فيما يتكاثر الحديث حول ضرورة مكافحة الفساد والمحاسَبة السياسية ردّاً على صحوة الشعب، أصبح هناك اهتمامٌ كثيف بالآليات المؤسساتية والقانونية المطلوبة للمضي على درب الإصلاح الفعّال الذي يتوافق مع مطالب الشارع. ومن أهم هذه الآليات، الضمانات المتعلقة باستقلالية القضاة، وتمكينهم من متابعة ملفات الشأن العام بعيداً عن التأثيرات السياسية، سواءً كانت هذه التأثيرات نابعة من خارج الجهاز القضائي أو من داخله. ولكن استقلالية القضاء وحدها لا تكفي، بغياب آليات تحمي فعّالية النيابات العامة وقدرتها على الدفاع عن الحق العام في وجه أصحاب النفوذ. وفي موازاة ذلك، شهدت النيابات العامة تطوراتٍ أسست لتمدّد واسع لصلاحيات النائب العام التمييزي، رأت "المفكرة" في مقالات نشرتها مؤخراً أن من شأنها أن تؤدي إلى إنشاء سلطة هرمية مطلقة داخل النيابات العامة، وأن تُغلق السُبل القضائية لمكافحة الفساد، بغض النظر عن الشخصيات التي تشغل المناصب المعنية. وإسهاما في هذا النقاش، وفي محاولة لتظهير مكامن الخلل أكثر فأكثر، ننشر هذا المقال الذي يتناول اشكاليات التنظيم الداخلي للنيابات العامة واستقلاليتها.

وبرأينا، إن ترجمة الزخم السياسي الناجم عن الصحوة الشعبية إلى إصلاحاتٍ جذرية ملموسة سوف تتطلب جهداً كبيراً من أجهزة النيابات العامة والأجهزة القضائية، بهدف إنشاء مؤسسات مستقلة وخاضعة للقانون وقادرة على ضمان الشفافية والمحاسبة السياسية. وهذا بدوره يحتاج أن تكون الأجهزة المعنية مؤهَلة مؤسساتياً لمواجهة المهمة الهائلة التي هي أمامها. فإذا لم يتم ضمان الاستقلالية الداخلية في النيابات العامة في هذه المرحلة الحرجة، يُخشى أن يؤدي ذلك إلى إرساء ممارسات من شأنها تعقيد وعرقلة مساعي مكافحة الفساد السياسي بدل تبسيط وتعزيزها. وهذا ليس بالضرورة بسبب الأفراد الذين يشغلون المناصب المعنية، بل لأن من شأن البنية الهرمية المطلقة بحدّ ذاتها أن تؤدي إلى شخصنة الملفات المتعلقة بالشأن العام وتسييسها. لا بد، إذاً، من المضي على درب الإصلاح الجذري بالنيابات العامة تلبيةً لهتافات الشعب المدويّة في الساحات، وهذا ما نستشفه في الأحكام الواردة في القانون المقترح لاستقلال القضاء وشفافيته والذي كانت "المفكرة" أعدته وهو ما يزال عالقا أمام لجنة الإدارة والعدل (المحرر).

 

يتناول هذا المقال إشكالية التنظيم الداخلي للنيابات العامة ومدى انسجامها مع المعايير الدولية والقانون المقارن. وقبل المضي في ذلك، سنُعرِض أهم الوثائق الدولية التي تتصدى لهذا الشأن.

