من أهمّ الانتصارات التي حققتها الثورة التي نعيشها هي ما حملته من مطالبات وتساؤلات إن كان في صرخات الشّارع العام أو من داخل منازل اللبنانيين، حول الفساد الذي قوّض النظام القانوني وقيّد أيادي القضاء. فانطلقت الهتافات المطالبة بمكافحة الفساد واسترجاع الأموال العامة المنهوبة. وفي محاولة لاسترضاء الرأي العام، بدت الجهات السياسية في حال تنافس لتقديم مقترحات تحت عنوان مكافحة الفساد. وبمراجعة هذه المقترحات، يتبين أن غالبها ذات طابع دعائي، يتنقص إلى الجدّية أو الفعالية. ومن آخر هذه المقترحات، اقتراح قانون معجّل مكرّر مقدّم من النائبين حسن فضل الله وهاني حسن قبيسي، حول رفع الحصانة عن الوزراء الحاليين والسّابقين، بصورة استثنائيّة، لإعطاء صلاحيّة ملاحقتهم في قضايا هدر المال العام والفساد المالي للقضاء المختص. قبل المضي في تبيان الجانب الدعائي المحض لهذا القانون، نتناول أولا حدود الحصانة الوزارية، كما يتحصل من الدستور. 

 

ماذا تشمل الحصانة الوزاريّة؟

نصّت المادة 70 من الدستور اللبناني على صلاحيّة مجلس النواب باتهام رئیس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخیانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة علیهم، على أن يتم إصدار قرار الاتهام بغالبیة الثلثین من مجموع أعضاء المجلس، مع إصدار قانون خاص لتحديد شروط مسؤولیة رئیس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقیة. وقد تبعتها المادة 71  لتنص على اختصاص المجلس الأعلى في محاكمة الرئيس والوزراء. وتعتبر هذه النصوص الدستوريّة الأساس القانوني لتحديد مفهوم الحصانة الوزاريّة من الناحية النظريّة. 

أما عمليا، فقد برز اختلاف كبير في تفسير هذه المادة. ففيما أدلى العديد من الوزراء عند استدعائهم للتحقيق في قضايا الفساد بشمولية الحصانة، بمعنى أن أي ملاحقة ضدهم تستوجب بالضرورة أن تخضع لشروط المادة 70، برز رأي آخر بعدم حصرية صلاحية الاتهام والاختصاص، أو أيضا بوجوب حصر تطبيق المادة 70 على الأعمال المتصلة مباشرة بالوظيفة الوزارية دون سواها.

وقد شكلت ملاحقة الوزيرين السابقين شاهي برسوميان وفؤاد السنيورة في عهد الرئيس إميل لحود مناسبة للتدقيق في شروط المادة 70. فقد شهدت بدايات العهد ملاحقات عديدة ضدّ ممارسات في القطاع العام، قبلما تنحسر في منتصف 2000 عنها، وتتلاشى تماما تبعا لنتائج الانتخابات النيابية الحاصلة في خريف 2000. وقد انعكست التحولات السياسية على أداء المحاكم، وتحديدا على وجهة تفسير المادة 70. 

ففي آذار 1999، أصدرت محكمة التمييز قرارا ردّت فيه استدعاء النقض المقدم من الوزير برسوميان على خلفية ملاحقته بجرم اختلاس أمام القضاء العدلي، على خلفية أن اختصاص القضاء العدلي يبقى قائما لملاحقة الوزراء عن الأفعال الجرمية المرتكبة منهم في معرض ممارسة وظيفتهم الوزارية ما لم يعمد المجلس النيابي إلى وضع يده عليها. ولهذه الغاية، استندت محكمة التمييز بشكل خاص على التعابير المستعملة في النص الفرنسي للمادة 70 من الدستور وهو النص الأصلي الذي وضع فيه قبل ترجمته إلى العربية وقبل تعديله سنة 1990، حيث جاء ما حرفيته أنه يحق لمجلس النواب اتهام الوزراء على خلفية الخيانة العظمى أو الإخلال بواجبات الوظيفة. وقد دعمت المحكمة قرارها بالإشارة إلى نص المادة 60 المتصلة بحصانة رئيس الجمهورية حيث جاء في النصين الفرنسي والعربي ما حرفيته: "لا يمكن اتهامه (أي رئيس الجمهورية) إلا من قبل مجلس النواب". وبذلك، أقرت محكمة التمييز بوضوح كلي مبدأ عدم حصرية صلاحية الاتهام والاختصاص، بمعنى أنه يكون بإمكان القضاء العادي محاكمة الوزراء ما لم يتدخل المجلس النيابي لاتهامهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. 

