يوم الخميس 7 تشرين الثاني 2019، غرّد النائب السابق و"زعيم" زغرتا سليمان فرنجية طالباً من مناصريه أن يكونوا على كامل الإستعداد لـحماية صحتهم وأرضهم وبيئتهم ولصون كرامتهم. فتأهّب أهالي بلدة بشنين الصغيرة، كونها أحد معاقل آل فرنجية في المنطقة، تلبيةً لدعوة زعيمهم، ليكتشفوا في اليوم التالي أن عبء أزمة نفايات قضاء زغرتا سيقع على عاتقهم تحديداً. فبدلاً من إزالة النفايات التي رميت في موقعين في نطاق المنطقة خلال الأشهر الماضية، تبيّن أنّ رمي النفايات مستمر، محوّلاً الموقعين إلى مكب للقضاء وذلك على حساب صحة أهالي بشنين، وبيئتهم، وكرامتهم. فمنذ إغلاق مكب عدوي في مطلع شهر نيسان 2019، اندلعت أزمة النفايات في الأقضية الشمالية الأربعة (المنية -الضنية، والكورة، وزغرتا، وبشري) وشهدت بلدتا زغرتا وإهدن تراكماً للنفايات في أحيائها وارتفاعاً في مستوى الغضب في شارعها. وبعدما فشلت محاولات حلّ الأزمة سواء على صعيد الأقضية الأربعة مع مطمر تربل، سواء على صعيد القضاء مع مطمر الحواكير، عمد تيار المردة إلى فرض مكبّين عشوائيين يتأثر بهما سكان بشنين بالدرجة الأولى حيث تشرف بلدتهم على الموقعين لجهة الجنوب. الموقع الأول مؤلف من ثلاثة عقارات يمرّ بها نهر قاديشا (أبو علي) وهي تابعة لدير سيدة البلمند.1 أمّا الموقع الثاني قيقع في نطاق بصرما ويبعد بضعة عشرات الأمتار عن النهر للجهة المقابلة لبشنين ويعود لدير سيدة النجاة – بصرما.

 وبرز مجدداً الوجه البشع لنظام الزعامات لجهة الإستهتار بحقوق المواطنين ودولة القانون والمؤسسات واعتماد القوّة لفرض الأمر الواقع. وهذا ما شهدته بلدة بشنين عندما وقف أهاليها في 8 تشرين الثاني 2019 في وجه شاحنات تحوي نفايات زغرتا ليتمّ الاعتداء عليهم من قبل بعض مناصري تيار المردة بالضرب والشتائم والتهديد، وذلك أمام مرأى من الجيش اللبناني الذي تبدو صلاحياته محدودة في مناطق نفوذ الزعامات.

 

أهالي بلدة صغيرة في وجه زعيمها "الكبير"

بدأت قضية المكبّين في صيف 2019، وتحديداً في 4 تموز عندما قطع أهالي بشنين أوتوستراد الكورة - زغرتا الذي يمرّ في البلدة بالسواتر الترابية رفضاً لرمي نفايات قضاء زغرتا للمرة الأولى في موقعين في البلدة ومن دون أخذ رأيهم. وقد تم "الإستيلاء" على عقارات تابعة لدير سيدة البلمند الملاصقة لنهر قاديشا (أبو علي) من قبل جهات مناصرة لـ"المردة" لتحويله إلى مكبّ عشوائي، بحسب مصدر رسمي في دير سيدة البلمند. ويوضح المصدر لـ "المفكرة" أنّه قبل حوالي ثلاثة أشهر ومن دون إعطاء أي علم أو نيل أي إذن من الدير أو من أي جهة كنسية أخرى، قامت جهات من قضاء زغرتا بـ "تركيب عبّارات على النهر وجرف الأرض وقطع مئات الأشجار المعمّرة والمُثمرة التي يزيد عمرها عن مئتَي سنة من زيتون وتوت وغيرها وفتح طريق مؤدٍّ لها ورمي ثلاث شاحنات كبيرة من النفايات". ودفع ذلك الدير إلى رفع شكوى في مخفر سبعل بوجه بلدية زغرتا. وقد صدر تبعا لذلك قرار عن النائب العام الاستئنافي في الشمال بإزالة النفايات وإعادة زرع الأشجار وتعويض الدير عن الخسارة اللاحقة بأوقافه. بدوره، قدّم دير سيدة النجاة شكوى لدى مخفر المحلّة ثم سحبها بعد حصوله على تطمينات بتوقف أعمال كبّ النفايات. ولكن لاحقاً استمرت عمليات رمي النفايات في أرض الدير بحسب السكان "بالمخفي" بين الحين والآخر خلال ساعات الفجر بعد مغادرة الأهالي الذين كانوا يحرسون الموقع.

