نشر هذا المقال للمرة الأولى في جريدة الأخبار بتاريخ 13 آب 2009. المقال يتناول صلاحية القاضي المدني وتحديدا قاضي الأحداث في اتخاذ قرارات معاكسة للقرارات الصادرة عن المحاكم الدينية وبخاصة في قضايا الحضانة، كلما استشعر أن ثمة طفلا بحال الخطر. وهو ينطلق من القرار الصادر عن محكمة التمييز في هيئتها العامة والتي كرست هذه الصلاحية، وبدت من هذه الزاوية وكأنها ترسم خطا أحمر ملزما لجميع الطوائف وقوامه وضع الطفل بمنأى عن الخطر. يكتسي هذا المقال أهمية متجددة، بعدما أثير عن صلاحية القضاء المدني للتدخل لحماية الأطفال في قضية جمعية "رسالة حياة" الدينية. فتنصلا من تنفيذ القرار الصادر بحقها بوجوب تسليم جميع الأطفال المودعين لديها، ادّعت الجمعية أنها تخضع لسلطة البطريرك الماروني والمحاكم الروحية رافضة الالتزام بأحكام القضاء المدني. وقد ذهب البطريرك أبعد من ذلك في بيان صدر عنه بتاريخ 7 كانون الأول 2019 حيث صرح أنه "من غير المسموح أن يتعدى القضاء العدلي على صلاحيات القضاء الكنسي الذي تعترف به الدولة اللبنانية" (المحرر).  

 

بتاريخ 7-7-2009، أصدرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز، بإجماع أعضائها (تسعة من رؤساء غرف محاكم التمييز) قراراً لافتاً مفاده أن لقاضي الأحداث، المختص باتخاذ تدابير لحماية الأطفال في حال الخطر، صلاحية اتخاذ تدابير من شأنها الحد من مفاعيل القرارات الصادرة عن المحاكم الشرعية أو المذهبية، وخصوصاً في مجال الحضانة، من دون أن يعدّ ذلك تعدياً على صلاحيات هذه المحاكم. ومن هذه التدابير مثلاً، إبقاء الطفل في منزل والدته على الرغم من صدور قرار شرعي بنقل الحضانة إلى الوالد لبلوغه سنّاً معينة (7 سنوات للصبي و9 للبنت). ففي هذه الحالة، يبقى الوالد "مسؤولاً من الناحية الشرعية عن القاصر... أما التدبير المتّخذ من قاضي الأحداث، فهو يقتصر على حماية القاصر من تأثير بيئة معينة قد تسبب له خطراً في المستقبل". وهذا القرار، الذي يؤكد توجه قرار سابق للهيئة (23-4-2007)، يؤول إلى تكريس الاجتهاد الذي بادر إليه عدد من قضاة الأحداث في مناطق وفترات مختلفة، أبرزهم مارون أبو جودة (جبل لبنان) وفوزي خميس (بيروت) وجناح عبيد (طرابلس)، بشجاعة أدبية تسجّل لهم، وإلى تصنيفه ضمن الاجتهادات الثابتة والمستقرة، وفي الآن نفسه ضمن أهم الإنجازات القضائية ذات الطابع الريادي. وهو يمثّل أحد أهم انتصارات الحياة المدنية على جمود الطوائف، وتحديداً في مجال حقوق الطفل وما تفرضه من تغليب لمصلحته الفضلى على الأحكام التقليدية الموروثة. وهذا ما سأسعى إلى تبيانه في هذا المقال، في فقرتين أُخصّص الأولى لعناصر المجابهة القانونية التي أدت إلى هذا الاجتهاد تبياناً لأهميته، وفي الثانية لأبعاد هذا الاجتهاد في المنظومة القانونية اللبنانية.

 

1- عناصر المجابهة القانونية

هنا، سأعرض أهم عناصر المجابهة القانونية (الحجج)، بشكلها الخام إذا أمكن، وبما يشوبها من حدة وعنف كلامي، وذلك على ضوء الوثائق التي أمكن رصدها في هذا المجال، وأبرزها الاستشارة القانونية التي أرفقتها المحكمة الشرعية السنّية بشكواها المقدمة إلى النيابة العامة التمييزية في أواخر 2008، علماً أن هذه المجابهة قد أخذت وجهين: وجه أوّل يتصل بمدى وجوب احترام حصرية صلاحية الطوائف في مجال الأسرة، ووجه ثانٍ يتصل بكيفية تعريف الطفل في حال الخطر لما له من تأثير مباشر على إطار صلاحيات قاضي الأحداث.

