لا يتعب المتظاهرون في النبطية، ولا يسمحون لليأس أن يتسلل إلى نفوسهم، رغم التحدّيات السياسية والاجتماعية التي تواجههم، والقيود التي تحاصرهم، وتراهم كلما ضعف نبض انتفاضتهم، وخضع الناس لأساليب القمع والترهيب التي تتقن قوى الأمر الواقع ممارستها، يبتكرون خططاً وحيلاً جديدة، لإعادة إحياء الانتفاضة والانطلاق بزخم أكبر.

من يراقب خط سير الانتفاضة في النبطية، لا بد أن يلاحظ أنه في الأسبوعين الماضيين، شهدت التفافاً شعبياً كانت قد فقدته من قبل، فعادت الساحة قرب السراي الحكومي، كما كانت في أول أيام الانتفاضة، مزدحمة وصاخبة، مسجّلة إقبالاً كثيفاً، ومشاركة من كل الفئات الشعبية التي انكفأ قسم منها تحت الضغوط والتهديدات، وأخرى قررت النزول لأول مرة، بعدما وجدت أنّ الانتفاضة تعبّر عن مطالبها المعيشية المحقّة.

وعليه، مرت الانتفاضة في النبطية بعدد من المحطات الهامة في خلال هذين الأسبوعين، أولها، الوقفتان اللتان دعت إليهما "هيئة الأسرى المحررين"، أمام قصر العدل في مدينة النبطية، لمواجهة العميل عامر الفاخوري الذي كان من المفترض أن يحضر جلستي استجواب أمام قاضي التحقيق الأول في النبطية محمد بري وتغيّب لأسباب مرضية. فقام المتحجّون الذين آزروا الأسرى المحررين، بافتراش مدخل مبنى قصر العدل، مطالبين بتنفيذ حكم الإعدام بالفاخوري "جزّار الخيام" كما سمّوه في هتافاتهم.

المحطة الثانية، كانت خاصة بالنساء تحت عنوان "الانتفاضة أنثى"، حيث تحرّكت "جحافل" النساء من دوّار كفررمان نحو ساحة السراي الحكومي في النبطية، ليلتقين هناك بالمزيد من الثائرات، حيث تبادلن العناق والورود الحمراء. وتحرّكت المسيرة نحو عمق المدينة وجابت شوراعها، على وقع الأغاني الوطنية والهتافات، حيث حملت المشاركات لافتات كتبن عليها مطالبهنّ المحقّة كأمهات ومواطنات، بدءاً بحق الحضانة وصولاً إلى حق منح الجنسية اللبنانية لأبنائهنّ وبناتهنّ، ووجّهت النساء تحية خاصة إلى المناضلة الراحلة نادين جوني وإلى الأسيرات في السجون الإسرائيلية.

المحطة الثالثة، كانت يوم 23 تشرين الثاني في ذكرى الاستقلال، حيث تحوّلت شوارع النبطية إلى مهرجان وطني، هدرت فيه حناجر المتظاهرين بالأغاني الوطنية، والهتافات التي تمجّد الذكرى وتحيي الجيش الوطني. وكان المنتفضون في النبطية وكفررمان قد عمموا مسبقاً، عبر واتساب، دعوة إلى المشاركة في مسيرة "العرض المدني". وصبيحة عيد الاستقلال، انطلقت المسيرة من دوّار كفررمان نحو ساحة السراي في النبطية، تزامناً مع انطلاقها في ساحة الشهداء في بيروت. وتوزّع فيها المشاركون على ستة أفواج: الأمهات، الطلاب والطالبات، المعلمون والمعلمات، المهندسون والمهندسات، الأطباء والطبيبات، الإعلام والفن، مع مشاركة لافتة للفنان مارسيل خليفة. وجابت المسيرة شوارع النبطية، وصولاً إلى ساحة الانتفاضة قرب السراي الحكومي، حيث انعقدت حلقات الدبكة، وتم توزيع الورود البيضاء على عناصر الجيش الذين يؤمّنون الحماية للمحتجين منذ أول أيام الانتفاضة. كما علق المتظاهرون صوراً فوتوغرافية توثّق يومياتهم الثورية، على السور الحجري المحاذي للساحة. وأقاموا معرض رسم مفتوحاً، للتعبير عن احتفائهم بالاستقلال، من دون أن يغفلوا عن تخصيص تحية لشهيدي الانتفاضة: حسين العطار وعلاء أبو فخر.

