في سياق الردّ على الاحتجاجات التي بدأت في 17 تشرين الأول 2019، تعهد رئيس مجلس النواب نبيه بري بمتابعة الورقة الإصلاحية التي كانت قد أقرتّها حكومة الرئيس الحريري قبل استقالته. بالتالي، من المقرر عقد جلسة تشريعية في 19 تشرين الثاني - بعدما قام رئيس المجلس النيابي بتأجيلها لأسباب أمنية – لإقرار قانون عفو عام بالإضافة إلى قوانين أخرى تهدف، بحسب قول الأحزاب، إلى مكافحة الفساد. من بين القوانين المقترحة، اقتراح إنشاء محكمة خاصة بالجرائم المالية، الذي كان قد تقدّم به رئيس الجمهورية ميشال عون عام 2013، حين كان نائبا في البرلمان.

بحسب الأسباب الموجبة في الاقتراح، الهدف هو إنشاء محكمة متخصصة، مصغّرة، ذات أصول موجزة ومربوطة بالسلطة التشريعية لمحاكمة الجرائم الواقعة على الأموال العامّة من قبل الرؤساء والوزراء والنواب ومجالس الإدارة والمجالس البلدية والموظفين والمستخدمين من الفئات الثلاث العليا الحاليين والسابقين. مع ذلك، لا يسعنا إلا ملاحظة العيوب في كيفيّة تعيين قضاة المحكمة، نظامها، صلاحياتها وحدود عملها المرتقبة وبالتالي ترجيح عدم قدرتها على القيام بالعمل الموكل إليها.

 

قاضٍ بالتراضي

يحدد اقتراح القانون مواصفات يجدر توفرها لدى القضاة لتعيينهم: 4 قضاة بلغوا رتبا مرتفعة معينة، أستاذ جامعي متخصص في القانون المالي وآخر مختصّ في الإدارة المالية وأخيراً خبير في المالية العامة. ينتخب مجلس النواب القضاة في أول جلسة يعقدها مع بدء كل ولاية. ما يعني أنّ القضاة المعيّنين يرتبطون مباشرة بالمجلس الذي يعيّنهُم، كما أنّ القانون يذكُر صراحة هذه العلاقة المباشرة بين المحكمة والنواب، ما يؤكدّ على عدم استقلاليتها.

بالإضافة إلى ذلك، يُلزِم الاقتراح حضور أعضاء المحكمة السبعة لالتئامها.

النتيجة هي أنّ عملية انتخاب القضاة من قبل البرلمان تشكل خرقًا واضحًا لمبدأ الفصل بين السلطات وتكريساً لتقليد المسّ باستقلال القضاء على حساب الأولويات السياسية. فيكون هذا القانون خير تذكير بإرادة الأحزاب السياسية بأن تتدخل في العمل القضائي على نقيض ما يبذله القضاة والمنظمات القانونية من مساعٍ من أجل سنّ قانون يكفل استقلالية القضاء. وما يزيد من هذا الأمر قابلية للنقد هو أن هذه الطبقة السياسية هي نفسها التي كانت وما زالت في السلطة منذ اتفاق الطائف، مما يدفعها عمليا إلى تعيين القضاة الذين قد يتولون النظر في جرائمها المالية بحق الشعب اللبناني.

 

محكمة ال(لا)جرائم

يحدد القانون اختصاص المحكمة بمحاكمة الجرائم الواقعة على الأموال العمومية في حال ارتكابها أو المشاركة في ارتكابها أو التغاضي عن ارتكابها من قبل الرؤساء والوزراء والنواب ومجالس الإدارة والمجالس البلدية والموظفين والمستخدمين من الفئات الثلاث العليا الحاليين والسابقين وهو يعدد القوانين التي يحكم بموجبها.

ومن اللافت أن جدول أعمال الجلسة التشريعية تضمن في الوقت نفسه اقتراح قانون عفو عام يشمل أكثرية الجرائم المرتكبة قبل 30 تشرين الأول 2019، ومنها جرائم تدخل في صلاحية هذه المحكمة المختصّة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اقتراح قانون العفو العام يعفي كل المخالفات، الجنح والجنايات المرتكبة قبل التاريخ المذكور أعلاه باستثناء بعض الجرائم المعينة فيه. وعليه، هو يعفي مخالفة احكام قوانين الضرائب والرسوم والتهرب الضريبي على أنواعها، وأحكام قانون المحاسبة العمومية وأحكام الأنظمة المالية المتعلقة بعقد النفقات وبالصفقات العمومية وتقليد العملة اللبنانية والأسناد العامة والطوابع وأوراق الدمغة وتزييفها وترويجها، وعدداً كبيرا غيرها.