وقد سار القضاء في بداية الأمر على المسار نفسه بما يتصل بقضية الوزير فؤاد النسيورة. ففي أوائل العام 2000 صدر قرار رقم 238/2000 عن الهيئة الاتهامية في جبل لبنان بموضوع هذا الأخير في قضية محرقة برج حمّود، حيث ردّت استئناف الوزير السابق في الأساس والرامي لدحض صلاحيتها بالنظر في النزاع عملا بالمادتين 70 و71 من الدستور. وقد عزت أسباب الرّد إلى أن صلاحيّة المجلس النيابي باتهام الوزير هي صلاحيّة جوازيّة غير حصريّة وبالتاّلي غير نافية لصلاحيّة القضاء العادي. واعتمدت الهيئة قي تعليلها على مقاربة بين أحكام الدستور اللبناني وأحكام الدستور الفرنسي للجمهورية الثالثة والتي تم الإستناد إليه في وضع الدستور اللبناني. وفي 27/10/2000 أي بعد مرور سبعة أشهر، وعمليا بعد التغيرات السياسية الناجمة عن نتائج انتخابات 2000، عادت الهيئة العامّة لمحكمة التمييز لتنقض في قرارها رقم 7/2000 قرار الهيئة الاتّهاميّة بوجود صلاحية مزدوجة، لتتراجع بذلك عن موقف محكمة التمييز في 1999 وترسي قاعدة عامة جديدة في تفسير مفهوم الحصانة الوزاريّة. قوام هذه القاعدة هو ليس جوازية اللجوء إلى القضاء بل التمييز بين الأعمال المرتكبة من الوزراء وفق طبيعتها، وتحديدا فيما إذا كانت مرتبطة مباشرة بالوظيفة الوزارية. وللوصول إلى ذلك، أشارت الهيئة العليا إلى أنّ نص المادة 60 من الدستورتضمّن بندا صريحا بإخراج صلاحيّة النظر بالجرائم العادية المرتكبة من قبل رئيس الجمهورية من نطاق اختصاص القضاء العدلي. أما المادة 70 فلم تتضمن أي نص صريح من هذا النّوع، وتكون بذلك ساوت الهيئة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء بما يتعلق باختصاص المجلس الأعلى بالنظر بجرائم الخيانة العظمى والإخلال بموجبات الوظيفة فقط. أما سائر الجرائم العادية الأخرى، فأبقت عليها ضمن نطاق القضاء العادي. 

وانطلاقا من هاتين الحجّتين، تمّت التّفرقة بين فئتين من الأفعال التي يمكن أن يقوم بها رئيس مجلس الوزراء والوزراء.  الفئة الأولى وهي التي تندرج تحتها الأفعال النّاجمة عن الإخلال بالوظيفة أو الخيانة العظمى، وتعود صلاحية الإتّهام فيها للمجلس النيابي وإختصاص النظر بها للمجلس الأعلى. أمّا الفئة الثّانية، فتضمّ الأفعال التي تؤلّف كافّة الجرائم الأخرى، ويعود إختصاص النّظر فيها للقضاء العادي.

وبعد الفصل بين هاتين الفئتين، شدّدت الهيئة العامة على أهميّة وضع معيار موضوعي ليحدّد مفهوم "جريمة الإخلال بالوظيفة أو بالموجبات المتعلقة بها" في سبيل إرساء فاصل واضح بين الفئتين مما يسهّل عمليّة تحديد المرجع الصّالح للنظر بكل منها. وبالفعل، وضعت الهيئة تعريفا لمفهوم الأفعال التي تشكل إخلالا بالواجبات المقصود بالمادة 70 من الدستور بأنّها تلك "المتّصلة بصورة مباشرة بممارسة الوزير لمهامه القانونيّة الوزاريّة" والتي تتعلق "بالطّبيعة السياسية لعمل الوزير وجوهر مهامه الوزاريّة كما هو مقرر في القوانين." كما وضعت تحديدا للأفعال الأخرى التي تقابلها، على أنّها "الأعمال الجرميّة المرتكبة من الوزير في "معرض" ممارسته لمهامه، أو في حياته الخاصّة، والأفعال المرتكبة منه ذات الصّفة الجرميّة الفاضحة والتي تؤلّف تحويلا للسلطة عن طريق إحلال المصلحة الخاصّة مكان المصلحة العامّة."

