بتاريخ 10/10/2019، أصدرت محكمة الاستئناف بتازة (شرق المغرب) قرارا مبدئيا يتعلق بإحدى قضايا العنف الأسري[1]. أهمية القرار تكمن من جهة أولى في كونه يعتبر من بين التطبيقات القضائية النادرة التي يتم فيها إعمال تدابير الحماية، الواردة في قانون محاربة العنف ضد النساء. فرغم صدور أحكام ابتدائية سابقة قضت بإعمال تدبير معين كالمنع من الاتصال أو الايداع بمؤسسة للعلاج، فإن أهمية قرار محكمة تازة تكمن في أنه صادر عن محكمة استئناف، وأنه جمع بين تدبيرين للحماية، وأقر مبدأ هاما مفاده قابلية تطبيق تدبير المنع من الاتصال أو الاقتراب من الضحية، رغم قيام عقد الزواج، الذي يفرض المساكنة بين الطرفين، فضلا عن أنه تطرق من جهة أخرى لجنحة "التقاط أو تسجيل صورة شخص في مكان خاص"، والتي يطرح تطبيقها العملي عدة اشكاليات في علاقته بمدى احترام مبدأ الشرعية الجنائية، خاصة بعد التداول الاعلامي لما قيل أنها تعليمات صادرة عن مديرية الأمن الوطني بتطبيق هذه الجريمة على مصوري دوريات الشرطة في الفضاء العام.

 

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى شكاية تقدمت بها امرأة إلى خلية التكفل بالنساء المعنفات بالمحكمة الابتدائية بتازة، تعرض فيها بأنها متزوجة من المتهم، الذي عرضها للعنف، وقام بطردها من بيت الزوجية ومنعها من أخذ ملابسها واصطحاب ابنيها معها، وأدلت بشهادة طبية مدة العجز بها والتي هي 21 يوما.

وعند الاستماع إلى المتهم من طرف الضابطة القضائية، أنكر المنسوب إليه، وأكد أنه لم يعنف زوجته، ولم يطردها من بيت الزوجية، مبديا استعداده إلى تمكينها من ابنهما ومن حوائجها.

بناء على ذلك، انتقلت دورية من الشرطة القضائية رفقة المشتكية لتنفيذ الأمر بإرجاعها إلى منزلها، وعندما طلب عناصر الدورية من الزوج السماح للزوجة بدخول المنزل، وأخذ أغراضها، شرع الزوج في الصراخ بأعلى صوته، واستعان بهاتفه النقال وقام بتصوير دورية الأمن التي كانت متواجدة أمام باب منزله، كما وجه لهم عبارات يتهمهم فيها بالارتشاء.

وعند الاستماع إلى المتهم من جديد من طرف الضابطة القضائية في محضر قانوني اعترف بقيامه بتسجيل مقاطع فيديو بواسطة هاتفه النقال لعناصر الدورية والأشخاص الذين كانوا متواجدين في باب منزل الزوجية لتنفيذ قرار إرجاع الزوجة لتمكينها من أبنائها وحوائجها.

وبناء على هذه الوقائع، تابعت النيابة العامة المتهم من أجل الضرب والجرح والتهديد ضد الزوجة، وإهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بوظيفتهم، والتقاط وتسجيل صورة شخص في مكان خاص من دون موافقته، وهي الأفعال المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصول 401 و429 و263 من القانون الجنائي، والمادتين 2 و429/1 و447/1 من قانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.  

بتاريخ 11/04/2019 قضت المحكمة الابتدائية بمؤاخذة المتهم من أجل المنسوب إليه، والحكم عليه بالحبس النافذ لمدة شهرين، وبغرامة مالية نافذة قدرها 2000 درهم.

خلال مرحلة المحاكمة أمام محكمة الاستئناف حضر المتهم، وقد أنكر أفعال الضرب والتهديد المنسوبة إليه، مضيفا أن المشتكية أتت رفقة عائلتها إلى المنزل من أجل نقل جميع الأثاث وليس فقط ملابسها، مما أدى إلى شعوره بالاستفزاز، وهو ما دفعه لتصوير ما وقع بغية بقاء الصور كدليل لديه يمكن الإدلاء به لاحقا في النزاع الذي قد يطرح أمام محكمة الأسرة. وحضر دفاع المشتكية وأدلى بإشهاد عن تراجعها عن التنازل.

 

قرار المحكمة:

البراءة من تهمة "التقاط وتسجيل صورة شخص في مكان خاص دون موافقته"

اعتبرت محكمة الاستئناف أن الحكم الابتدائي لم يصادف الصواب حينما قضى بادانة المتهم من أجل "التقاط وتسجيل صورة شخص في مكان خاص دون موافقته"،  لكون عملية تصوير "عناصر الدورية" جرت في مكان عام وهو باب منزل الزوجية، المفتوح على العموم، بحضور المشتكية وأقرباء المتهم وبعض العموم.

