بعد انتخاب رئيس ونائبين له، بدأ مجلس نواب الشعب المنتخب عمله التشريعي بمناقشة مشروع قانون المالية، تحت ضغط آجال دستورية تفرض عليه إتمام المصادقة عليه قبل 10 ديسمبر. وقد كون المجلس لجنة خاصة وقتية لمناقشته، مما أثار انتقادات وتساؤلات عديدة على المستوى القانوني. كما يمثل قانون المالية لسنة 2020 أيضا أول تطبيق للقانون الأساسي للميزانية، الذي تمت المصادقة عليه في بداية السنة، والذي فرض شروطا جديدة في مسار إعداد ومناقشة قوانين المالية، إلا أنه لم يقع احترامها بالشكل الكافي.

 

لجنة وقتية برئاسة نائب من قلب تونس

كون مجلس نواب الشعب، يوم الاثنين 18 نوفمبر، لجنة وقتية لدراسة مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2019 ومشروع قانون المالية لسنة 2020. وبما أن الكتل النيابية لم تتشكل رسميا بعد، اعتمد المجلس التمثيل النسبي للأحزاب والقوى السياسية التي لديها نواب في المجلس. على هذا الأساس، تولى عياض اللومي، عن حزب قلب تونس، رئاسة اللجنة في حين آل موقع نائب الرئيس إلى التيار الديمقراطي، ليكون مقرر اللجنة من نصيب حركة النهضة.

طرح تكوين هذه اللجنة تساؤلات وانتقادات عديدة. فالفصل 60 من الدستور يفرض أن تكون رئاسة لجنة المالية من نصيب المعارضة، في حين أن تشكيل هذه اللجنة تم قبل التصويت على الثقة للحكومة الجديدة، وبالتالي قبل معرفة أي من الكتل ستكون في الحكم وأي الكتل في المعارضة. وقد يكون هذا الشرط الدستوري هو الذي دفع النهضة إلى تفادي رئاسة اللجنة، رغم أن التمثيل النسبي للأحزاب يضعها في المرتبة الأولى. غير أن حزب قلب تونس، الذي تولى رئاستها، قد يكون أيضا في الأغلبية الحاكمة، حسيما يوحي به التوافق حول رئاسة البرلمان، بتصويت نوابه لصالح راشد الغنوشي وتصويت نواب النهضة لسميرة الشواشي التي تنتمي لقلب تونس، لتصبح نائبة أولى له.

وقد اعتبرت منظمة البوصلة في بيان لها[1] تشكيل هذه اللجنة المؤقتة خرقا للنظام الداخلي الذي «لم يتعرض لتكوين لجان تشريعية وقتية»، وإنما فقط لجانا قارة، وهي المختصة في مناقشة مشاريع القوانين، ولجانا خاصة ولجان تحقيق، بالإضافة إلى لجنة مراقبة عمليات التصويت وإحصاء الأصوات. كما انتقدت البوصلة تشكيل اللجنة بالاعتماد على «نتائج الانتخابات» وليس على تركيبة الكتل، خاصة وأنه كان بإمكان المجلس تشكيل الكتل النيابية ومكتبه مباشرة بعد انتخاب الرئيس ونائبيه.

خيار اللجنة المؤقتة فرضه ضيق الآجال الدستورية للمصادقة على قانون المالية، إذ أن مسار مناقشة مشروع قانون المالية في اللجنة ومن ثم المصادقة عليه في الجلسة العامة يجب أن ينتهي في أجل أقصاه يوم 10 ديسمبر، كما يجب أن تقع قبل ذلك المصادقة على قانون المالية التكميلي لسنة 2019، حسب القانون الأساسي للميزانية. وبالتالي، كان من المستحيل انتظار تشكيل الحكومة للبدء في هذا المسار. وقد استند المجلس في هذا الخيار إلى سابقة برلمانية بعد انتخابات 2014، حين تم تشكيل لجنة وقتية للنظر في مشروع قانون المالية لسنة 2015 نظرا لضيق الآجال الدستورية وتأجيل مسار تأليف الحكومة حينها إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية.

