أراد وزير الصناعة في حكومة تصريف الأعمال وائل أبو فاعور أن يختم فترة توليه وزارة الصناعة، في ظل الثورة التي يشهدها لبنان منذ شهر، بجردة حساب أعلن فيها "انتهاء أعمال رفع التلوث الصناعي عن الليطاني"، والذي شمل، وفق ما قال، "الكشف على 201 مصنع، حصيلته تركيب 118 محطة تكرير، وإصدار 69 قراراً بالإقفال وتوجيه 22 إنذاراً للمخالفين، وذلك وفقاً للخطة التي أطلقها بهدف الوصول إلى تحقيق "صفر تلوّث صناعي في نهر الليطاني."

هذا الإعلان لا يمكن أن يمر مرور الكرام، أولاً نظراً للمسؤولية الكبيرة المتمثلة في تنظيف نهر الليطاني ومعه بحيرة القرعون، كأهم ثروة مائية سطحية في لبنان، وثانيا لتأثير هذا الكلام على صحة المواطنين القاطنين في حوض الليطاني والذين يتراوح عددهم بين مليون ومليون و250 ألف نسمة، وتبلغ نسبة انتشار الأمراض السرطانية في ما بينهم 3 إلى 4 أضعاف المعدل العام في لبنان. كما يجدر التوقف عند الكلام بالنظر إلى تأثيره على الرأي العام لناحية الإيحاء بأن الحملة التي تقودها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وناس الحوض لتنظيف النهر وبحيرة القرعون قد وصلت إلى خواتيمها المرجوة. نحن نتحدث هنا عن أطول نهر في لبنان: 170 كيلومتر يمتد من منبعه في العلاق غرب بعلبك إلى مصبه في القاسمية في بحر صور، وبمساحة حوض لا تقل عن 20% من مساحة لبنان، وكذلك عن صحة ربع سكان البلاد وسلامتهم وأمنهم الغذائي والحياتي، مع غيرهم من اللبنانيين الذين يستهلكون خضار البقاع والجنوب.

وعليه، في مقابل ما أسماه أبو فاعور "انتهاء أعمال رفع التلوث الصناعي عن الليطاني"، يجدر طرح سؤال جدي عن سبب عدم لمس تحسن في نوعية مياه النهر والبحيرة وفق ما تثبته نتائج تحاليل مصلحة الليطاني وعدد من الخبراء. نذكر أن بحيرة القرعون، لم تعد مقتولة بالسيانوباكتيريا المسمة فقط، بل بالغازات الدفيئة (غازات الميتان والكبريت والآمونياك)، التي تبلغ نسبة ضررها على صحة الإنسان 20 ضعفاً على الأقل عن ضرر غاز ثاني أوكسيد الكربون. وتتسبب هذه الغازات بالأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية عدا عن الأمراض الصدرية والتنفسية.

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الإشارة إلى وجود ما لا يقل عن 400 مؤسسة صناعية ملوثة لنهر الليطاني عبر تسليطها نفاياتها مباشرة إلى مجراه، وفق ما تؤكد مصادر مصلحة الليطاني ل"المفكرة القانونية". وبالتالي، لا يقتصر التلوث الصناعي المباشر على نهر الليطاني على 201، وأن توجيه 22 إنذاراً لمصانع ملوثة لا تعني وقف تلوثها، كما أن المراقبة المستمرة الجدية مع أخذ عينات دورية وفجائية للنفايات الصناعية الخارجة من محطات تكرير ومعالجة الصرف الصناعي هي التي تضمن وتبين مدى الإلتزام بجدية المعالجات وفعّاليتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي جولة قام بها وزير الصناعة السابق حسين الحاج على المصانع الملوثة لليطاني، أعلن تركيب معمل ميموزا محطة معالجة لنفاياته الصناعية وبالتالي توقفه عن تلويث الليطاني. بعد جولة الحاج حسن بأيام وثق مندوبو مصلحة الليطاني بالفيديو والصور وتحاليل العينات، تسليط ميموزا نفسه نفاياته الصناعية إلى الليطاني من دون أي معالجة، وهو ما استدعى إعادة إلزام المعمل بتكرير نفاياته. وهذا يؤكد ضرورة استمرار المراقبة اللصيقة والجدية والدائمة حتى لمن يقوم بتركيب محطات معالجة لنفاياته الملوثة. هذا وقد شمل كشف وزارة الصناعة المؤسسات الصناعية المرخصة وليس غير المرخصة، والتي يفوق عديدها تلك المرخصة بالمئات في كامل حوض الليطاني، وبالعشرات تلك التي تصب في النهر مباشرة.