لاحقاً، دعا رئيس بلدية زغرتا أنطونيو فرنجية إلى عقد إجتماع مع أهالي البلدة طالباً منهم أن يسمحوا برمي النفايات في نطاقها مؤقتاً ولكنه لاقى رفضاً قاطعاً. وتلا ذلك إجتماع ثانٍ مع القيادي في تيار "المردة" المحامي شادي دحدح ولاقى رفضاً أيضاً. وفي 5 آب 2019، رُفعت عريضة إلى محافظ الشمال رمزي نهرا رفضاً لـ "تجميع النفايات في منطقة بشنين قرب مجرى النهر"، ووقّع عليها عدد من الأهالي وصدّق عليها مختار بشنين رومانوس حبقوق. وبنى سكان البلدة رفضهم على الضرر الذي سيلحقه المكب بالبيئة والصحة العامة والقلق من انخفاض قيمة العقارات في المنطقة، وخطر تلوث المياه الجوفية.

 

إعادة فرض المكبّات العشوائية بالقوة

بعد استقالة رئيس الحكومة في 29 تشرين الأول 2019، وتحديداً في 8 تشرين الثاني وبحسب شهود، توجّه أكثر من مئة زغرتاوي من تيار "المردة"، بينهم بعض المسلّحين، إلى بشنين لفتح الطريق بالقوّة وحماية عملية رمي النفايات. ووصف أحد الموجودين المشهد بالقول: "متل كأن ما في دولة بلبنان". وتعرّض بعض الأشخاص للتهديد بالمسدس ولم يوفّر شتم الأهالي نساء البلدة أيضاً. وتم الاعتداء على البعض بالضرب مما أدّى إلى إدخال شخصين على الأقل إلى مركز الشمال الإستشفائي. وجاء رد رئيس بلدية زغرتا أنطونيو فرنجية بالإعتراف بحصول إشكال ولكنه اعتبر أنّ ما تمّ تناقله عن العدد الإجمالي للمصابين مبالغ فيه كما نفى وجود شبّان مسلحين، كما اعتبر قطع الأهالي الطريق بوجه النفايات مخالفاً للقانون.

وكان هذا اليوم نقطة تحوّل أُعيدت بعدها الأعمال بالمكبّين بشكل علني وكثيف حيث أعاد تيار "المردة" تحت غطاء آل فرنجية فرض المكبّين بالقوة لكي يستوعبا نفايات قضاء زغرتا، وذلك رغماً عن إرادة الأهالي ورغماً عن رفض الديرين اللذين يملكان الأرض. وقد أخبرنا عدد من الأهالي أنه تم إغلاق المكبّين ببوابة وعيّن "المردة" شخصين من بشنين، من "زلمة فرنجية" كما وصفهم أحد السكان، مسؤولين عن فتحها للشاحنات التي تحمّل النفايات.

ويوضح مصدر في دير سيدة البلمند أنّه بعد 8 تشرين الثاني تمّ الإستيلاء على عقارَين آخرَين غير العقار الذي وضعت اليد عليه سابقاً مما يجعلهما ثلاثة عقارات: إثنين تابعين عقارياً لبصرما والثالث تابع لداريا، البلدة التي تُشاركها بشنين البلدية.

 

ضغوط ومضايقات

يقول عدد من الأهالي إن تيار "المردة" دفع فواتير الإستشفاء للأشخاص الذين أدخلوا إلى المستشفى في إثر الإعتداء عليهم من قبل مناصري التيّار. ويوضح أحد السكّان: "يلّي فاتوا على المستشفى استدعوهم على بنشعي (مقر النائب السابق سليمان فرنجية) وبعد ما رجعوا بطلنا نسمع حسّهم، ضغطو عليهم أو هددوهم أو دفعولهم ما بعرف بس بطّل ينسمع حسهم". كما تعرّض أشخاص جاهروا بمعارضتهم للمكب وانتقادهم لآل فرنجية على الرغم من تأييدهم السابق لهم، للمضايقات والتهديدات والضغوطات للإعتذار في العلن. ويرجّح أهالي بشنين تعرّض شخصيات رسمية في المنطقة أيضاً للضغط من أجل عدم التعاون مع الأهالي في قضية المكبّين لاسيّما رئيس بلدية داريا – بشنين الذي يقول بعض الأهالي إنّه "لا يجرؤ على التعاطي بالموضوع". ويلفت أحد الأهالي إلى أنّ "رئيس البلدية بيضل عم بأجّل ليعطينا ورقة أنو ممنوع يكبوا الزبالة، في معمعة بهيدا الموضوع كلو سوا". ولا يقف الأمر عند حدود بشنين، إذ يؤكّد الأهالي أنّ قناتي "إل بي سي" و"إم تي في" صوّرتا تقارير عن المكبّين العشوائيين ولكنهما لم يبثّا حتى اليوم، ملمّحين إلى إمكانية أن تكون القناتان تعرّضتا أيضاً للضغط لعدم بث التقريرين.


