صرّح كلّ النواب المنتخبين بمكاسبهم ومصالحهم لدى هيئة مكافحة الفساد قبل افتتاح العهدة النيابية الثانية لمجلس نواب الشعب. تأتي هذه الخطوة استجابة لقانون التصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع (المعروف بقانون «من أين لك هذا؟»)، الذي دخل حيز النفاذ منذ أكثر من سنة وجعل من التصريح بالمكاسب والمصالح شرط مباشرة بالنسبة للنواب وبعض المناصب العليا في الدولة. وتاليا هي لا تعني بالضرورة التزاما استثنائيا من كل نواب الشعب الجدد بمقتضيات الشفافية، طالما أن أحكاما أخرى من هذا القانون، ومن بينها نشر التصاريح للعموم، لم تعرف بعد طريقها للتطبيق.

 

التصريح بالمكاسب والمصالح: شرط تطبيق قانون «من أين لك هذا»

يعتبر قانون "من أين لك هذا؟" من أبرز القوانين التي صادق عليها مجلس نواب الشعب خلال العهدة المنقضية، ضمن ترسانة تشريعية لمكافحة الفساد شملت قانون النفاذ للمعلومة وقانون الإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين بالإضافة إلى قوانين تهمّ الإطار المؤسساتي المتدخل في مكافحة الفساد، والتي تتعلق بكل من القطب القضائي المالي والاقتصادي، محكمة المحاسبات وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد[1].

ويهدف هذا القانون إلى دعم الشفافية في الحياة العامة والوقاية من تضارب المصالح ومحاسبة الإثراء الذي يحصل للمسؤولين العموميين، المنتخبين منهم والمعينين، أثناء توليهم مهامهم ويعجزون عن إثبات شرعية مصدره. من هنا تظهر أهمية التصاريح بالمكاسب والمصالح، إذ هي أولا، في حد ذاتها، تكريس للشفافية، ولكنها أيضا أداة ضرورية لمكافحة تضارب المصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع. فشبهة الإثراء غير المشروع تظهر عند تحقيق هيئة مكافحة الفساد في التصاريح بالمكاسب، وخاصة عند المقارنة بين التصاريح المتعاقبة لنفس الشخص وملاحظة زيادة غير مبررة في مكاسبه. أما التصريح بالمصالح، فيشمل حسب الأمر المتعلق بضبط أنموذج التصريح، الأنشطة المهنية والعضوية في هياكل المداولة والتسيير لدى الشركات الخاصة أو الجمعيات أو الأحزاب أو المنظمات الدولية بالنسبة للخاضع للتصريح ولقرينه إضافة إلى الهدايا المتحصل عليها، طيلة السنوات الثلاث السابقة للتصريح. وبذلك، فهو يمثل بدوره وسيلة للوقاية من حالات تضارب المصالح والتفطن لها حتى إذا لم يثرها المعني بالأمر من تلقاء نفسه.

لكن، تبقى نجاعة التصاريح بالمكاسب والمصالح مرتبطة بمدى صحة وصدقية محتواها. لذلك فرض قانون «من أين لك هذا؟» عقوبات مالية تساوي عشرة أضعاف المكاسب التي تم إخفاؤها على كل من يتعمد تقديم تصريح مغلوط، مع اعتبار ذلك قرينة على توفّر شبهة إثراء غير مشروع. نفس القانون وضع على عاتق هيئة مكافحة الفساد مهمة التحقق والتقصي في تصاريح كل الأشخاص المنتمين إلى 12 فئة من الخاضعين لواجب التصريح، والتي تشمل، بالإضافة إلى الرئاسات الثلاث ورؤساء دواوينها ومستشاريها، النواب والوزراء وأهم المسؤولين في السلطة التنفيذية، وكل القضاة، وكذلك أعضاء الجماعات المحلية والهيئات الدستورية. أما بالنسبة لباقي الفئات، وعددها 25، فيقع التقصي في عدد محدود من التصاريح حسب عينات تضبطها الهيئة.
 