ويجدر التذكير أيضاً بالدعوى التي رفعتها مصلحة الليطاني على بلدية زحلة ورئيسها بسبب نفايات ما يسمى بالمنطقة الصناعية في المدينة، والتي تضم منطقة سكنية وسجن زحلة ونحو 156 مؤسسة صناعية والتي تذهب مخالفاتها الصناعية من دون أي معالجة سواء مباشرة إلى نهر الليطاني أو عبر محطة تكرير الصرف الصحي غير المجهزة بتقنيات معالجة النفايات الصناعية. فماذا عن النفايات الصناعية لهذه المنطقة ومسؤولية وزارة الصناعة تجاهها؟

ومن بين 400 مؤسسة تسلط نفاياتها الصناعية إلى نهر الليطاني مباشرة، أكدت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أنها ألزمت، وعبر القضاء، 70 مؤسسة الإلتزام بمعالجة نفاياتها، وهذه تحتاج للرقابة اللصيقة والجدية أيضا للتأكد من استمرار تشغيل محطات التكرير (حيث يوقفها البعض للتوفير أحياناً) كما 60 مؤسسة ألزمتها بذلك وزارة الصناعة. وجاء إلزام المؤسسات الصناعية عبر القضاء نتيجة رفع مصلحة الليطاني دعاوى على نحو مئة مؤسسة ملوثة للنهر أمام القضاء الجزائي في بعلبك وزحلة، وما زالت جلسات المحاكمة مستمرة.

وبالنسبة للتلوث الصناعي أيضاً وأيضاً، ما زال هناك مؤسسات ومن بينها صناعات من الفئة الأولى وعلى رأسها معمل ومزرعة ليبان ليه الذي ما زال ملفه أمام القضاء، ولم ينه تركيب محطة معالجة نفايات معمل الألبان والأجبان الصناعية.

ويرى المدير العام لمصلحة الليطاني ورئيس مجلس إدارتها الدكتور سامي علوية ضرورة تضافر جهود وزارات الصناعة والزراعة والإقتصاد والبيئة وكذلك البلديات مع جهود المصلحة، مؤكداً أنه "حتى عبر القضاء بشقي نيابته العامة المالية والقضاء الجزائي لم نحصل بعد على كل الحل، وإنما على جزء منه". ويؤكد علوية على أهمية المراقبة الجدية حتى للمؤسسات التي تركّب محطات معالجة لنفاياتها الصناعية، حيث أن "ظهور نتيجة جيدة لعينة من النفايات الصناعية لا يعني أنها جيدة دائماً، والمراقبة الدائمة والجدية هي التي تضمن ذلك".

وبالإضافة إلى 400 مؤسسة صناعية ترمي نفاياتها مباشرة في نهر الليطاني هناك نحو 400 مؤسسة أخرى في حوض الليطاني تساهم في تلويث المياه الجوفية والمناطق المحيطة بها وكذلك الآبار في المنطقة.

ويؤكد د. علوية ورداً على سؤال خطط معالجة مياه الصرف الصحي الذي يلوث الليطاني عبر مجارير نحو 69 بلدة ترمى في النهر مباشرة بالقول "أن التقدم في إنشاء وتشغيل محطات تكرير الصرف الصحي في حوض الليطاني، هو في أدنى سلم أولويات مجلس الإنماء والإعمار برغم توفر الإعتمادات اللازمة، ولكننا نفتقر إلى الإرادة بالتنفيذ". ولا بد من التذكير بمخلفات المسالخ والمستشفيات التي ترمي نفاياتها أيضاً في نهر الليطاني وعلى المكبات العشوائية سواء الواقعة مباشرة على ضفتيه أو في حوضه. وهنا يفتقد سكان الليطاني دور وزارتي البيئة والزراعة، حيث تتدخل وزارة البيئة فقط عند طلب إعطاء مهل إضافية للمؤسسات الملوثة، كما لا نجد أي أثر لوزارة الزراعة في مراقبة المسالخ وكذلك أطنان المبيدات والأسمدة الزراعية التي تُستعمل في زراعات نحو 7 آلاف هكتار في سهل البقاع (70 ألف دونم من الأراضي الزراعية)، كما تروى آلاف الهكتارات بمياه الصرف الصحي غير المعالج من دون أي تدخُل أو رقابة من البلديات ووزارات الزراعة والبيئة والصحة والإقتصاد أيضاً.  

هنا لا يجب أن يفوتنا ايضاً أن اللجان الثلاث التي شكلتها الحكومة اللبنانية لتنظيف نهر الليطاني لم تكلف نفسها عناء حتى الإجتماع، فيما جاءت مسودة قانون العفو المطروح على جدول أعمال اللجنة النيابية الثلاثاء المقبل لتنص على العفو عن جرائم البيئة ومن ضمنها جرائم تلويث نهر الليطاني المستمرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ألم يحن وقت وقف هذا التواطؤ الرسمي على اغتيال نهر الليطاني وبحيرة القرعون وناس الحوض في البقاع والجنوب ومعهم كل اللبنانيين وتدمير أهم ثروة مائية سطحية في البلاد؟.