 

المتهم يلاحق نفسه

ذكر النص حالات تؤدي إلى الحد من إمكانية مباشرة النظر بملف معين بما يمنع المحكمة حتماً من القيام بالعمل المرجو. فيعدل اقتراح القانون نظام النيابة المالية التي تتمتع بصلاحية تحريك دعوى الحق العام والادعاء مباشرة أمام المحكمة المالية، مفوضاً للمجلس النيابي مهمة انتخاب النائب العام المالي والقضاة الثلاث المعاونين له. كما أنه يحصُر إمكانية إحالة القضايا إلى المحكمة بثلاث طرق: إما بموجب إخبار مقدم من عشرة أعضاء في البرلمان، أو بتقرير من التفتيش المركزي، أو بقرار من ديوان المحاسبة. ويفُرض اقتراح القانون على ديوان المحاسبة والمحاكم العدلية والنيابة العامة التمييزية والتفتيش المركزي واجب إحالة جميع القضايا المتصلة بالجرائم المالية المعددة إلى المحكمة المذكورة.

علاوة على ذلك، فإن الإخفاق في إعطاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد - المدرجة في جدول أعمال مجلس النواب - صفة الادعاء لن يؤدي إلّا إلى زيادة البيروقراطية وإضافة طبقة من التعقيد إلى العملية القضائية. كما أن اختصاص المحكمة يتداخل مع اختصاصات هيئات الرقابة الأخرى مما يزيد من تفاقم النزاعات بين مختلف الهيئات (ومنها التفتيش المركزي وديوان المحاسبة) فيما يتعلق بالصلاحية والأدوار.

وعليه، يكون تمّ حصر حالات إحالة الملفات بالسلطة التشريعية (النواب) أو المعينة من قبل السلطة التنفيذية (ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي) أي الأحزاب السياسية نفسها الممثلة بهذه أو تلك السلطة. علاوة على ذلك، يتم حصر النظر بالجرائم المالية بمحكمة واحدة ممّا يسهّل على السياسيين ممارسة ضغطهم وسلطتهم عليها فارضين اكتمال النصاب لالتئامها، إن احتاجوا يوماً بأن يقوموا بذلك.

 

بريء رغم ثبوت العكس

يجدر الذكر في هذا الإطار أن الاقتراح تغاضى عن مقاربة مشكلة الحصانات الممنوحة للرؤساء والنواب وخاصّة تلك المعطاة لرئيس الجمهورية. فالمادة 60 من الدستور تحصُر إمكانية اتهام الرئيس بالمجلس النيابي بموجب قرار تصدره غالبية ثلثي مجموع أعضائه وتكون للمجلس الأعلى صلاحية النظر بالملف المنشئ بموجب المادة 80 من الدستور. كما أن ملاحقة النواب محدّدة بموجب الدستور وقانون أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى. وفيما يخُصّ رئيس مجلس الوزراء والوزراء، فرغم إمكانية الالتباس في المادتين 71 و72 من الدستور، تحصر رغم ذلك المادة الدستورية الصلاحية بالمجلس المذكور أعلاه عينه.
وفيما خص الموظفين، فإن المادة 61 من قانون الموظفين تمنع ملاحقة الموظف في الجرائم الناشئة عن الوظيفة قبل الاستحصال على إذن الإدارة التي ينتمي إليها.

نكون إذاً أمام إمكانية كبيرة لاعتبار هذا النص مخالفاً للدستور ولا يكفي لإعطاء الصلاحيات المذكورة فيه دون تعديل دستوري وللنصوص الحالية فيما خص الموظفين.

 

بماذا على السلطة أن تبدأ؟

لكي لا نكتفي بلحظ شوائب هذا النص العديدة، سأتقدم ببعض الاقتراحات، في حال كانت السلطة الحالية فعلاً تريد مكافحة الفساد وليس فقط تخدير الشارع بمسرحية أخرى من مسرحياتها المعتادة، وذلك بعد إقرار موازنة 2020 كما يلزمها الدستور:

  1. إقرار قانون استقلالية القضاء التي تطالب به السلطات القضائية والمنظمات الحقوقية، لإعطاء القضاة إمكانية ملاحقة كل فاسد كما يجب.
  2. دعم المؤسسات الرقابية الحالية مثل التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، من خلال منحهم الاستقلالية الضرورية وخاصة ملاك مكتمل على الأقل (التفتيش المركزي يتضمن حوالي الثمانين مفتش لمراقبة وملاحقة كل موظفي الدولة).
  3. التراجع عن إقرار قانون العفو العام الذي سيعفي معظم جرائم الفساد، والمباشرة بالقضايا العالقة أمام القضاء.

لا يكون إذاً إنشاء هذه المحكمة إلاّ محاولة أخرى للسلطة بأن تخدر الشارع بمؤسسة ستزيد من نفقات على خزينة الدولة، لا تحاكم ولا تحكم بل تعرقل عمل السلطات الرقابية والقضائية الأخرى.