المجابهة القانونية المتصلة بمكانة الطوائف واستقلاليتها:

هنا نجد حجّتين أساسيتين: دينية وسياسية. تعدّ المحاكم الشرعية أيّ تدخّل بمثابة هيمنة عليها ومحاولة لإلغائها. فالحجة الدينية تفيد، وفق الاستشارة القانونية، بوجوب التسليم بأن تطبيق الشرع هو "الأصلح للطفل"، وبأنه لا يمثّل بحال من الأحوال ظرفاً يعرّضه للخطر أو مخالفة، بل إن عدم تطبيقه هو المخالفة. فالمحاكم الشرعية والمذهبية هي، "الأدرى بحكم ولايتها أو اختصاصها المستمر والمستقر منذ القدم بتنظيم أوضاع المتداعين والصغار من مذهبها" ولا يمكن أن تمثّل أحكامها "خطراً على أبناء هذا المذهب الذين ارتضوا تطبيقه..". وتالياً، من المؤكد "أن حماية القاصر لا يمكن أن تأتي مع تعطيل الأحكام القضائية التي محص "قضاتنا الشرعيون أو المذهبيون فيها وأمّنوا من خلال تطبيق أحكامهم الشرعية ما هو أصلح للقاصر". لا بل إن الاستشارة تستعيد التبرير التقليدي للأحكام الشرعية الآيلة إلى نقل الولاية على الطفل في سنّ متدنية من الأم إلى الأب أو الجد من الأب في حال عدم وجوده أو إلى أقرب عصباته عند الاقتضاء، من المحارم أو من سواهم (أعمام، أبناء عم): فـ "الولد يستغني في هذه السن (أي سبع سنوات للصبي وتسع للبنت) عن تعهّد النساء ورعايتهنّ ويحتاج إلى التهذيب والتثقيف وتعلّم العلم والصنعة التي يحتاج إليها في حياته المقبلة".. هكذا دون أي إشارة إلى الأم أو سلالتها وبأية حال دون أي جهد للتدقيق فيما إذا كانت هذه الحجة تستقيم في ظروف المجتمع المعاصر. ولعل أبلغ ما ورد في الاستشارة "القانونية" من باب حسم الجدل هو التذكير بأن الشرع هو ذو طابع "إلهي" مما يؤكد سموّ شأنه.

أما الحجّة السياسية، فتتّصل بما سمّته الاستشارة استقلال الطوائف في تشريعها الداخلي وتنظيماتها القضائية وإدارتها ومجالسها الخاصة، وهي حجة تتصل بالنظام السياسي الاجتماعي اللبناني ككل. فتجاوز الأحكام القضائية الشرعية على النحو الذي تقدّم يجعل قاضي الأحداث "رقيباً وحسيباً على ما تقرّره المحكمة الشرعية أو الروحية" و"مهيمناً على النظام العام اللبناني بجميع طوائفه ومراجعه القضائية" (الاستشارة). وانطلاقاً من ذلك، ترى لجنة المحامين لدعم ومتابعة شؤون المحاكم الشرعية أن اعتماد هذا الاجتهاد يمثّل "محاولة لإلغاء المحاكم الشرعية أو لتقليص صلاحياتها" مشابهة تماماً لمحاولة إقرار الزواج المدني الاختياري، التي أفشلتها "موجة الغضب العارمة" (رأي، 6/11/2008). وهذا الاجتهاد يؤول إذاً "إلى حرمان الطوائف حقوقها التاريخية، وحرمان محاكمها تطبيق أحكامها، ويتهدّد استقلالها بما يخالف الدستور الذي جعل لكل طائفة كياناً مستقلاً بذاته"، ويتهدّد تالياً المجتمع اللبناني بكل طوائفه وأحكامه التشريعية وقضائه بالزعزعة والهزات الاجتماعية غير المبررة (الاستشارة). وعليه، هو تجاوز خطير لا يمكن السكوت عنه مما يقتضي معه التحرك على أكثر من صعيد ومخاصمة القاضي المذكور عن الخطأ المرتكب (لجنة المحامين).

ومما تقدم من عبارات، وهي عبارات بالطبع مبالغ بها، تظهر بوضوح كليّ الحساسية الفائقة لدى المحاكم الشرعية إزاء أيّ تدخل في أعمالها، إزاء أيّ محاولة لفرض أيّ شكل من أشكال النظام العام، بحيث إنها تعدّ أي تدخل، مهما كان حجمه، وحتى لو اقتصر على حماية الطفل في حال الخطر، بمثابة هيمنة عليها ومحاولة لإلغائها.