 

هل من حل لتقاطع الرزنامتيْن الدستوريتين؟

طرح هذا الإشكال كان مرده تقاطع مسارين دستوريين: مسار مناقشة قانون المالية الذي يودع في منتصف شهر أكتوبر ويصادق عليه قبل 10 ديسمبر، ومسار تركيز مجلس نواب الشعب بعد الانتخابات التشريعية التي تمت في شهر أكتوبر، تماما كما حصل في سنة 2014.

قد يكون الحل الأسلم في هذه الوضعية هو تولي لجنة المالية في المجلس المتخلي مناقشة مشروع قانون المالية وإعداد تقريرها حوله، في دورة استثنائية تمتد إلى غاية نهاية عهدته، على أن تتم المصادقة عليه في الجلسة العامة من طرف المجلس المنتخب حديثا. طبعا، لم يكن هذا الحل ليخلو من السلبيات، خاصة وأنه يضع النواب الجدد أمام امتحان المصادقة على مشروع قانون مالية دون أن يكونوا قد شاركوا في مناقشته داخل اللجنة. لكن مشروع قانون المالية وقع إيداعه في 15 أكتوبر، أي قبل نهاية العهدة البرلمانية الأولى. وقد أعدته حكومة ستغادر مهامها قريبا، بل أن الوزراء الذين يدافعون عنه أمام البرلمان هم في وضعية تصريف أعمال، بعد استقالة الحكومة. وكما فرضت مبادئ استمرارية الدولة والمرفق العام مثل هذه الوضعية، فإنها كانت أيضا مبررا كافيا لمواصلة لجنة المالية في المجلس المتخلي مهامها إلى غاية نهاية عهدته، ومناقشة مشروعي قانون المالية التكميلي لسنة 2019 وقانون المالية لسنة 2020. مبدئيا، لا شيء يمنع من أن يناقش مشروع قانون المالية في لجنة من البرلمان المتخلي، وأن تتم المصادقة عليه في الجلسة العامة من قبل البرلمان الجديد. فالجلسة العامة للبرلمان الجديد ستنظر في مشاريع قوانين نوقشت من قبل اللجان المتخلية وتقاريرها جاهزة منذ العهدة البرلمانية الفارطة، كمشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية، ومشروع القانون المنظم لحالة الطوارئ. لكن المجلس المغادر خيّر إنهاء مهامه فعليا منذ شهر أوت، مع مصادقته، في دورة استثنائية، على تنقيح آجال الطعون بالنسبة للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، بطلب من هيئة الانتخابات.

وكي لا يتكرر هذا الإشكال في بداية العهدة البرلمانية القادمة، ويكرّس الخرق عُرفا، قد يكون تقديم موعد الانتخابات لشهر سبتمبر جزءا من الحل، خاصة وأن الدستور والقانون الانتخابي يشترطان أن تتم الانتخابات في الشهرين اللذين يسبقان نهاية المدة البرلمانية، مما سيساهم في منح وقت أكبر للبرلمان الجديد لمناقشة قانون المالية. ولكن، تبقى امكانية تشكيل الحكومة في ظرف أسابيع قليلة غير مؤكدة، مما سيبقي إشكال رئاسة المعارضة للجنة المالية قائما.

إذن، لا مناص من التنصيص صلب النظام الداخلي على امكانية وضع لجان وقتية لدراسة مشاريع قوانين، مثلما هو الشأن في برلمانات أخرى، وبالتحديد قانون المالية عند بداية العهدة البرلمانية، على أن يعرض تنقيح النظام الداخلي على المحكمة الدستورية (في انتظار إرسائها) للتثبت من مدى مطابقته للدستور.