المحطة الرابعة، انطلقت بدافع من أزمة المحروقات التي برزت مع بداية الشهر الحالي، فنظم المنتفضون في النبطية وكفررمان تظاهرة حاشدة، انطلقت كالعادة من الدوّار حتى السراي، وحملت عنوان "لا لاحتكار شركات النفط"، وقّع خلالها المتظاهرون على عريضة أعلنوا فيها رفضهم لسياسة "الغذاء مقابل النفط".

المحطة الخامسة، كانت الأربعاء في 4 كانون الأول، حيث سارت مسيرة عفوية، لم يتم التحضير لها مسبقاً، جابت شارع المدينة تحت المطر، جددوا فيها شعاراتهم الثورية الأولى، فهتفوا: "الشعب يريد إسقاط النظام" و"ثورة ثورة" و"كلن يعني كلن". وقد أراد المتظاهرون من هذه المسيرة توجيه رسالة إلى الطبقة السياسية عن نفاذ صبرهم من منطق التسويف والإهمال الذي تعتمده إزاء مطالب الانتفاضة، وتعبيراً عن تضامنهم مع عائلتي المواطنَين اللذين قضيا انتحاراً: ناجي الفليطي وداني أبي حيدر، ورفضاً لسياسات التجويع والتفقير والتيئيس، تمهيداً للالتفاف على الانتفاضة.

وصباح الخميس، كانت النبطية على موعد مع محطتها الثورية السادسة، حيث تجمّع المتظاهرون أمام مبنى النافعة على أوتوستراد كفرجوز، تزامناً مع انطلاق فعاليات إغلاق الدوائر الرسمية، في عدد من المناطق، حيث دخلت مجموعة من المتظاهرين إلى مبنى النافعة وطلبوا من الموظفين بهدوء، أن يعلنوا الإضراب ويمتنعوا عن استلام المعاملات. وبحسب ما تداوله المشاركون، كان هناك تجاوب معهم، ولم يحصل بينهم وبين الموظفين أي إشكال، وتمكنوا من إقفال البوابة الرئيسية للمبنى ورفعوا أمامها علماً لبنانياً بطول ستة أمتار، ووقفوا أمامها مرددين الهتافات ضد "ناهبي المال العام". وبعد مرور دقائق على الوقفة السلمية، تعرض المتحجون لهجوم من أصحاب مكاتب السوق المنتشرة في محيط النافعة حاولوا الاعتداء عليهم، وعلى الفور تدخّل عناصر من قوى الأمن حيث تمكّنوا من الفصل بين الطرفين.

بين هذه المحطات على اختلاف مناسباتها ومواضعيها، حضنت "ليالي" خيمة الانتفاضة في النبطية، ندوات تثقيفية ولقاءات وحفلات موسيقية ومعارض رسم. فاستضافت الزميلة سعدى علوه في ندوة ونقاش حول تلوث نهر الليطاني، والزميل محمد زبيب في ندوة اقتصادية، ورئيس نقابة مكاتب السوق في لبنان حسين غندور حول فساد قطاع النقل والمرور وإدارة السير، والمفكر كريم مروة الذي شارك أيضاً في حلقات الدبكة مع مجموعة من الشباب، والشاعر شوقي بزيع الذي حيّا روح المقاومة والانتفاضة لدى أهل المنطقة، والرسام والنحات شربل فارس، والفنان مارسيل خليفة، والمحامي واصف الحركة من مجموعة "المرصد الشعبي لمحاربة الفساد". كما أحيا الفنان جعفر الطفّار أمسية موسيقية ثورية، إضافة إلى أنشطة وفعاليات فنية مختلفة.