صنع شباب من حي "خندق الغميق" حائطاً بأجسادهم لمنع أمهات يشاركن في تحرّك يوم السبت 30 تشرين الثاني تحت عنوان "الجار قبل الدار"، من استئناف طريقهن إلى داخل الحي. قالوا إنّهم خائفون أن يحدث مكروه لهن، وبأن الوضع ربما لا يكون آمنا. كانوا جميعاً يلبسون الأسود ورفضوا أخذ الزهور البيضاء من الأمّهات، كما بدت أجسادهم المتشنجة رافضة لأي نقاش. هذا مع أنّ النسوة أطلقن فائضاً من الحب الأمومي تجاههم، وتكلّمن معهم "مثل أولادهن"، لكن لم ينفع شيء. قالوا إنّ الأوامر أتت هكذا من الأعلى، ولا يمكنهم مخالفتها.

بعد ساعة تقريباً من الوقوف أمام مدخل الحي من ناحية الرينغ، أتت الإشارة بالسماح للنسوة بالدخول. التبرير الآن هو "أننا رتبنا كل شيء في الداخل وقمنا بالتجهيزات اللازمة لتأمين حمايتكن". كانوا كأنهم يتحدثون عن بيت "معجوق" يجب تنظيفه وترتيبه قبل استقبال ضيوف.

أرادت سلطة الأمر الواقع، من خلال تصعيب دخول النسوة، تأكيد سلطتها على المكان، والقول إن تنظيم تحرّك يمرّ في "منطقتها" لا يحصل بدون توسّل ووساطات، حتى لو كان تحرّكاً سلميّاً. أرادت هذه السلطة القول أيضاً إنّ الكلام عن إلغاء الحدود بين المناطق وتعزيز الوحدة الوطنية "لا يساوي شيئاً عندها" لأنه ببساطة يهدد رأسمالها الإجتماعي الذي لن تفرّط فيه أمام من يريد اختراقها بـ"سلاح الحب".

عندما دخلت المسيرة إلى الحي، قوبلت بترحيب من النوافذ والشرفات، وابتسمت مباني المنطقة في وجهها. بدا التعاطف كبيراً، ليس فقط مع "الجيران المسيحيين"، بل أيضاً مع بيئة الثورة بشكل عام، التي يأتي التحرك تحت عباءتها. الأرجح أنّهم كانوا يريدون منعها من الدخول سابقاً بسبب معرفتهم بهذا التعاطف، لأنهم لا يريدون سوى لصورة واحدة أن تَصدُر عن المنطقة وهي التي رأينا نماذج منها في غزوات الرينغ ووسط بيروت، وليس التي انتشرت وتظهر رش الأرز من الشرفات.

مع تقدّم المسيرة في المنطقة الغنية تراثياً والتي يعود جزء من نسيجها الحضري إلى الإنتداب الفرنسي، وعلى وقع الهتافات الوطنية الجامعة والنابذة للطائفية، ظهرت بعض نسوة محجّبات متّشحات بالسّواد، فسارعت كاميرات الإعلاميين لتصويرهن مع المتظاهرات غير المحجبات (بسبب انخفاض نسبة المحجبات بالمقارنة بغير المحجبات في التحرّك). بعد وقت، تبيّن أنهنّ يساعدن في التنظيم، ويحاولن التحكّم قدر الإمكان بسلوك الأمهات، وبطريقة تعاطي الشباب معهن. فعندما حاولت إحدى المتظاهرات التكلّم مع شاب من الحي، تدخلت واحدة منهن وحاولت منعها بطريقة بدت فيها كأنها "تمنع مشكل"، مع أنّ الموقف كان عاديّاً ولا يستدعي تدخلاً من أحد، ما أثار حنق المتظاهرة التي كادت أن تنفجر غضباً بوجهها.

يظهر هذا الموقف أنّ أوامر أتت بمنع احتكاك الناس مع المتظاهرين، ما يفسر ربما ضعف مشاركة أبناء الحي على الأرض، واكتفائهم برش الأرز من الأعلى. ويظهر ذلك مستوى الهوس بالهيمنة على السكان من قبل سلطة الأمر الواقع وكمّ الريبة التي تشعر بها هذه السلطة من أي اختراق لبيئتها. يقول أحد المتظاهرين خلال مرورنا بالحي، أن السكان الفرحين بمرورنا وهم يرشّون الأرز من الشرفات، يشبهون السجناء، وهو توصيف معبّر، بخاصة لأنّ الأمر يتعلّق هنا بالمجال العام في منطقة يهيمن عليها حزبان يبدو أنّهما "عيّنا" مجموعات شبابية تقوم بدور "الانضباط" في الحيّ وتمنع دخول من تريد وتقوم بغزوات خارجية عندما يطلب منها ذلك. وبالتالي لم يكن التحرّك زيارة من أمّهات التباريز ـ الأشرفية لخندق الغميق، بل زيارة من لبنانيين يمتلكون حريتهم إلى لبنانيين سجناء بقوّة أحزابهم.

يقول نصّ الدعوة إلى التحرّك: "أمهات الخندق ـ التباريز يدعين لتجمّع محبة رفضاً لمحاولات التقسيم والتخويف بين أبناء الشعب الواحد". ولكن أغلب من تحدثنا إليهم لم يكونوا من الخندق أو الأشرفية، بل من مناطق وطوائف متنوعة، ما يؤكد أن التظاهرة امتداد للثورة ولا يمكن اختصارها بحديث عن طائفتين أو منطقتين. كما أنّ نسبة المحجبات بين المتظاهرات كانت قليلة جداً، بعكس ما ظهر في تقارير إعلامية رسمت صورة غير واقعية عن التحرّك (بسبب تركيز الإعلاميين حصراً على التجمعات التي تضم متظاهرات محجبات).

انتهت المظاهرة في الرينغ ولم تكمل طريقها إلى التباريز. والسبب بحسب بامو صيداني التي نظمت التحرّك (بمبادرة فردية)، هو تعب المتظاهرات الكبيرات السنّ وعدم قدرتهن على إكمال الطريق. ووفقاً لصيداني، يفترض أن تحصل تحركات أخرى شبيهة في الأيام المقبلة، تستكمل المشهدية التي حدثت السبت في خندق الغميق، ولكن هذه المرة في زقاق البلاط والجميزة المعروفتان بعداء تاريخي يعود للقرن التاسع عشر، بالإضافة إلى قصقص والغبيري، ومناطق أخرى.