 

الوثائق والمعايير الدولية

وفي هذا المجال، من أبرز الوثائق والسوابق الدولية والمستمدّة من القانون المقارن التي تناولت هذه الإشكالية والتي تبقى عموماً بمنأى عن التداول العام في الخطاب القضائي اللبناني هي الآتية:

  1. إعلان بوردو، الذي صدر عن المجلس التشاوري للقضاء الأوروبي بالتعاون مع المجلس التشاوري للنيابات العامة في عام 2009 تحت عنوان "القضاة والنواب العامون في مجتمع ديمقراطي"، والذي يُعتبر أهم وثيقة دولية تصدت مباشرة لهذا الشأن. فينص البند 7 من الإعلان على أن " تطبيق القانون والصلاحيات التقديرية للنيابات العامة في مرحلة ما قبل المحاكمة يتطلب أن يكون وضع النائب العام مضموناً وفقاً للقانون، في أسلوبٍ يشابه وضع القضاة. وعلى النائب العام أن يكون مستقلاً في اتخاذ قراراته وأن يقوم بوظائفه بإنصافٍ وموضوعية." وينص البند 9 على أنه في دولة تحكمها سيادة القانون، وحيثما يكون نظام النيابات العامة هرمياً، فالإدعاء الفعّال يكون مرتبطاً بشكل وثيق بشفافية العلاقات الهرمية داخل النيابات العامة، وبوجود ضمانات للمحاسبة والمسؤولية. فأية تعليمات موجهة إلى نائب عام محدد يجب أن تكون خطّية، خاضعة للقانون، ومنسجمة مع توجيهات عامة ومعايير معلنة صادرة عن سلطة النيابات العامة. أي مراجعة قانونية لقرار تحريك أو تعليق دعوى ما يجب أن تتم باستقلالية وموضوعية. وفي جميع الأحوال، يجب أن تؤخذ مصالح الضحية بعين الاعتبار".
  2. وثيقة المجلس الأوروبي (the Council of Europe) التي صدرت في العام 2000 تحت عنوان " دور النيابات العامة في العدالة الجنائية" والتي تحدد إطاراً قانونياً لتقويم فعالية النيابات العامة ومدى اتساق أجهزتها مع قيم الديمقراطية وسيادة القانون. فتنص المادة 9 من هذه الوثيقة على أنه " فيما يتعلق بالممارسات الداخلية للنيابات العامة، وخاصة تلك المتعلقة بتوزيع وإعادة توزيع القضايا، يجب أن تتوافق الإجراءات المعتمدة مع متطلبات الإنصاف والاستقلالية"، بينما المادة 10 تنص على أنه "يحق لأي نائب عام أن يطالب بتوثيق التعليمات الموجهة له. وفي حالات اعتقاده بأن التعليمات غير قانونية أو لا تتوافق مع ضميره، يجب أن تكون هنالك إجراءات داخلية لمراجعة الأمر، حيث قد تؤدي بنهاية المطاف إلى استبداله في القضية المعنية".
  3. التقرير المشترَك الذي صدر في 2014 عن مكتب الأمم المتحدة المعنيّ بالمخدرات والإجرام (UNODC) والجمعية الدولية لأعضاء النيابة العامة (IAP) تحت عنوان "وضع ومسؤوليات النيابات العامة". ينص البند 3.3 من التقرير على أن "إحدى سمات استقلالية النائب العام المنفرد وصلاحياته التقديرية ضمن نظام هرمي هي حقه (وفي بعض الظروف واجبه) برفض تعليمات صادرة عن مدراءه إذا كانت هذه التعليمات غير قانونية أو تعسفية"، كما ينص البند 2.1 على أنه "في النيابات العامة هرمية التنظيم، يجب أن يكون نطاق أية صلاحية لتعديل أو إبطال قرارٍ لنائب عام محدداً بدقة ومنصوصاً عليه بالقانون أو من خلال بروتوكولات عامة".
  4. المذكرة القانونية الصادرة عن اللجنة الدولية للحقوقيين الموجّهة للدولة اللبنانية والتي تتصدى لدور أعضاء النيابة العامة في مباشرة التحقيقات والملاحقات القضائية باستقلال وحياد. فحسب هذه المذكرة، "ينبغي ضمان استقلالية أعضاء النيابة العامة حتى من خطر التدخل غير الملائم أو غير المشروع الصادر من داخل النيابة العامة نفسها. وتحقيقاً لهذه الغاية، يجب أن تخضع التعليمات التي توّجهها هيئات النيابة إلى الأعضاء الأدنى درجةً لشروط الشفافية والقانونية واحترام حقوق الإنسان والإنصاف ... وبأي حال من الأحوال، يجب أن تكون التعليمات دوماً معللة وقابلةً للتدقيق". واعتبرت اللجنة أن "القانون اللبناني لا يشتمل على أي ضماناتٍ وقيود ملائمة فيما يخص التعليمات الداخلية والخارجية الموجّهة إلى أعضاء النيابة العامة، الأمر الذي قد يمهّد الطريق أمام إساءة استعمال السلطة من أجهزة النيابة العامة ومن السلطات الأخرى".
  5. حكم "مريت ضد أوكرانيا" (2004) الذي صدر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تطبيقاً للمادة 13 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ويُلحَظ أن هذه المادة، التي تكفل "الحق في الانتصاف الفعّال"، تشكل جزءاً أساسياً من الاتفاقية، إذ تفرض التزامات إيجابية على الدول لحماية الحقوق الممنوحة بموجب الاتفاقية وإنشاء آليات قضائية للتصدي لها، بالإضافة إلى توفير سبل انتصاف قانونية فعالة وميسورة في حالات الانتهاك. وتمحورت هذه القضية حول قرارٍ لعضو النيابة العامة بتعليق تحقيقٍ في انتهاكات مزعومة بحق المدعي أمام المحكمة الأوروبية. فكان على المحكمة أن تقرر إذا ما كانت إمكانية الطعن في هذا القرار أمام النائب العام الأعلى درجةً في هيكلية النيابة العامة كافيةً لضمان حق المدعي في الانتصاف الفعّال. وقد أجابت المحكمة بالنفي، حيث اعتبرت أن وضع النائب العام الأعلى في القانون الوطني ودوره في التحقيق المشبوه لا يترافقان مع ضماناتٍ كافية لمراجعةٍ منصفة ومستقلة لشكوى المدعي ضد قرار النائب الأدنى درجةً. وبالتالي يتوجب على الدول الملزَمة بالاتفاقية أن تؤسس لإجراءاتٍ مستقلة للتدقيق في قرارات أعضاء النيابات العامة بتحريك أو تعليق ملفات محددة، خاصة تلك المتعلقة بالشأن العام.