 

تطبيق متعثر للقانون الأساسي للميزانية

لم يتزامن مشروع قانون المالية لسنة 2020 فقط مع تجديد البرلمان، وإنما شكل أيضا أول تطبيق للقانون الأساسي للميزانية المصادق عليه في بداية سنة 2019، بعد ثلاث سنوات من إيداعه لدى مجلس نواب الشعب. ويعتبر القانون الأساسي للميزانية بمثابة "الدستور المالي للبلاد"، حيث ينظم كافة مراحل قوانين المالية، من إعداد مشاريعها ومناقشتها والمصادقة عليها، مرورا بتنفيذها ومراقبتها وتقييمها، ووصولا إلى قوانين غلق الميزانية. وبالإضافة إلى تكريسه الاستقلالية المالية للمؤسسات الدستورية، تضمن القانون الأساسي للميزانية تغييرات عديدة في طريقة إعداد قانون المالية، ووضع واجبات جديدة على عاتق وزارة المالية. إذ لن يقتصر عملها على تحديد مختلف الميزانيات لسنة واحدة فقط، وإنما وفق "إطار متوسط المدى"، سيمتد على ثلاث سنوات ليقع تحيينها في كل سنة مع قانون المالية الجديد. كما أن النفقات تبوب وتقدر وفق "مهمات" التي ستتفرع بدورها إلى "برامج" تُحدد نفقاتها حسب "الأنشطة" التي تحتويها. هذا التقسيم الجديد مرتبط بأهداف ومؤشرات تقييم للأداء ستسمح، نظريا على الأقل، بتقييم مدى تحقيق الأهداف ونجاعة الاعتمادات المرصودة، وبالتالي، بتعزيز الرقابة البرلمانية (ولم لا المواطنية) على الميزانية.

ولئن قدمت وزارة المالية ميزانيات الوزارات والمؤسسات كمهمات، وفقا للتقسيم الجديد، إلا أنها لم تنشرها للعموم. بل يبدو أن وزارة المالية لم تودعها أصلا مع مشروع قانون المالية لدى المجلس، فأعضاء اللجنة الوقتية للمالية لم يتحصلوا عليها سوى في 23 نوفمبر، في حين أن الفصل 46 من القانون الأساسي للميزانية يوجب إرفاقها بمشروع قانون المالية.

نفس الفصل يفرض على الحكومة أن ترفق مع مشروع قانون المالية مجموعة من الوثائق، من بينها التقرير العام حول الميزانية، وتقارير تفصيلية حول الدين العمومي، وحول التوزيع الجهوي للاستثمار والمنشآت العمومية، وغيرها. لكن، باستثناء التقرير العام حول الميزانية، لم تقدم الحكومة أيا من تلك التقارير التفصيلية، رغم أهميتها. فهي لا تسمح فقط بفهم أدق لرهانات قانون المالية، وبمناقشة أجدى لأحكامه ومتابعة أفضل لتنفيذه، بل تمثل مراجع مهمة لتقييم عمل الحكومات والوضعية الاقتصادية والمالية للدولة. وهي شرط لصدقية الموازنة وشفافيتها.

عدم تقديم الحكومة لهذه التقارير يشكل تنكرا لواجب قانوني واضح تضمنه القانون الأساسي للميزانية. ولا يمكن طبعا التذرع بضيق الوقت لإعداد هذه التقارير، إذ أن القانون الأساسي للميزانية صدر منذ بداية السنة، بل تمت صياغة مشروعه من قبل وزارة المالية منذ 2015، والذي نصّ، منذ نسخته الأولى بوجوب تقديم هذه التقارير، ولم ينص في صيغته النهائية على تأجيل دخول هذه الأحكام حيز النفاذ مثلما هو الشأن بالنسبة لمرفقاتٍ أخرى بمشروع قانون المالية.