 

المجابهة القانونية المتصلة بكيفية تفسير مفهومي الطفل في حال الخطر والبيئة المعرّضة للخطر:

هنا، وبمعزل عن مسألة اختصاص الطوائف، تحاول المحكمة الشرعية التحرر من رقابة قضاة الأحداث عبر الادعاء بأنها مبنية على توسع في تفسير المفهومين المشار إليهما أعلاه على نحو مخالف للقانون. وإذا أظهرت الحجج المبينة أعلاه مدى حساسية المحاكم الشرعية إزاء التدخل في أيّ من صلاحياتها، فإن الحجج آلت هنا إلى إظهار جانب لا يقل خطورة عنه وهو مدى التفاوت بين الرؤية الدينية ورؤية قاضي الأحداث لمكانة الطفل ومصالحه وربما لأهداف تربيته أو تنشئته. فالطفل في حال الخطر هو وفقاً للشرع الطفل المعرّض للانحراف (لجنة المحامين) لوجوده في وسط بيئة غير سويّة، وهو "يقصد الطفل الذي لا عائلة له كاليتيم الذي لا أب أو أمّ له ويلحق بجمعيات الأشرار والمتسوّلين أو الذي لا رقيب عليه فيترعرع بعيداً عن كل انضباط" أو "الذي يخرج من محيطه، من الإطار المعهود لمن هو في وضعه فيصبح في وسط بيئة غير تلك التي كان فيها ذووه"، أو هو "القاصر المنحرف الذي سينحرف بكل تأكيد" (الاستشارة). في المقابل، وكنتيجة حتمية لما تقدّم، لا مجال لإعمال النص "إذا بقي الطفل في بيئته المعروفة ولم يزل يرتبط بذويه أو بأحدهما أو بأحد أقاربه، فلا خوف على مستقبله أو سلامته"... "فمهما كانت علاقة الطفل بوالديه، فهي تبقى علاقة طبيعية ومطلوبة لذاتها". كأنّما المحاكم الشرعية تقرّ بقرينة قانونية (مسلّمة) أخرى مفادها أنه لا يمكن أن تمثّل الولاية المقررة وفق أحكام الشرع خطراً على مصالح الطفل. وإذا بدت حازمة في هذا المجال، فإنها صرّحت من جهة أخرى، استباقاً للنقد، وضماناً لمشروعيتها، بأن للمحاكم الشرعية هامشاً واسعاً وفق الشرع لسحب الولاية من الأب أو من الجد إذا كان مفسداً، وأن لها إمكانات التدقيق في مدى صلاحه أو فساده، وأنها تدقق فعلياً في ذلك، حتى لو جاء تعليلها مقتضباً لهذه الجهة.

وبالطبع، يتعارض هذا التفسير تماماً مع التفسير الذي اعتمده بعض قضاة الأحداث. فالبيئة المقصودة في القانون، حسب هؤلاء، هي مفهوم شامل وواسع ومطلق من ناحية أولى، يخضع للتأويل الموسّع في كل مرة تكون فيها الظروف المحيطة بنشأة القاصر والمؤثّرة في مسار حياته منعكسة سلباً على تطوره ونموه الجسدي والنفسي والعقلي والاجتماعي والعائلي وسواه (قاضي الأحداث في بيروت، فوزي خميس 21- 11- 2007). وهي البيئة "الأسرية" التي تفتقر إلى روح المثل العليا والأخلاق الكريمة والرصانة والمحبة والتفاهم والثقافة وحسّ تحمل المسؤولية. وهي البيئة التي تتحكم في التعنيف الذهني والنفسي بالقاصر، بحيث تجعله شبه منعدم الشخصية والحضور والقرار المسؤول المدرك، منقاداً لتعسف تلك البيئة وإملاءاتها، خافتاً كابتاً بصورة مرضية لحقيقة مشاعره .. فالخضوع المرضي دون أيّ حق في مناقشة بنّاءة هادئة أو تفاهم أو إبداء معارضة منطقية ومحقة ...، خلافاً لأصول التربية وقواعدها، .. يولّد لديه إذعاناً لا يليق بكرامة الطفل، وطاعة لا تليق بمواجهة غطرسة سلبية لا تفقه الود والتفاهم والاحترام. فعلى سبيل المثال خوف الطفل من التعبير عن ألمه مهما كان سببه، من مغبة عقاب البيئة المحيطة به يجعله أسير الأوجاع التي تنتاب جسده وتشلّ إرادته، إنها عبودية الخوف وانعدام الثقة بالنفس وبالقدرات البنّاءة... إذ يتعين أن تنمّى قدرات القاصر الذهنية والنفسية لتولّد وتتفاعل شخصيته الفذة ذات الصفات اللامعة واللافتة ذكاءً وقوةً ومنطقاً واتزاناً وطموحاً متّقداً يتخطى العقبات ومسؤولية مدركة خلّاقة في الارتقاء نحو العطاء في كل اتجاه بنّاء ومنتج وخلّاق» (قاضي الأحداث في بيروت، فوزي خميس 14- 7- 2008).