 

المبادئ الأولية التي تحكم ممارسة صلاحيات النيابات العامة الهرمية

انطلاقاً مما تقدم، بوسعنا أن نستخلص من الوثائق والسوابق المُشار إليها مجموعةَ مبادئ أولية متعلقة بالاستقلالية الداخلية في النيابات العامة والمعايير الدولية التي تحكم ممارسة صلاحياتها بشكل شرعي ومتّسق مع سيادة القانون.

 

الاستقلالية هي المبدأ

أولاً، برغم من أنه لا يوجد أي حظر تام في الوثائق الدولية على وجود سلطة هرمية داخل أجهزة النيابات العامة، إلا أنه يبقى أن المبدأ هو الاستقلالية في الهيكلية المؤسساتية للنيابات. ومن نتائج ذلك أن يكون للنائب العام المكلّف بقضيةٍ ما سلطةً تقديرية في إدارة الملف دون أن يُستولى على صلاحياته من قبل أطرافٍ آخرين من داخل هيكلية النيابة العامة.

 

مبدأ الشرعية

ثانياً، يتطلب "مبدأ الشرعية" (the principle of legality) المستمَدّ من القانون العام (والمعترَف به في الأنظمة القضائية الفرنسية والأنجلو-ساكسونية) أن تكون أية صلاحيات ممنوحة لشخصٍ أو لسلطة عامة خاضعةً لقيودٍ وضوابط محددة قانونياً وواضحة. وفي حال تخلل الصلاحيات الممنوحة أي غموض في النصوص القانونية، اقتضى تفسير هذه النصوص بشكل ضيّق وعلى نحو ينسجم مع الأغراض الدستورية التي مُنحت من أجلها. وفي المقابل، إذا اُتخِذ قرارٌ بتوجيه تعليمات لنائب عام على أساسٍ غير منصوص عليه بالقانون أو مخالِفٍ للقيود المشروعة، فيكون هذا القرار باطلاً لافتقاره لأساسٍ شرعي (ultra vires). وهذا ما نقرأه بوضوح في التقرير المشترك الصادر عن المجلس التشاوري للقضاء الأوروبي والمجلس التشاوري للنيابات العامة المشار عليه أعلاه والذي يشدد على القيود الشرعية التي تخضع لها صلاحيات النيابات العامة.