أصحاب الأرض يستنكرون استعمال أرضهم

بعد أيام قليلة من حادثة 8 تشرين الثاني، توجّه وفد من الأهالي بينهم المختار إلى الرئاسة العامة للرهبانية اللبنانية المارونية في غزير لمطالبتها بالتدخّل ومنع رمي النفايات في أرض دير سيدة النجاة التابعة للرهبانية. وتبيّن أن الرئاسة قد أعطت الموافقة لأحد المقرّبين من سليمان فرنجية لإنشاء المكب "المؤقت" ولكن على أساس أنّ الموقع لا يشكل إزعاجاً للسكان وأنّ أهالي بشنين موافقون. ففوجئت الرئاسة العامة بالوفد المستنكر، ووعدت بالتراجع عن الإذن لصون مصلحة الأهالي. وأصدرت رئاسة دير البلمند بياناً بعد إعادة العمل بمكبّ النفايات بالقوّة، وضّحت فيه عدم علمها بهذه الأعمال المخالفة وعدم إعطائها أي إذن فيها لا من الدير ولا من أي جهة كنسية أخرى، وأكدت اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه. وقد تبيّن لاحقاً أن الدير رفع شكوى ثانية رفضاً لاستعمال العقارات كمكبّ أولاً، ولمخالفة قرار المدّعي العام الذي يلزم الوقف بالأعمال. وعمد بعض الناشطين إلى الإتصال بوزير البيئة في الحكومة المستقيلة فادي جريصاتي الذي تهرّب من المسؤولية بحجّة أنّ خطته لا تشمل أي مطمر في بشنين، وحاولوا الإتصال بوزير الدفاع في الحكومة المستقيلة الياس بو صعب للاستنكار على حصول الإعتداء أمام مرأى الجيش الذي لم يتدخل لحمايتهم، ولكن الوزير لم يجب على اتصالهم.
 

أهالي بشنين ينضمّون إلى انتفاضة 17 تشرين الأول

خلال مقابلة "المفكرة" مع الأهالي، طغا الاستنكار واليأس من الوضع على حديثهم في ظل تراكم النفايات في منطقتهم غصباً عنهم بموازاة تعتيم إعلامي على قضيتهم. وصف أحد السكان الذي يبعد منزله بعض مئات الأمتار عن أحد المكبين الوضع المزري الذي يضطر السكّان على التعايش معه: "عشيّة منختنق من الريحة، ما بينقعد برّا بالضيعة كلها ولا بأي شكل".

ولم يصدّق سكان بشنين تطمينات مناصري بلدية زغرتا بأنّ المكبّين مؤقتان حتى إنشاء معمل فرز وإيجاد مطمر مستدام. وسأل أحدهم: "هول بدن يعملو معمل فرز؟ كذابين، إجوا كوّموهم (النفايات) هون بالجرافات. هول بدّن يفرزوهن إسّى؟ مبأ يشيلوهم". واستنكروا المسّ بسلامتهم، وحقوقهم، وكرامتهم، واصفين المكبّين بأنهما ضربة من زعيمهم لهم، ولكنها لن تمر مرور الكرام بل العكس، لن يقبل الأهالي بأقل من اعتذار لما تعرّضوا له وإزالة جميع النفايات التي ملأت بلدتهم. لذلك لم يكن غريباً أن يشارك أهالي بشنين بقطع الطريق في بلدتهم تضامناً مع الانتفاضة. وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل تكون انتفاضة 17 تشرين مساحة جديدة لمن يريد الإنفصال عن نظام الزعامات في قضاء زغرتا وفي لبنان ككل؟


 

1 العقار الأول يقع لجهة بشنين من النهر بينما يقع العقاران الآخران على الضفة المقابلة في نطاق بصرما.