للمرة الأولى يشهد لبنان احتفالاً شعبياً في الذكرى السادسة والسبعين لعيد الاستقلال في ساحة الشهداء في بيروت تخلله عرض مدني لأكثر من خمسين فوجاً من مختلف الفئات الشعبية. ففي السنوات السابقة كانت مراسم الاحتفال بعيد الاستقلال رسمية يتخللها عرض عسكري للوحدات والآليات العسكرية وعرض للطائرات الحربية، بحضور الرؤساء الثلاثة. وكان يلي المراسم استقبالات تهنئة في مقر رئاسة الجمهورية. وكان اللبنانيون يتابعون المراسم الرسمية من على شاشات التلفزيون في منازلهم ولم يتم إشراكهم يوماً فيها. 

ولكن هذا العام وبمناسبة استمرار الانتفاضة الشعبية، استعيض عن ذلك باحتفال مصغّر في وزارة الدفاع مع إلغاء الاستقبالات بسبب "الظروف الراهنة". وفي المقابل قرر اللبنانيون أن يكونوا هم عيد الاستقلال، وأن يكون لهم عرضهم المدني الخاص الذي يتمكن كل مواطن ومواطنة من المشاركة فيه بدون شروط، وألّا يكون حكراً على أحد، يُنظّمه بروتوكول واحد هو بروتوكول "الحرية والعفوية والارتجال". 

وكان الاستقلال للمرّة الأولى للمواطنين الذين يُطالبون بإستقلال حقيقي عن السلطة السياسية التي امتهنت تطييف البلد وسمحت بالفساد وسرقة المال العام، وسرقة "بحره وبره". للمهمشين في هذه البلاد ومنهم "الشيخ والفتى". وكان استقلالاً للنساء والرجال والأمهات والآباء والأطفال، والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وللكهول الذين يعانون من تهميش الدولة لحقوقهم، ولمن انعدمت أمامهم فرص العمل ويواجهون البطالة، ولمن يصلّي ليتمكن من الصمود ليوم آخر أمام وضع معيشي وصل إلى حدود لا تحتمل. 

 

أفواج مدنية بدلاً من الأفواج العسكرية

بدأ الاحتفال في ساحة الشهداء قرابة الساعة الثانية بعد الظهر شارك فيه الآلاف من اللبنانيين من معظم المناطق اللبنانية. وبدلاً من الأفواج العسكرية سارت أفواج مدنية في ساحة الشهداء تمثل فئات مختلفة من الشعب اللبناني: فوج الأمهات اللواتي لبسن اللون الأبيض وأتين مع أطفالهن، فوج الطلاب من كافة فروع الجامعة اللبنانية مع أساتذتهم، فوج الأطباء بالروب الأبيض، فوج المهندسين الذين يعتمرون الخوذات، فوج الزراعيين الذين وضعوا على رؤوسهم قبعات قش، فوج المبدعين من المصممين اللبنانيين في مجال الموضة، وفوج الإعلاميين الذين تقدمهم شاب يلبس خوذة ودرعاً واقياً كتبت عليه كلمة PRESS. وجاء فوج الموسيقيين مع آلاتهم الموسيقية: غيتار ومزمار وكمان. وشاركت أفواج أخرى كثيرة في الاستعراض بينها فوج سمّى نفسه فوج "الهيلا هيلا هو والطناجر". 

وبالطبع كانت هناك أفواج المناطق: فوج بيروت، جبل لبنان، الشمال، الجنوب... وشهدت بيروت مسيرات متعددة، منها مسيرة "استقلالية ثقافية" انطلقت من بيت بيروت في السوديكو إلى ساحة العازارية وانضم إليها العديد من العاملين في المجال الثقافي ومن بينهم تجمّع "مهنيين ومهنيات" وطالبوا بـ"ثقافة تعددية حرة". وهدفت إلى الوصول إلى استقلال الثقافة عن: "فساد السلطة، الرقابة والقمع، هيمنة رأس المال، السلطات الدينية، المحاصصات الطائفية". 

وصباحاً شارك المئات في مسيرة موسيقية دعا إليها مسرح "مترو المدينة" انطلقت من أمام المسرح في الحمرا وصولاً إلى ساحة الشهداء. وشارك العديد من الموسيقيين والمغنين في المسيرة حاملين آلاتهم الموسيقية من طبلة ورق ومزمار وأكورديون إضافة إلى مكبرات الصوت. وسارت الجموع في الأحياء الشعبية لبيروت من الملا والبسطة مروراً ببشارة الخوري وصولاً إلى ساحة الشهداء. وكانت مسيرة صاخبة تميزت بالأغاني الشعبية المعروفة والموسيقى وقرع الطناجر والرقص في شوارع المدينة، والألبسة الفلكلورية والأزياء الملونة. وكان لافتاً تفاعل سكان المدينة الذين وقفوا على جوانب الطرقات والشرفات للتفرج والتصفيق، ونثر آخرون الأرز على المشاركين من على شرفات المنازل. وهتفت المسيرة الموسيقية عالياً "ثاو ثاو ثاو ثاو ثورة.. ثورتنا مش حراك"، وغنوا الدلعونا والهوارة وأغاني فيروز وزياد الرحباني وغيرها من أغاني لبنان الشعبية التي تناسب الأجواء. 

يسجّل للانتفاضة أنها حوّلت الاحتفال بعيد الاستقلال إلى مناسبة شعبية بامتياز حيث احتل الشعب الشاشات بدلاً من العرض العسكري الذي يقتصر حضوره على الرسميين. وطغت على المشهدية أجواء الكرنفال الشعبي بألوان العلم اللبناني الأخضر والأحمر والأبيض.