بعد مرور شهر على انطلاق الانتفاضة الشعبيّة، توجّه العشرات إلى مرج بسري (قضاء جزين) من مناطق لبنانيّة مختلفة لقضاء يوم الأحد (17 تشرين الثاني)، بين أشجار المرج ونهره حيث بدأت الأعمال لبناء سدّ وظيفته، إن حصل، تجميع المياه وجرّها إلى بيروت الكبرى. وشكّل مشهد الوفود القادمة من أفراد وعائلات ومجموعات كشفيّة لتمضية النهار في منطقة كان الدخول إليها مقتصراً فقط على الشاحنات وقاطعي الأشجار، انتصاراً صغيراً للانتفاضة الشعبيّة. فالأخيرة التي كسرت حواجز الإنتماء الأعمى للزعامات، خلعت الأبواب التي وضعتها السلطة في المرج تمهيداً لبدء الأعمال غير الشرعيّة للقضاء على محميّة طبيعيّة يجب أن تكون متاحة لجميع الناس.

 

"صاج بسري"

قدم الناس صباح الأحد تلبية لدعوة إلى نشاط بعنوان "صاج بسري" من أهالي قرى مرج بسري والمفكّرة القانونيّة والحملة الوطنيّة للحفاظ على منطقة المرج. وأمام صورة الشهيد علاء أبو فخر، التقوا بمجموعة من الشباب والصبايا الذين باتوا ليلتهم بين أشجار الصنوبر ونظّموا سهرة حول النار احتفالاً باسترجاع مبدئيّ لمرج بسري من متعهّدي السلطة.

لم تغب الشعارات عن الجدران وعن الآليّات المخصّصة للعمل على القضاء على هذا المرج لصالح مشروع السدّ الذي توقّعت الدراسات فشله وحذرت من آثاره السلبية على البيئة والزراعة والمياه وبالتالي على حياة الناس في القرى المجاورة وحتّى في لبنان. وفاحت رائحة الفساد من المشروع بخاصّة لناحية الأموال التي حصل عليها من البنك الدولي الداعم الأساسيّ للمشروع، بالإضافة إلى مبلغ إضافيّ طُلب مؤخّراً. وبدأت الأضرار تظهر حتى قبل البدء رسمياً بأعمال السّد، فلم يبق من الأشجار التي يصل عمر بعضها إلى حوالي 700 سنة سوى جذوعها، وتحوّلت الأراضي الزراعيّة إلى أراضٍ قاحلة تقف عليها جرّافات كانت تستعد، قبل الانتفاضة، لتقضي على المزيد منها في هذا المرج الكبير.

وبالقرب من الآليّات متوقّفة عن العمل، وقف عناصر قوى الأمن الداخليّ بمن فيهم قوى مكافحة الشغب على أهبّة الاستعداد على مدخل المرج منذ الصباح. وتجمّع المحتجّون وأنشدوا الأغاني الثورية والهتافات الخاصّة بحركة الاحتجاج على المشروع أبرزها "نحنا السدّ بوجّ السدّ" ودعوا إلى إيقاف العمل بالسدّ والمحافظة على المرج كمحميّة طبيعيّة. وقدّم أهالي المنطقة والقرى المجاورة والحملة الوطنيّة للحفاظ على المرج والمفكّرة طعام الفطور للمشاركين وهو عبارة عن صاج بلديّ من كشك ولبنة بلديّة وزعتر.

 

الناس "يستعيدون" المرج

بعد الفطور، سار الجمع في جولة في المرج للتعرّف على طبيعته وآثاره القديمة في خطوة رمزية لاسترجاع الأملاك العامّة والدعوة إلى الحفاظ على الطبيعة والآثار فيه. وقطعت مجموعة من المشاركين نهر بسري إلى كنيسة مار موسى الأثريّة المخطّط نقلها إلى رأس جبل هناك، وفتحوا بابها وقرعوا الجرس فيها. وشدد المشاركون على أهميّة الكنيسة التي يعود إنشاؤها إلى القرن التاسع عشر، والجدار المحاذي لها والذي يعود بناؤه الأساسيّ إلى العصر البيزنطيّ. وبدا خلف المتظاهرين الجبل الذي بدأت أعمال الحفر فيه بهدف تحويله إلى كسّارة، بعد اكتشاف رمله النقيّ والغالي.

تابع المشاركون سيرهم وكسروا الباب الأوّل المغلق الذي يقود إلى الأرض التي سيُبنى عليها السدّ، حيث لافتة مجلس الإنماء والإعمار، وبعدها كسروا أيضاً الباب الثاني الذي ترتفع عليه لافتة "ممنوع الدخول" ويقود إلى غرف المهندسين والعاملين في المشروع. ولم يكتفِ الناس بذلك بل قاموا بتكسير كاميرات المراقبة الموضوعة هناك لمراقبة أيّ تعدٍّ على مشروع هو متعدٍّ في الأساس. ولم يخشَ المحتجّون المندفعون من حرّاس الأبواب الذين كانوا يصورّون عملية تكسيرها، وهتفوا في وجههم: "لا بوّابة ولا بوّاب، بيوقف بوجّ الشباب". وحين عادوا إلى مدخل المرج فوجئوا بعدد إضافي من قوى مكافحة الشغب استقدمت مخافة إقدام الناس على خلع بوّابة المدخل أيضاً. وتقدّم ضابط من القوى الأمنيّة للتحاور مع المحتجّين من أجل عدم خلع باب المدخل، واتهم بعض المتواجدين القوى الأمنيّة بأنها تحمي المستفيدين من مشروع السدّ العتيد فيما أصرّ الضابط أنّ وجودها هدفه حماية الناس. 

ويبدو أن خلع الأبواب استفزّ علي كجك ممثّل شركة داني خوري وهي إحدى الشركات المتعهّدة لمشروع السدّ، والذي كان يقف في الخلف، وصرخ بالمحتجّين قائلاً: "انتو مش ثورة، انتو زعران"، وأشار تحديداً إلى رولان نصّور، منسّق الحملة الوطنيّة للحفاظ على مرج بسري. ولكن الأمور توقفت عند هذا الحد ولم يحصل أي تصعيد ومع انتهاء النهار غادر الناس المرج على وعد من المنظّمين بتنظيم نشاطات أخرى للتمتّع بإحدى أغنى المحميّات من حيث الآثار والتراث والتنوّع الطبيعيّ.