل لتحقيق المساواة في الخدمة المدنية سيتم الغاء التمييز تجاه الجنوبيين او بين اليمنيين، بناء على اعتبارات الجهة الجغرافية التي ينتمي اليها الفرد، وليس على الاستحقاق الوظيفي القائم على معايير الكفاءة والمؤهل. وهكذا يتم مناهضة التمييز بناء على تمييز! اما في الجيش واجهزة الامن هل سيتم احصاء الافراد وفرزهم بناء على هوياتهم الجديدة المستحدثة، لتحديد ماهية النقص في عدد الجنوبيين أو الشماليين، رغم ما لذلك من تداعيات مثيرة للانقسام والضغائن خصوصاً في جيش واجهزة امنية يُفترض ان يكون طابعها وطنيا جامعا غير تمييزي!
يمكن القول بالطبع ان هذا الاجراء التمييزي مؤقت لفترة انتخابية اولى بعد اقرار الدستور الاتحادي كما يقول هذا المبدأ، ولكن هذه الفترة المؤقتة تعني أربع سنوات كاملة من الصراعات الحثيثة بين عموم اليمنيين بناء على استحقاقات تنشئها هويات جديدة.

ولكن هذا التدبير التمييزي المؤقت لصالح الجنوب، ليس مؤقتاً فعلا كما يقول النص بداية! فهو يعود لاحقاً ويقر بذات المبدأ ما اسماه "حماية المصالح الحيوية للجنوب"، هذه المصالح التي تحميها آليات خاصة قضائية وتشريعية وتنفيذيه تأتي في مواجهة من هنا؟ إنها في مواجهة الشمال والشماليين! أي ان هذا النص الذي يريد انشاء دولة وطنية اتحادية عادلة! يؤسس صراع مصالح بين السكان في الشمال والسكان في الجنوب: فما دامت هناك مصالح حيوية للجنوب فيجب ان تنشأ نظيرة لها في الشمال، وهكذا يتم تعريف علاقة اليمنيين بعضهم ببعض ضمن صراع لا نهاية له، قائم على أساس مصالح متباينة فيما بينهم يحكمها التعريف الجغرافي لا الهوية الوطنية المشتركة التي تم تفكيكها ببساطة إلى شمال وجنوب في هذا النص. إن ما يطلق عليه مصالح حيوية هو شأن يُلحق ببلد بأكمله في مواجهة دول أخرى ضمن أدوار السياسة الاقليمية والدولية التي يمارسها حماية وتعزيزاً لهذه المصالح، وهو بالتأكيد ليس تعريفاً اجرائياً يتم التعامل معه باستخفاف ويضع سكان البلد في مواجهة سكان آخرين من البلد نفسه في علاقة ضدية!
طبعاً، يأتي المبدأ العاشر ليعيد تعريف الجنسية اليمنية واستحقاقاتها بشكل ملتبس، حيث يقول نصها: "ينتمي جميع أبناء الشعب في اليمن، مهما كان موطنهم الإقليمي، إلى جنسية وطنية مشتركة، ولكل مواطن يمني، من دون تمييز حق الإقامة والتملك والتجارة والعمل أو أي مساعٍ شخصية قانونية أخرى، في أي ولاية أو إقليم من الدولة الاتحادية"

والسؤال هنا ماذا تعني جنسية وطنية مشتركة؟ ولماذا حصر حقوق المواطن اليمني في الاقامة والتملك والتجارة والعمل أو أي مساعِ شخصية مشروعة، هل يعني هذا انه لا يحق له ممارسة حقوقه السياسية أو المدنية الاخرى ما لم يكن في اقليمه، ولا يستطيع ان يكون مرشحاً او ناخباً او ناشطاً سياسياً او مدنياً ما لم يكن في اقليمه الأصلي. وهكذا يظل ابن اقليم الجند او اقليم حضرموت، هو ابن هذا الاقليم بعينه كجوهر خالد لا يتغير، باستثناء المساعي الشخصية "المشروعة" التي لا تهدد نقاء الاقليم الاخر إذا ذهب إليه، وهكذا يُصبح تأويل هذه "المشروعية" فضفاضاً ومفزعاً ومثيراً لاسباب الكراهية والحذر بين اليمنيين.

ان مجمل مبادئ هذه الوثيقة وان كانت لا تحدد عدد الأقاليم بستة أو اثنين كما يدور الجدل الآن، فهي قد حسمت الامر أساساً بوضع هويتين في مواجهة بعضهما: الجنوب بمقابل الشمال. وهكذا تصبح مسألة تحديد عدد الاقاليم نقاشاً ادارياً تنظيمياً محض، لايخلق فرقاً جوهرياً في ظل هذه الحقيقة الثابتة والمحسومة.

إن هذه الوثيقة تعني تمزيقاً كلياً للمشترك الوطني الجامع بين اليمنيين، وتضعهم في مواجهة بعضهم ضمن دورات صراعية مفتوحة على ازمات واحتقان متكرره، وربما احتراب فعلي، مردها تكريس هويات ذات طابع انقسامي في دولة جديدة تُتشئ على أنقاض تعايش اليمنيين الهش بالاساس.


[1]مخرجات اللجنة المصغرة لفريق القضية الجنوبيةـ اتفاق حول حل عادل للقضية الجنوبية، العنوان الفرعي "معالجة مظالم الماضي".، 23 -12- 2013، موقع المصدر اونلاين، http://almasdaronline.com/article/53040
[2]مخرجات اللجنة المصغرة لفريق القضية الجنوبيةـ اتفاق حول حل عادل للقضية الجنوبية... الخ، مصدر سابق