ومما تقدم، يظهر جلياً أن ثمة تفاوتاً شاسعاً بين تعريفات الفريقين، أبرز مبرراته أمران اثنان:

  • الأول نزعة واضحة لدى المحكمة الشرعية إلى قراءة النص من زاوية أمنية دينية. فأن تسعى إلى حصر دور قاضي الأحداث في درء الانحراف إنما يعني أن مقصد المشرّع حسبها ليس تأمين مناخ سليم لتربية الطفل ونشأته، بل الحؤول دون تحوّله إلى شخص خطير أو عالة على المجتمع، غير قابل للضبط، وأن على قاضي الأحداث أن يسعى إذاً ليس إلى حماية الطفل من محيطه، من البيئة التي يعيش فيها، بل قبل كل شيء إلى حماية المجتمع وقيمه من انحرافات أطفاله. وهي بالطبع نزعة لها خلفية دينية تقليدية تغلب مفهوم تأطير الفرد وضبطه وإخضاعه للطاعة على أي مفهوم آخر خاص بتنمية طاقات الفرد أو تنشئته وهو المفهوم الذي يبرز بروزاً شديد الوضوح في الحكم الصادر عن قاضي الأحداث والمشار إليه أعلاه، والذي يعكس قراءة جد واسعة للبعد التنموي لهذا المفهوم.
  • الثاني نزعة واضحة لدى المحكمة الشرعية إلى توجيه عمل قاضي الأحداث نحو الأطفال الأيتام والمشرّدين (الذين لا عائلة لهم) وتالياً إلى رفع يده عن أبناء العائلات التي هي تتولّى ضبط أبنائها، تحت إشراف المحاكم الشرعية، وذلك عملاً بمسلّمتين مفادهما أن العائلة، تماماً كالمحكمة الشرعية، لا يمكن أن تمثّل خطراً على الطفل.

وعلى أساس هذا التباين، كان من الطبيعي أن تنشأ نقاط اختلاف مفصلية عدة، تعكس التفاوت في المنطلقات والمفاهيم، أبرزها مثلاً مدى جواز أن يشمل الخطر أي تهديد للصحة النفسية بمعناها السلبي أو الإيجابي التنموي. فهل تمثّل الصحة النفسية إحدى المصالح الواجب حمايتها؟ وهل يمثّل تالياً الاكتئاب أو الحزن أو القلق أو الوجع النفسي أو الخوف إلخ.. أو أي من المعوّقات البارزة لإنماء الشخصية أسباباً تجيز تدخل قاضي الأحداث لاتخاذ تدابير حماية؟ وقد برز هذا الاختلاف خصوصاً من خلال بعض الأحكام التي اتخذها قاضي الأحداث في بيروت فوزي خميس، وعلى الأخص الحكم الآيل إلى إبقاء طفلة في منزل والدتها لإصابتها بقلق الانفصال والاكتئاب والإحباط والحزن الشديد والغضب من جرّاء خوفها من احتمال نقلها إلى منزل والدها. كما برز في التعليقات العنيفة التي لقيها هذا التدبير بالذات في متن الاستشارة المشار إليها أعلاه. ويسوّغ في هذا المجال تلخيص موقف الشرع بوجهين اثنين:

