مع إندلاع ثورة 17 تشرين الأول 2019، برزت مخالب النظام (بالمفهوم الواسع للكلمة) على مختلف المستويات، السياسية والإقتصادية والمالية-المصرفية منها، جاعلة من الإنهيار الإقتصادي الذي وصلت إليه البلاد بفعل هذا النظام بالذات، آخر الذرائع، لإعادة تدوير طغيان هذا النظام على الدولة وعلى شعبها. وقد لعب بعض أصحاب العمل هنا دور جنود النظام على مستوى الدوائر الصغرى في محاولة منهم (نيابة عن النظام) بإخضاع الطبقة العاملة – وتالياً قمع الثورة. فمنعوا عمّالهم من الإضراب في مرحلة أولى، ملوّحين بالصرف من الخدمة[1]، ومنعوا عليهم الكلام داخل أماكن العمل في مرحلة ثانية، ملوّحين هنا أيضاً بالصرف[2]، وها هم اليوم يضعون "الصرف" قيد التنفيذ مُلبسين إياه قناع "إتفاق على تخفيض الراتب" المُستلهم بدوره من "الحالة الإقتصادية السيئة المتفاقمة".

وفي حين أنه من المُسلّم به في النقاش العام اليوم أن البلاد غارقة فعلياً بأزمة مالية لا سابق لها، ما حمل البعض إلى حدّ إعتبار أن نظامنا الإقتصادي كما عرفناه منذ الإستقلال قد سقط ويقتضي علينا التفكير بنظام بديل له لإنقاذ الوضع المالي ومعه الإقتصاد[3]، إلا أن هذا الأمر لا يبرر وحده أي إقتطاع لرواتب الأجراء والعمّال خارج الآليات القانونية الجوهرية المتبعة في حالات مماثلة – لا سيما وجوب التشاور الإلزامي مع وزارة العمل، وهو أمر أعود إليه تفصيلياً أدناه.

 

والواقع أنه في ظل تقاعس أو عجز السلطات العامة عن إيجاد حلول ومخارج من الأزمة المالية المذكورة، وفي ظل تعطيل دور الإدارات العامة في الرقابة والمحاسبة، تمكن أصحاب المال من الانقلاب على القوانين لفرض شرعتهم، مُصدّرين الفرمان تلو الآخر تمهيدا لفرض عدالتهم الخاصة على الفضاء العام. وقد تجلى هذا الأمر على ثلاثة أصعدة أساسية، هي: (1) إصدار جمعية المصارف بتاريخ 18/11/2019 لفرمانها الخاص لضبط الرساميل والعمليات المصرفية (Capital Control) بالرغم من غياب أي نص تشريعي يسمح أو يرعى هذا الأمر (ما يشكل عملياً مخالفة للقوانين الحالية)؛ (2) إصدار بعض مالكي العقارات فرمنات خاصة بهم تؤول إلى الإصرار على قبض بدلات الإيجار بالدولار الأميركي (ما يشكل بحد ذاته مخالفة جزائية وفق ما نصت عليه المادة 192 من قانون النقد والتسليف[4]) وإلاّ على قبضها بالليرة اللبنانية وفق ما يُشار إليه بـ "سعر السوق" (وهو أمر موضوع جدل قانوني جديّ نظراً لتفاوته مع السعر الرائج المُعتمد من قبل مصرف لبنان وفي أغلبية العمليات المصرفية في لبنان وفي ظل تقاعس الدولة عن التدخل بهذا الشأن لضبط السعر المذكور)؛ (3) وهو ما يهمنا هنا، تخفيض بعض أصحاب العمل لرواتب أجرائهم وعمّالهم في إزدراء فاضح للقانون وللآليات المنصوص عليها فيه في حالات مماثلة.

 

بالفعل، فقد وصل (في الأسابيع القليلة الماضية) لقسم من الأجراء العاملين في لبنان، كتب أو مسودات إتفاق – مع تعليمات بالتوقيع عليها – تتحجج بالأزمة المالية التي تمر بها البلاد لتخفض الرواتب بنسب متفاوتة – وصل بعضها إلى 50% من الراتب الأساسي. ونظراً لفداحة ما يمثل هذا الإقتطاع للراتب من إستغلال للعامل ومخالفة للقانون في ظل وضع إقتصادي يعزز الهشاشة، يقتضي تسجيل الملاحظات الثلاث التالية:

 