وفي تاريخ 16/11/2000، صدر القرار النهائي عن الهيئة العامة رقم 31/2000 والتي اعتمدت فيه التحديد السابق بيانه لتخلص إلى قبول طلب الاستئناف الصادر عن الوزير السنيورة بموضوع محرقة برج حمود موضحة أنّ الأفعال المنسوبة إليه هي من فئة الإخلال بالموجبات التي نصت عليها المادة 70 من الدستور، "خصوصا وأنّ إدّعاء النيابة العامّة لا ينسب الى الوزير أن الأفعال المنسوبة إليه تمت بهدف إحلال الصالح الخاص مكان الصالح العام." 

وفي العام 2004، برزت قضيّة أخرى أمام الرأي العام وهي قضيّة وزير الزّراعة السّابق علي عجاج عبدالله في موضوع "البقرة الحلوب" ووجدت هذه القضيّة طريقها إلى محكمة التمييز في بيروت. وقد لقيت إجماعا بين القانونيين حول صلاحيّة القضاء العادي بالنظر في جزء من النزاع موضوع الدعوى. فاعتبرت محكمة التمييز برئاسة القاضي عفيف شمس الدين وعضوية المستشارين محمد مكي وجورج حيدر أنّ جزءا من الأفعال المنسوبة إلى الوزير السابق عبدالله من اختلاس وتزوير جنائي واستثمار الوظيفة تقع في خانة الأفعال العاديّة التي لا تستمد مفهومها من الطبيعة السياسية والدستورية لعمل الوزير وجوهر مهامه الوظيفية.."كذلك اعتبرت أن الجزء الآخر من الأفعال المنسوبة للوزير السّابق تحمل الطابع السياسي أو الدستوري أو الوظيفي المحض وبالتالي يعود الفصل في هذا النوع من الأعمال للمجلس الأعلى في محاكمة الرؤساء والوزراء كالمحكمة المختصّة. وتمّ إعادة الملف إلى قاضي التحقيق الأول في بيروت حاتم ماضي الذي قام بإصدار الأوامر بملاحقة الوزيرالسابق عبدالله وتوقيفه تمهيدا لمحاكمته. 

 

هل من حاجة فعليّة لاقتراح قانون رفع الحصانة عن الوزراء؟

يتّضح من تجربة إعمال المواد الجرمية المتعلّقة بمكافحة الفساد في قانون العقوبات، أنّ الحصانة الوزاريّة لا تشكّل رادعا قانونيا دون محاكمة الوزراء التي نُسبت إليهم هذه الأفعال، وذلك عكس ما هو متعارف عليه في الأوساط السياسيّة اليوم. وهذا ما يتحصل من قرارات محكمة التمييز المشار إليها أعلاه. وبالطبع، بإمكان الأوضاع الحالية أن تدفع القضاة إلى تطوير اجتهادهم في اتجاه تضييق تعريف الأعمال المرتبطة بالوظيفة الوزارية، وتاليا في اتجاه توسيع صلاحية القضاء العدلي. 

ومن هذه الزاوية، يظهر اقتراح القانون المقدم من النائبين حسن فضل الله وهاني قبيسي مجردا من أي قوة قانونية للأسباب الآتية: 

  • فإما أن الأعمال موضوع الملاحقة تشكل أعمالا مرتبطة مباشرة بالوظيفة الوزارية. وفي هذه الحالة، يتطلب إخضاعها للقضاء العادي تعديلا دستوريا بحيث يكون اقتراح القانون غير دستوري. ولا يرد على ذلك بأن الظروف الاستثنائية تجيز وضع قانون غير دستوري كما حصل عند إقرار قانوني موازنة عامة لسنتي 2017 و2018 من دون قطع حساب، بتجاوز لأحكام الدستور. فهكذا قول يشكل قولا عبثيا طالما أنه يعني أن بإمكاننا أن نبرر مخالفة الدستور بحجة أن المجلس النيابي أقدم سابقا على مخالفته. 

  • وإما أن الأعمال موضوع الملاحقة لا ترتبط بجوهر الوظيفة الوزارية أو يستشف منها تسخير الوظيفة لخدمة مصالح خاصة كما هي حالات الاختلاس أو الهدر لمنافع فئوية أو خاصة، ولا تكون تاليا خاضعة لأي حصانة. وفي هذه الحالة يصبح اقتراح القانون من قبيل لزوم ما لا يلزم.