 

تعليمات قانونية

ثالثاً، يجب أن تكون أية تعليمات موجّهة إلى الأعضاء الأدنى درجةً في هيكلية النيابة العامة قانونية ومنسجمة مع معايير معلنة صادرة عن أجهزة النيابة، وهذا مطلبٌ أساسي يؤكد عليه إعلان بوردو بوضوح.

 

تعليمات خطّية

رابعاً، يجب أن تكون التعليمات المعنية خطّية، للحفاظ على الشفافية في داخل النيابات العامة ولكي يكون هنالك سجل شفاف في حال الطعن بالتعليمات من قِبل النائب العام الأدنى درجةً، وهذا أيضاً أمرٌ منصوص عليه في إعلان بوردو.

 

تعليمات موثقة

خامساً، يجب أن يتم الحفاظ على التعليمات في ملف القضية المعنية لكي يحق للمدعى عليه ولقاضي المحكمة أن يعلما بأمر التعليمات ومصدرها، فهذا قد يسلّط الضوء على أي أهداف غير ملائِمة كامنة خلف قرار توجيه التعليمات. وهذا ما نقرأه في الوثيقة الأوروبية التي تؤكد على أهمية التوثيق في ضمان الشفافية الداخلية والمحاسبة في النيابات العامة الهرمية.

 

خصائص التعليمات

سادساً، برغم من أن المعايير الدولية لا تُحدد درجة التحديد أو الخصوصية التي يمكن أن تأخذها التعليمات الموجّهة للأعضاء الأدنى درجةً، إلا أن الوثائق تؤكد على تفضيلٍ لسياسات وتوجيهات عامة تنطبق على جميع أعضاء النيابة العامة. فالوثيقة الأوروبية مثلاً تنصُ على أن إقرار مبادئ وتوجيهات شفافة فيما يتعلق بممارسة صلاحيات النيابات العامة في ملفات محددة من شأنه أن يعزز الإنصاف والاتساق والكفاءة في أنشطة النيابات العامة.

 

حق الاعتراض أمام مرجع محايد

سابعاً، من المتطلب أن يكون هنالك حقٌ للنائب العام المكلف بقضية ما أن يرفض التعليمات الموجّهة له إذا اعتبر أنها غير قانونية أو لا تتوافق مع ضميره. وفي حال عدم رضاه عن هذه التعليمات أو عن قرار اتُخذ فيما يتعلق بقضيته، يجب أن تتوفّر آلية للتدقيق والطعن في هذه التعليمات أو هذا القرار، وعلى الإجراء المُعتمد للطعن أن يكون مستقلاً وبعيداً عن تأثيرات المنصب الذي وجّه التعليمات أو أخذ القرار المعني.  

 

توزيع الملفات على أساس قواعد ومبادئ عامة

ثامناً، يجب أن تخضع إجراءات توزيع وإعادة توزيع الملفات على أعضاء النيابات العامة لقواعد ومبادئ توجيهية واضحة وشفافة ومبنية على اختصاصات وكفاءة الأعضاء المعنيين، بدلاً من أن يتم التوزيع بطريقة تعسفية مطلقة. إذ تشدد جميع الوثائق الدولية على حساسية هذه المسألة وخطر تحويل صلاحية توزيع الملفات لأداةٍ لاحتكار أو شخصنة السلطة داخل النيابة العامة، وتؤكد هذه الوثائق على ضرورة أن تمارَس هذه الصلاحية بشفافية وإنصاف.