تنشر "المفكرة" هنا نص الحكم الصادر في قضية رسالة حياة، داعية بقوة إلى إخراج المسألة من التجاذب العصبي ومناقشتها على أساس الوقائع الواردة في الحكم والتي ترشح عن مخالفات جزائية جسيمة بحق الأطفال. ننشر الحكم مع تعليق سريع للمحامية نرمين السباعي، فاتحين صفحات المفكرة للتعليقات عليه (المحرر).

 

ردا على الحملة التي تدافع عن راهبات “رسالة حياة" بمقاربة طائفية، ننشر بناءات القرار الصادر عن قاضية الأحداث في جبل لبنان جويل أبو حيدر والذي يوثق وقائع الملف والمخالفات الحاصلة والتي أدت إلى صدور قرار بتسليم القاصرين والرضع، ونقلهم إلى أماكن تؤمن لهم حماية أكبر.

‎يتضح جليا أن القضية تعود إلى العام 2013 وقد عقدت في القضية عشرات جلسات الاستماع إلى جميع العاملين والعاملات في الجمعية المذكورة والى القصار المتواجدين في مركزها بحيث اتضح على ضوئها عدم أهلية الجمعية لرعاية الأطفال وتعريضهم للخطر عملا بأحكام قانون الاحداث رقم 422/2002 واتفاقية حقوق الطفل، إضافة إلى تعريضهم لاعتداءات تؤلف جرائم جزائية يعاقب عليها قانون العقوبات اللبناني ومنها اعتداءات جسدية ومعنوية وتحرش جنسي.

‎كما يتبين من منطوق الحكم أن الجمعية عرقلت عمل قضاء الأحداث واتحاد الأحداث خلال التحقيقات والتي كان آخرها تمنّعها عن تنفيذ قرار تسليم طفلين رضيعين مما دفع المحامية العامة الاستئنافية نازك الخطيب إلى إصدار قرار بتوقيف راهبتين من الجمعية. ويفيد الحكم بأن الرئاسة كانت قد وضعت منذ فترة بقرار منها طفلين رضع في عهدة الجمعية الا أنه لدى الكشف عُرض على المندوبة الاجتماعية أطفال بأعمار مغايرة مما أثار شكوك الرئاسة. فطلبت تسليم الأطفال أو على الأقل التأكد من سلامتهم إلا اأها لم تلقَ أي تعاون في مخالفة صارخة لقانون حماية الأحداث وتفسيراته من قبل الجمعية.

وتجدر الإشارة إلى أن التدابير الحمائية التي يتخذها قضاء الأحداث تحتّم سندا لقانون 422 مراجعة القضاء المختص وإعلامه دوما بأحوال القصار المطلوب حمايتهم. كما يقوم هذا القضاء بالإشراف الدوري على رعايتهم وتربيتهم من خلال تقارير ترفع إليه من قبل مشرفين ومشرفات اجتماعيات تابعين إما لاتحاد الأحداث وإما لوزارة الشؤون الاجتماعية بحسب الأحوال. وقد حسمت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في 2007 أي جدل فيما خص تضارب الصلاحيات بين قضاء الأحداث والقضاء الديني، معتبرة أن أساس الصلاحية الحمائية مغايرة تماما في أساسها عن مسألة الحضانة بحيث استقر اجتهاد قاضي الأحداث على اعتبار أنه في مجمل تدابير حماية الاحداث المعرضين للخطر يكون الاختصاص النوعي والوظيفي لقاضي الاحداث طالما وجدت حالة الخطر.

وفجر اليوم، تم ترك الراهبتين بسند إقامة بعدما وضعت النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، غادة عون، يدها على الملف لترجع عن إشارة القاضية الخطيب في ظل حديث عن تدخلات وضغوطات سياسية ومرجعيات دينية كبيرة في الملف. كما أن تصريح الجمعية في مؤتمرها الصحفي تبعا للإفراج عن الراهبتين بأنها لن تقوم بتسليم الأطفال إنما يؤكد على تمردها ضد القضاء ويضع علامات استفهام كبيرة حول ما أشيع عن أن ترك الراهبتين حصل بعد تعهدهم بالتسليم. واضح أننا أمام مقامات تتجبّر.

من هذه الزاوية، تشكل هذه الحادثة شاهدا جديدا على الاتجاه المتزايد في أوساط القضاة لحماية الحقوق والحريات سواء من قبل قاضية الأحداث جويل أبو حيدر أو المدعية العامة نازك الخطيب، وفي الآن نفسه شاهدا على بشاعة الهرمية داخل النيابة العامة والأهم التدخل في القضاء الذي يشكل عاملا أساسيا في تقويض حقوق الناس وإرساء ظروف ملائمة لبيئة الفساد والإفساد. فلنتحرك.