أولاً – أن تخفيضات مماثلة على الرواتب هي باطلة وفق مدلول أحكام الفقرة الأولى من المادة 59 من قانون العمل التي تنص حرفياً على أن: "كل نص في عقد إجارة الخدمة وبصورة عامة كل إتفاق يعقد بين رب العمل والأجير قبل العمل وخلال مدته يراد به إسقاط أحكام الفصل الرابع المتعلق بالأجور أو تخفيض المبلغ الذي يحق للأجير بمقتضى هذه الأحكام يكون باطلاً حكماً". وتالياً فإن أي قرار من قبل صاحب العمل أو أي إتفاق بينه وبين أجيره بشأن تخفيض راتب هذا الأخير، يُعتبر باطلاً وكأنه لم يكن. وقد استقر إجتهاد مجالس العمل التحكيمية في لبنان على إعتبار أحكام الفقرة الأولى من المادة 59 المذكورة على أنها "قواعد قانونية آمرة إلزامية لتعلقها بالإنتظام العام في المجتمع" وأنه "لا يجوز الإتفاق على ما يخالفها"[5]، مع الإشارة إلى أن غاية المشرع منها هي حماية الأجير من كل إكراه مادي أو معنوي يفرضه عليه صاحب عمله أثناء عقد العمل[6]، لا سيما نظراً لعلاقة التبعية البنيوية المهيمنة على علاقات العمل في لبنان. فقد يجد الأجير نفسه مرغماً على الموافقة على شروط عمل جديدة تخالف النظام العام وتخالف مصلحته للحفاظ على عمله ومصدر رزقه. وقد إستقر الإجتهاد، تماشياً مع هذا الأمر، على إعتبار الإبراءات والإسقاطات التي تؤخذ من الأجير أثناء فترة العمل على أنها "مشوبة بالإكراه المعنوي وغير صادرة عن إرادة حرة" ما يوجب "إعتبارها باطلة وغير منتجة، لأية مفاعيل قانونية"[7].

أما في حال وجد الأجير نفسه مرغماً على التوقيع على تخفيضات مماثلة، فقد يكون من المستحسن أن يتوّج توقيعه بعبارة "بكل تحفظ"، للدلالة على تحفظه إزاء حقوقه بهذا الشأن، الأمر الذي قد يضمن أكثر مطالبته اللاحقة لصاحب العمل بالتعويض عن الجزء المحسوم من الأجر.

 

ثانياً – أن تخفيضات مماثلة على الرواتب تشكل تعديلاً جوهرياً لعقد العمل وهي بالتالي بمثابة صرف تعسفي من الخدمة يتحمل مسؤوليته صاحب العمل ويحق للأجير المطالبة بالتعويض عنه وفق أحكام الفقرة (أ) من المادة 50 من قانون العمل. فقد استقر إجتهاد مجالس العمل التحكيمية في لبنان على إعتبار أن تخفيض الأجر على هذا النحو خلافاً لأحكام المادة 59 من قانون العمل يعتبر إخلالاً من صاحب العمل بعنصر جوهري من عناصر عقد العمل القائم بينه وبين الأجير، ومبرراً بالتالي لإقرار مسؤولية صاحب العمل عن فسخ العقد وعن توقف الأجير من متابعة العمل[8]. وقد اعتبر أيضاً الإجتهاد في هذا الإطار، أن تسبب صاحب العمل بفسخ عقد عمل الأجير على هذا النحو ينطوي على إساءة لإستعمال الحق بفسخ العقد وتجاوز لإستعمال هذا الحق طالما أن تخفيض الأجر مخالف لأحكام المادة 59 المذكورة، مما يبرر سنداً للفقرة (أ) من المادة 50 من قانون العمل الحكم على صاحب العمل بتعويضات لصالح الأجير[9].

 

ثالثاً – أن قانون العمل أوجد آليات محددة يتعين على أصحاب العمل إتباعها في حال تعسرت أوضاعهم المالية إلى درجة تدفعهم على إنهاء بعض عقود العمل لديهم لإنقاذ مؤسساتهم. فأجازت الفقرة (و) من المادة 50 من قانون العمل لأصحاب العمل إنهاء "بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة إذا اقتضت قوة قاهرة أو ظروف اقتصادية أو فنية هذا الإنهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر أو التوقف نهائياً عن العمل". وقد اشترطت المادة على أصحاب العمل، كي لا يتسم الصرف بالطابع التعسفي، إبلاغ "وزارة العمل رغبتهم في إنهاء تلك العقود قبل شهر من تنفيذه"، على "أن يتشاوروا مع الوزارة لوضع برنامج نهائي لذلك الإنهاء تراعى معه أقدمية العمّال في المؤسسة واختصاصهم وأعمارهم ووضعهم العائلي والاجتماعي وأخيراً الوسائل اللازمة لإعادة استخدامهم". أي أن هناك شرطين مفروضين على أصحاب العمل لإنهاء العقود المبرمة في المؤسسة في حال تبين أنها تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وهما شرطين شكليين جوهريين، الأول يكمن في لزوم إبلاغ وزارة العمل، والثاني يكمن في احترام مهلة شهر قبل الإقدام على الصرف أو إنهاء العقود بعد ابلاغ وزارة العمل. ونظراً لكون تخفيض الرواتب هو بمثابة صرف من الخدمة وفق ما تقدم، فيجوز إتباع الآلية نفسها في هذه الحالة.

