في شهر ديسمبر 2013، تقدم وزير العدل القاضي العرشاني بمشروع تعديلات لقانون السلطة القضائية للجنة القضاء والعدل في مجلس النواب، بحجة الاستجابة للحكم الصادر عن الدائرة الدستورية في المحكمة العليا برقم 25 لسنة 2013 والذي قضى بعدم دستورية بعض مواد قانون السلطة القضائية، على أساس أنها تسمح للسلطة التنفيذية التوغل في القضاء. ويعد هذا التعديل هو الثاني خلال سنة واحدة. فقد كان وزير العدل قد تقدم في بداية 2013 بمشروع قانون آخر فأقره مجلس النواب في 14/5/2013، وقد أصدره رئيس الجمهورية بشكل مفاجئ بعد حوالي ستة أشهر في 10/11/2013 تحت رقم (27) لسنة 2013، وذلك رغم تقدم نادي قضاة اليمن بدعوى جديدة ضده أمام المحكمة العليا الدستورية[1].

تضمن مشروع التعديلات الاخيرة 7 مواد هي (،67، 89، 93، 101، 104، 106، 109/و) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لعام 1991 وتعديلاته. وفي 24/12/2013 أشار نادي قضاة اليمن تعليقا على هذا المشروع أنه كرر ذات المخالفة للحكم الدستوري الآنف ذكره مطالبا أعضاء البرلمان بعدم التسرع في اصداره إلا بعد مقارنته بحيثيات ومنطوق الحكم الدستوري. وقد حدد نادي القضاة المواد التي يعدها مخالفة للحكم الدستوري بخمس مواد ونصوص وفقرات تتعلق بالمرتبات والبدلات الممنوحة للقضاة والاشراف الإداري والمالي على المحاكم وتكوين مجلس القضاء الأعلى وتعيين أعضائه والموازنة الخاصة بالسلطة القضائية[2]. ومن أهم اعتراضات النادي، اعتراضه ضد الصلاحيات المُتاحة للسلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية ووزير العدل على اعضاء السلطة القضائية بشكل مخالف للحكم الدستوري.

ومن اعتراضاته تفصيليا، اعتراضه ضد الاقتراح التعديلي للمادة (67) والذي نص على الآتي: "تحدد المرتبات والبدلات لأعضاء السلطة القضائية وفقا للجدول الملحق بهذا القانون. ويجوز بقرار جمهوري بناء على عرض مجلس القضاء الأعلى منح بدلات أخرى لأعضاء السلطة القضائية غير ما ورد بهذا القانون، كما يجوز بقرار جمهوري بناء على عرض مجلس القضاء الأعلى تعديل هذا الجدول وفقا لما تقتضيه الضرورة لتحسين معيشة الموظفين العموميين". وهذا النص ان اقر، فانه يؤدي الى اعطاء الحق في تعديل المرتبات لرئيس الجمهورية بدلا من رئيس الوزراء مما يشكل امعانا من الحكومة لانتهاك مبدأ الاستقلال المالي للقضاء ومخالفة للحكم الدستوري الذي قرر عدم دستورية هذه الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية سيان أكانت مسندة لرئيس السلطة التنفيذية ممثل برئيس الجمهورية او رئيس الحكومة ووزير العدل[3]. وبالفعل، كانت الدائرة الدستورية قد قررت فيما يخص هذه المادة في الحكم الصادر عنها الآتي: "وبالنظر لما تقرر بالمادة (149) من الدستور من أن القضاء - كسلطة ضمن سلطات الدولة - يتمتع بالاستقلال المالي والإداري والقضائي مقروءة مع المادة (152) منه التي أناطت بمجلس القضاء الأعلى تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة من حيث التعيين والترقية والفصل والعزل، وهذه الصلاحيات الإدارية وردت حصراً وقصراً مناطةً بمجلس القضاء الأعلى بما يقطع الطريق أمام إسنادها تشريعياً بقانون أو خلافه لجهة أخرى غير مجلس القضاء المذكور باعتباره مؤسسة دستورية ورد ذكرها في مادتين دستوريتين (151، 152) وأناط الدستور بهما ما رمى إليه لتحقيق الاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية ... فيضحي جلياً دون مِراء أن ما ورد من تفويض للحكومة ورئيسها في المادة (67) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991 بتقرير بدلات إضافية مشوب بعوار دستوري، يستحيل التوفيق بينه وبين النصوص الدستورية سالفة الذكر".

وإضافة إلى ما سبق، يُمكن أيضاً الإشارة الى المادة (89) التي يقول نصها في مشروع التعديل المقر من اللجنة البرلمانية: "مع عدم الإخلال بما للقضاء من استقلال فيما يصدر عنه من أحكام أو قرارات، يكون لوزير العدل حق الإشراف الإداري والمالي والتنظيمي على جميع الموظفين الإداريين العاملين في المحاكم، ولرئيس كل محكمة حق الإشراف على القضاة التابعين له وللنائب العام حق الإشراف على أعضاء النيابة العامة على ضوء القوانين والقرارات التي تنظم ذلك". وتبدو المادة المقترحة هنا تحايلاً رديئاً على الحكم الدستوري الذي قرر بالمطلق عدم جواز أي سيطرة مالية او ادارية لوزير العدل على المحاكم، وهو أمر يكون حاصلا أيضا في حال إعطاء الوزير “حق الإشراف الإداري والمالي والتنظيمي على جميع الموظفين الإداريين العاملين في المحاكم".إلا أنه، ورغم اعتراضات النادي، قامت اللجنة البرلمانية بتمرير التعديلات من دون ايلائها أي اعتبار.

إن مجمل الجدل الذي يفصح عنه هذا الاشتباك بين نادي القضاة من جهة ومجلس النواب وكل من وزير العدل والحكومة والرئيس بخصوص تعديلات قانون السلطة القضائية سواء في القانون الذي صدر في نوفمبر أو المقترح الجديد الذي تم تمريره قسراً بغرض اصداره قريباً بشكل متعارض في كلا الحالتين مع حكم الدائرة الدستورية، يجعل من الواضح وجود إصرار السلطات التنفيذية على الاحتفاظ بقدرتها على تعطيل استقلالية السلطة القضائية واحتفاظها بنصوص قانون تتيح لها بسط قدرتها على اعضاء هذه السلطة، وبالتالي السيطرة عليهم باي شكل عبر هذه الثقوب في النصوص.

إن الأمر في روحيته يعكس أن معركة استقلال القضاء ما زالت مفتوحة وطويلة في ظل مقاومة السلطات الحاكمة لها وسعيها الى استعادة نمط ممارساتها السابقة في القضاء قبل ثورة 2011 التي يبدو حتى الان أنه يتم التحايل على واحدة من اهم مطالبها التي عُبّر عنها في جمعة استقلال القضاء.


[1]نادي قضاة اليمن يدعو البرلمان إلى التقيد بـ"الدستورية العليا"، يمنات/الثورة نت، 24 – 12 – 2013، http://www.yemenat.net/news43364.html
[2]مناقشة مقترحات تعديلات مشروع قانون السلطة القضائية، صحيفة الثورة الرسمية، 30 – ديسبمر - 2013
[3]مشروع تعديل قانون السلطة القضائية المطروح على البرلمان مخالف للدستور، القاضي احمد الذبحاني، موقع يمنات الاخباري، 1- 1 – 2014،http://www.yemenat.net/news43595.html