التوسيع في مجال المشمولين بالتصريح: تضييق على الهيئة؟

لقد أناط قانون «من أين لك هذا؟» مهمة قبول التصريحات إلى هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وفي انتظار إرساء هذه الهيئة الدستورية، إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. إلا أن الأخيرة وجدت صعوبات كبيرة في تطبيق القانون، نظرا لحجم قاعدة المشمولين بواجب التصريح والتي تتجاوز 350 ألف شخص. هذا العدد المهول كان نتيجة خيار تشريعي لمجلس نواب الشعب عند مناقشته مشروع القانون. حيث أضاف لقائمة المشمولين بواجب التصريح أصنافا جديدة لا تنتمي للقطاع العام، وبالأخصّ مسيري الأحزاب والجمعيات وأعضاء مكاتب النقابات المركزية والجهوية والقطاعية وأصحاب المؤسسات الإعلامية والصحفيين. وقد أصر النواب على هذا الخيار رغم التحذيرات التي صدرت عن عدد من الجمعيات والخبراء، وخاصة عن هيئة مكافحة الفساد نفسها، التي شدّدت آنذاك على أن توسيع قاعدة الخاضعين لواجب التصريح بهذا الشكل سيؤدي إلى إغراق الهيئة بعدد كبير من التصاريح وسيضعف بالتالي من نجاعة المتابعة والمراقبة[2]. لكن هذه التحذيرات لم تلق آذانا صاغية في البرلمان[3].
وبالفعل، أدى هذا التوجه إلى عدم تجاوز عدد المصرحين سقف 240 ألفا، رغم مرور أكثر من سنة على دخول القانون حيز النفاذ، حسب الأرقام التي أعلنتها الهيئة. وقد باشرت الهيئة اجراءات تتبع المتخلفين عن واجب التصريح، حيث أرسلت أكثر من 6367 تنبيها وأصدرت 21 قرار اقتطاع من مرتبات موظفين ووجهت 183 شكاية إلى النيابة العمومية[4].

 

كل النواب الجدد صرحوا… في انتظار تصاريح النواب المغادرين

يترتب عن التخلف عن واجب التصريح في أجل 60 يوما من تاريخ الانتخاب أو التعيين أو تسلّم المهام عقوبات مالية، بالنسبة لمعظم الأصناف المشمولة بالتصريح. إلا أن القانون استثنى تسعة أصناف، من بينهم أعضاء مجلس نواب الشعب، جعل فيها التصريح شرطا لمباشرة المهام. لهذا، كان موعد الجلسة الافتتاحية لأشغال المجلس آخر أجل للتصريح بالمكاسب والمصالح بالنسبة لنواب الشعب. وقد التزم جميع النواب به من دون استثناء، مما سمح بمشاركتهم في الجلسة وأدائهم اليمين. أما بالنسبة للنواب السابقين الذين أعيد انتخابهم، فقد قررت الهيئة اعتماد تصريح المغادرة كتصريح جديد.

النواب المغادرون الذين لم تتم إعادة انتخابهم، كانوا معنيين أيضا بتقديم تصريح المغادرة، لكن في أجل 60 يوما. ورغم أن الآجال لم تنقض بعد، إلا أن الاحصائيات التي نشرتها هيئة مكافحة الفساد تبرز إقبالا ضعيفا من النواب المغادرين على تقديم التصاريح، حيث لم يتجاوز عددهم إلى حدود يوم 25 نوفمبر 34 نائبا ونائبة[5].

 

نشر التصاريح للعموم: مكسب تشريعي لا يزال حبرا على ورق

اقتضى قانون «من أين لك هذا» نشر تصاريح فئات معيّنة على الموقع الالكتروني للهيئة. ويتعلق الأمر بكل من رئيس الجمهورية ومدير ديوانه ومستشاريه، ورئيس الحكومة وأعضائها ورؤساء دواوينهم ومستشاريهم، ورئيس مجلس نواب الشعب وأعضائه ورئيس ديوانه ومستشاريه، ورؤساء الجماعات المحلية وأعضاء مجالسها بالإضافة إلى رؤساء وأعضاء كل من الهيئات الدستورية المستقلة والمجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية. ولم يتضمّن مشروع القانون الوارد من الحكومة، في صيغته الأصلية، امكانية النشر. كما أن لجنة التشريع العام داخل المجلس لم تناقش أصلا المسألة عند نظرها في مشروع القانون، رغم مطالبة عدد من الجمعيات بذلك. إلا أن ضغط المجتمع المدني نجح في نهاية الأمر في دفع النواب إلى المصادقة على تعديل يقضي بنشر التصاريح بالمكاسب والمصالح بالنسبة للفئات المذكورة، مع مراعاة التشريع المتعلق بالمعطيات الشخصية.