وهو ما يعني عدم قابلية تطبيق هذا الفصل على الأشخاص الذين يقومون بتصوير دوريات وعناصر الشرطة المتواجدين في الفضاء العام، وذلك احتراما لمبدأ الشرعية الجنائية.

 

تأييد قرار الإدانة من أجل العنف "الزوجي" اعتمادا على القرائن والشهادة الطبية

أيدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي فيما قضى به من إدانة المتهم من أجل الضرب والجرح ضد الزوجة. فرغم إنكار المتهم للمنسوب اليه، استنتجت المحكمة أدلة الإدانة من "تصريحات المشتكية التي قالت فيها أن زوجها وجه إليها عدة ركلات ولكمات"، وهي تصريحات جاءت منسجمة مع "ما وصفته الشهادة الطبية المؤرخة في تزامن مع يوم الواقعة من آثار اعتداء مختلفة على أنحاء متباينة من جسمها، وما عاينته النيابة العامة أثناء الاستماع إلى المشتكية من عدة خدوش على مستوى الوجه".

 

أعمال تدابير الحماية المنع من الاتصال أو الاقتراب من الزوجة والخضوع للعلاج النفسي

جاء في تعليل قرار محكمة الاستئناف أنه: تبين أن الضحية تنازلت للمتهم بتاريخ 04/02/2019 رغبة منها في الحفاظ على بيت الزوجية، ثم عادت وتراجعت عن تنازلها بتاريخ 11/2/2019، نظرا لمعاودته تعنيفها جسديا ومعنويا وتهديدها لها وعائلتها بالقتل والتصفية الجسدية". وهو ما اعتبرته المحكمة مبررا لإعمال تدابير الحماية التي أقرها قانون محاربة العنف ضد النساء، وأمرت بمنع الزوج المعَنِف المحكوم عليه من الاتصال بالضحية أو الاقتراب من مكان تواجدها أو التواصل معها بأي وسيلة لمدة سنة من تاريخ تبليغه هذا القرار".

كما أمرت أيضا بإخضاع الزوج المعنف ولمدة سنة، لعلاج نفسي ملائم على تدبير الغضب وحسن التواصل ونبذ العنف، وذلك على نفقته، مع تنفيذ هذا التدبير فور توصله بهذا القرار بالرغم من استعمال أي طريق من طرق الطعن.

وطلبت من الطبيب المعالج إعداد تقرير عن تطور حالة المحكوم عليه بالخضوع للعلاج، كل ثلاثة أشهر على الأقل بهدف توجيه إلى قاضي تطبيق العقوبات، للتأكد من تحسن سلوكه.

 

مواضيع ذات صلة:

أول تطبيقات تدابير الحماية في قانون العنف ضد النساء بالمغرب: العلاج النفسي كبديل عن العقاب

أول حكم قضائي لمنع الاتصال بالضحية إعمالا لقانون العنف ضد النساء في المغرب

قانون محاربة العنف ضد النساء بالمغرب يدخل حيز التنفيذ

نشر قانون مكافحة العنف ضد النساء بالمغرب في الجريدة الرسمية

المرصد الوطني للعنف ضد النساء يكشف عن واقع تعنيف النساء بالمغرب

مشروع قانون لمكافحة العنف ضد النساء: التمييز عنف أيضاً

أول تطبيق لقانون حماية المرأة من العنف الأسري في لبنان: أو حين اجتهد القاضي تصحيحا لقانون مبتور

قراءة نقدية في مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء في المغرب

قراءة ثانية في مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء في المغرب

بالمغرب صفارات لفضح التحرش 

في المغرب.. التحرشوالإكراه على الزواج والعنف ضد الأخوات جرائم يعاقب عليها القانون بالحبس

إشكالية تجريم التحرش الجنسي في القانون المغربي

عن تجربة خلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف في المغرب

دورية لمنع تصوير عناصر الشرطة في المغرب: هكذا تم تجريد فاضحي الفساد من إحدى أدواتهم

الأمن الوطني المغربي يصدر بيان حقيقة: التأكيد على منع تصوير عناصر الأمن تحت شعار "الحقيقة"

النيابة العامة المغربية توضح نطاق التصوير المسموح به لتقديم دليل إلى القضاء

 

 

 


[1]- قرار محكمة الاستئناف بتازة، ملف جنحي عنف ضد نساء عدد 38_2635_2019، صادر بتاريخ 10/10/2019، غير منشور.