 

وفي هذا الإطار، وبالعودة إلى الدراسة[10] التي أنجزتها المفكرة القانونية سنة 2019 حول أحكام مجالس العمل التحكيمية في بيروت وجبل لبنان سنة 2018، يقتضي التنويه بأمرين أساسيين هما:

  • تشدد إجتهاد مجالس العمل التحكيمية على الطابع "الجوهري" لشرط إبلاغ وزارة العمل والتشاور معها قبل إنهاء عقود العمل لأسباب إقتصادية، وإلاّ يعتبر هذا الإنهاء بمثابة صرف تعسفي من الخدمة يتحمل مسؤوليته صاحب العمل وفق أحكام الققرة (أ) من المادة 50 من قانون العمل. لا بل وقد أظهرت الدراسة أن الإجتهاد لم يكتف حتى بإعلان إفلاس بعض الشركات صاحبات العمل لإعتبار الصرف مبرراً، بحيث فرض في هذه الحالة أيضاً على الشركة المفلسة التقيّد بالشروط الشكلية المذكورة. فإعلان إفلاس صاحب العمل "لا يعفيه عن التعويض على [الأجير] عن فسخ عقد عمله وعن مهلة الإنذار طالما أنه لم يتقيد بشرط الفقرة (و) من المادة 50 عمل"[11].
  • إصرار الإجتهاد على أنه في حال لم توافق وزارة العمل على برنامج صاحب العمل لإنهاء بعض عقود العمل لديه (وهي تالياً لم تصدق على صحة أوضاعه الإقتصادية أو على درجة تعسرها لتبرير إنهاء العقود) وعدم التوصل مع الوزارة إلى إتفاق حول الوسائل اللازمة لإعادة إستخدام الأجراء المصروفين من الخدمة، فلا يحق لصاحب العمل أن يضع عملية الصرف قيد التنفيذ وإلاّ يكون في حالة مخالفة لمنطوق الفقرة (و) من المادة 50 المذكورة، وبالتالي يكون الصرف مستنداً إلى سبب غير صحيح ومن قبيل التجاوز أو الإساءة في إستعمال حق الفسخ. وقد ذهب الإجتهاد في عدة قرارات إلى التذكير بأن "نية المشترع تتعدى الإجراءت الشكلية إلى تقييد حرية صاحب العمل لمنعه من الإنفراد في عملية الصرف لدواعٍ إقتصادية تتعلق بكيفية عمل مؤسسته"[12].

 

ختاماً، يقتضي الإشارة إلى ضرورة تدخل وزارة العمل بوجه أصحاب العمل لوضع حد لتخفيضات مماثلة على الرواتب. فللأجراء الذين خُفضت رواتبهم أن يشتكوا ضد صاحب عملهم أمام وزارة العمل ودعوة هذه الأخيرة للتدخل إلى جانبهم لحمايتهم من التعسف، وإلاّ فللأجراء أيضاً أن يلجؤوا إلى مجلس العمل التحكيمي المختص بهدف حثّ هذا الأخير على وضع حد لهذه الممارسة غير القانونية وإعادة بعض التوازن إلى علاقات العمل.

 


[1]  كريم نمّور، "لماذا لا يحق لصاحب العمل أن يصرف أجيرا يشارك في الإضراب الوطني؟"، المفكرة القانونية، 24/10/2019.

[2]  كريم نمّور، "منع’الحكي السياسي‘ داخل مكان العمل وخارجه: ’صمتنا والعمل‘"، المفكرة القانونية، 08/11/2019.

[3]  تراجع الحلقة الخامسة من سلسة المدونات الصوتية "البودكاست القانوني" التابع للمفكرة القانونية، مع الصحافي الإقتصادي محمد زبيب تحت عنوان "ما هي حقيقة الوضع الإقتصادي في لبنان اليوم؟".

[4]  المرسوم رقم 13513، الصادر بتاريخ 01/08/1963، "قانون النقد والتسليف وانشاء المصرف المركزي".

[5]  م.ع.ت. شمال، رقم 58 تاريخ 14/7/1992 (الرئيس عيسى الخوري)، مجموعة إجتهادات م.ع.ت. شمال 1994 ج 1 ص. 23، وبالمعنى نفسه: م.ع.ت. شمال، رقم 11 تاريخ 22/2/1993 (الرئيس عيسى الخوري)، مجموعة اجتهادات م.ع.ت. شمال 1994 ج 1 ص. 27.

[6]  م.ع.ت بيروت، تاريخ 16/6/1994 (الرئيس الخليل)، دعوى كرم/فرنسبنك - العدل 1994 عدد 1 ص. 248.

[7]  م.ع.ت. بيروت الرئيس طربيه، قرار 431، 16/5/1972، وم.ع.ت. شمال، رقم 64 تاريخ 26/2/1998 (الرئيس أديب)، دعوى حيدر/منشآت النفط في طرابلس - ن.ق. 1998 عدد 3 ص 308.

[8]  م.ع.ت. بيروت، رقم 209 تاريخ 28/4/1999 (الرئيس جدايل)، دعوى رعد/«شركة الحرف الفنية» ش.م.ل. – غير منشور.

[9]  المرجع نفسه.

[11]  م.ع.ت. جبل لبنان، برئاسة القاضية يولا سليلاتي، قرار رقم 12/2018.

[12]  م.ع.ت. بيروت، برئاسة القاضية هيام خليل، قرار رقم 627/2018 والقرار رقم 673/2018 والقرار رقم 475/2018.