ويكتسي النشر أهمية بالغة، إذ هو أولا تطبيق للحق الدستوري في النفاذ إلى المعلومة، وتعزيز للشفافية في الحياة العامة. كما أن نشر التصاريح بالنسبة لأهم المسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية، يسمح باسترجاع ثقة المواطنين والمواطنات في مؤسسات الدولة التي اهتزت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ونشر التصاريح هو، أخيرا، أنجع وسيلة للتحقيق في صحة مضمون التصاريح، حيث يسمح بإشراك الأفراد والمجتمع المدني والصحفيين في هذه المهمة، إذ بإمكانهم لفت نظر الهيئة إذا ما تبينت لهم شبهة تصريح خاطئ، لتباشر الهيئة التحقيق فيه.

لكن، بعد أكثر من سنة وربع من تاريخ صدور القانون، لم تنشر الهيئة أي تصريح بالمكاسب والمصالح. يكمن السبب في عدم صدور الأمر الحكومي التطبيقي، الذي يضبط أنموذج التصريح المنشور، أي عمليا، المعطيات الشخصية التي يتم حجبها عند نشر التصاريح. وقد طالبت الهيئة الحكومة مرارا وتكرارا بإصدار هذا الأمر، خاصة وأنها قد أرسلت إليها مقترح الأمر.


إشكالية الأوامر التطبيقية، دائما وأبدا

إذن لا يزال نشر التصاريح بالمكاسب والمصالح معلقا، في انتظار صدور الأمر الحكومي. ليس هذا المثال الوحيد لقوانين مهمة يتعطل تطبيقها بسبب بطء (وأحيانا عدم) نشر أوامرها التطبيقية من قبل الحكومة. فقانون حماية المبلغين مثلا، الذي نشر منذ مارس 2017، لم تصدر بعد أوامره التطبيقية، بعد مرور أكثر من سنتين ونصف. ورغم أن الحكومة (ورئيسها) تشدد دائما على أولوية محاربة الفساد، وتقدم هذه القوانين على أنها إنجازات تشريعية مهمة كفيلة بمكافحة جدية لهذه الآفة، إلا أنها تتقاعس عن إصدار الأوامر التطبيقية لها.

وقد حذرت الهيئة، بالتزامن مع مناقشة مشروع قانون «من أين لك هذا؟»، من الإحالة على الأوامر الحكومية. لذلك، تم التنصيص في الأحكام الانتقالية والختامية على أجل ب 60 يوما للحكومة لإصدار الأوامر التطبيقية. لكن هذه الأخيرة لم تحترم الأجل القانوني، بل تجاوزته بأكثر من سنة، في حين أن الأمر لا يتطلب سوى أخذ رأي هيئة المعطيات الشخصية، بما أن المشروع كان جاهزا منذ أن صاغته هيئة مكافحة الفساد. نفس الشيء حصل في مجلة الجماعات المحلية، حيث أن ثلاثة أرباع الأوامر المنصوص عليها بالمجلة لم تصدر بعد[6]، رغم أنها حددت أجلا بتسعة أشهر للحكومة لإتمامها. غياب الأوامر التطبيقية أوجد إشكالا كبيرا على مستوى أداء البلديات لمهامها، إذ تحول إلى عائق حقيقي أمام عمل الجماعات المحلية حسب تصريحات عدد من رؤسائها[7].

كل هذه الأمثلة تظهر عدم نجاعة التنصيص في القانون على أجل لإصدار الأوامر الحكومية، في غياب جزاء قانوني أو سياسي لتجاوز الأجل. يتعزز هذا بضعف الدور الرقابي الذي يمارسه النواب، وضعف، كي لا نقول انعدام، متابعة البرلمان لتطبيق القوانين التي يشرّعها. فهل سيتغير الوضع مع المجلس الجديد؟

 


[1] محمد أنور الزياني، مكافحة الفساد في تشريعات تونس ما بعد 2011 - تشريعات باهرة لحصاد باهت،
https://www.legal-agenda.com/article.php?id=5965

[3] محمد أنور الزياني، مكافحة الفساد في تشريعات تونس ما بعد 2011 - تشريعات باهرة لحصاد باهت،
https://www.legal-agenda.com/article.php?id=5965

[6] حسب احصائيات منظمة البوصلة المتوفرة عبر هذا الرابط : https://baladia.marsad.tn/ccl/decrets