ضعف دور البرلمان في مناقشة قانون المالية

أمام ضيق الوقت المتبقي أمام البرلمان لإتمام المصادقة على مشروع قانون المالية، لم يتوقف النواب عند تنصل وزارة المالية من واجباتها. ولا يبدو أنهم ملمون بمقتضيات القانون الأساسي للميزانية بالشكل الكافي، وخاصة منهم الجدد. فقبل أن تشرع اللجنة الوقتية في مناقشة مشروع قانون المالية، نظم المجلس، في إطار ملتقى حول وظائف العمل البرلماني، يوما دراسيا لفائدة النواب حول "مسار الميزانية العامة للدولة" ومقتضيات القانون الأساسي للميزانية الجديد. لكن ما يلفت الانتباه هو أن كل المتدخلين (أي المكونين) كانوا موظفين في وزارة المالية، باستثناء قاضية في محكمة المحاسبات تمحورت مداخلتها حول تكريس المساواة بين الجنسين في الميزانية.

ليست هذه الواقعة معزولة، إذ عادة ما تهيمن وزارة المالية على مسار مناقشة قوانين المالية، خاصة أنها تحتكر المعلومة والقدرة التقنية، فهي تقريبا الوحيدة القادرة على تقدير المفعول المالي للإجراءات الجبائية. ورغم أن النواب، في أحيان كثيرة، يناقشون الأحكام المقترحة من قبل وزارة المالية وينقحون بعضها، كما يشككون في الأرقام المقدمة من قبلها والفرضيات التي تعتمد عليها، إلا أن هامش تدخلهم في قانون المالية يبقى على أرض الواقع محدودا. فبالإضافة إلى أن النواب لا يمكنهم، حسب الفصل 63 من الدستور، تقديم مقترحات تعديل تخل بالتوازنات المالية للدولة، فان جل تدخلاتهم تتعلق عادة بتخفيف الإجراءات المقترحة من الحكومة بناء على طلب أو ضغط من المعنيين بها. لتبقى مقترحاتهم الجديدة، في معظم الأحيان، رهينة تجاوب وزارة المالية معها.

هذه المرة، وبالإضافة إلى ضيق الوقت، لم يتضمن مشروع قانون المالية سوى عدد قليل من الأحكام الجبائية محدودة الأثر. وقد شرعت اللجنة الوقتية في المصادقة عليها من دون إشكالات كبيرة. فاحترازات النواب تعلقت خاصة بقانون المالية التكميلي وبعض الأرقام التي تضمنها، والتي أصر ممثلو وزارة المالية على صدقيتها. وقد شهدت جلسات "اللجنة الوقتية" حضورا شبه دائم لإطارات وزارة المالية، بطلب من النواب أنفسهم.

رغم أن مرور قوانين المالية عبر البرلمان يمثل تاريخيا أحد المبادئ التي قامت عليها الديمقراطية التمثيلية، حيث يحتكر البرلمان سلطة إقرار الجباية وتوزيع المال العمومي، غير أن تعقيدات المسألة الجبائية قلص شيئا فشيئا من دور ممثلي الشعب لصالح تقنيي وزارة المالية. هذا الإشكال يبلغ درجة مثيرة للقلق في تونس، نظرا لضعف الامكانيات المالية والبشرية الموضوعة على ذمة البرلمان. فمجلس نواب الشعب، رغم مكانته الدستورية المحورية، يفتقر بشكل كبير لأدوات العمل وللعدد الكافي من المستشارين والمساعدين. ولعل تكريس الاستقلالية المالية والإدارية للمجلس صلب القانون الأساسي للميزانية، بعد خمس سنوات من المصادقة على الدستور، تعتبر خطوة مهمة (ولو أنها متأخرة) لكي يضمن البرلمان لنفسه الامكانيات اللازمة للقيام بدوره.

 


[1] بيان منظمة البوصلة : إنطلاق مناقشة مشروع قانون المالية 2020: إشكاليات إجرائية وغياب الشفافية
https://www.albawsala.com/ar/pub/5dd55fef4f24d01191d4652f