  • الأول، التشكيك إلى حد التهكّم أحياناً إزاء الإشارة إلى أيّ من العوامل النفسية التي تبدو بنظرها كأنها تمثّل مجرد ذريعة لتدخل قضاة الأحداث في عملها تحت غطاء التقارير الصادرة عن أطباء نفسانيين. فإذا أشار قاضي الأحداث إلى البكاء المتواصل، بدت الاستشارة كأنها وجدت في هذه العبارة ضالّتها فراحت تستعملها يمنة ويسرة، ومراراً وتكراراً دون ملل، في أسلوب يقارب إلى حد كبير التهكّم والتسفيه. فكل انتقال من مدرسة إلى مدرسة أخرى توازيه اضطرابات نفسية بل من لم يسمع بكاء الأطفال ونواحهم اللذين يمزقان القلب عند دخولهم المدارس؟ فهل يريد قاضي الأحداث اتخاذ تدابير بإبقائهم في البيت دون مدرسة؟ بل إن الاستشارة القانونية تذهب إلى حد القول "إن أي قارئ للحكم المذكور يخال أنه في مسلسل مكسيكي أو فيلم هندي" (!!). "فأي ولد لا يبكي؟ وأي بنت لا تبكي؟".
  • أما الوجه الثاني، وهو لا يقل فظاظة، فيرى أن المسائل النفسية أو العصبية أو المرضية، على فرض أنها حقيقة تؤثر في الطفل، فهي تبقى خارج القانون (ص 16) بحيث يمكن معالجتها دونما حاجة إلى تعديل الوضع الشرعي للطفلة.

وبكلمة أخرى: إما أن نهمل العوامل النفسية على أساس أن كل الأطفال يبكون وينوحون تماماً كما هي الحال إجمالاً في الأفلام الهندية والمكسيكية، وإما أن نعيرها بعض الاهتمام، ويكون الحل في هذه الحالة ليس وضع الطفل في المكان الذي يؤمّن له أفضل صحة نفسية بل معالجته (وربما تدجينه) على نحو يسمح له بالتأقلم مع المكان الذي يقرر الشرع أنه الأصلح له. ولعل أفدح ما جاء في الاستشارة هو السؤال الذي وجّهه صاحبها من باب حسم الجدل: فماذا عسى قاضي الأحداث يفعل إذا توفيت الوالدة؟ "فهل من صلاحياته وقدرته إعادة الأم إلى الحياة لرعاية ابنتها؟". كأنه يقول أليس من الأنسب أن نؤقلم الطفل منذ الآن على الابتعاد عن أمه ما دامت جميع الأمهات سائرات حتماً إلى الهلاك، وأن ما بيد القضاء حيلة؟ هذا أهم ما أردت قوله بشأن عناصر المجابهة التي أدت إلى الاجتهاد المذكور، بقي أن أتناول أبعاده.

 

2- أبعاد الاجتهاد

وانطلاقاً من هذه المجابهة، جاءت مواقف الهيئة العامة لمحكمة التمييز حسبما بينّا أعلاه حاسمة. فلقاضي الأحداث حق التدخل كلما رأى أن ثمة طفلاً في حال الخطر دون أن يمثّل ذلك تعرضاً لصلاحيات الطوائف في مجال الأسرة ما دام قاضي حماية فيما أن القاضي الطائفي هو قاضي حضانة. أما بخصوص تعريف الطفل في حال الخطر، فإنه متروك لتقدير القاضي.

واللافت أن هذا الاجتهاد ترسّخ في قرارين رداً على طعنين تقدم بهما أصحاب العلاقة (والدا أطفال أُبقوا لدى والدتيهم رغم صدور قرارات شرعية بنقل الحضانة إليهما). وفي الاتجاه نفسه، ردت الهيئة العامة الشكوى المقدمة مباشرةً من المحكمة السنية الشرعية للنيابة العامة التمييزية شكلاً لخروج الشكوى عن حدود اختصاصها (9-1-2009). ومن أهم ميزات هذا الاجتهاد الذي يجوز تصنيفه عن حق ضمن أهم إنجازات الحياة المدينية في مواجهة الأحكام التقليدية، أنه يسمح للقاضي بتخفيف حدة القواعد الطائفية التقليدية في مجال الأسرة (وعلى رأسها القاعدة الآيلة إلى تقرير الحضانة على أساس معيار السن دون أي اعتبار للمعيار المعتمد عالمياً أي مصلحة الطفل الفضلى)، كلما آل تطبيقها إلى تعريض طفل للخطر. فبنتيجة ذلك، تصبح حماية طفل بحالة الخطر بمثابة "نظام عام مدني" ملزم للطوائف تتوقف عنده جميع الايديولوجيات والمصالح، وتطبيقاً نادراً (وربما فريداً من نوعه حتى اللحظة) للمادة 9 من الدستور التي ضمنت للأهلين تنظيم أحوالهم الشخصية وفق معتقداتهم وممارسة شعائرهم تحت سقف النظام العام الذي يبدو للأسف كأنه نسي تماماً تحت وطأة هيمنة الطوائف.

فهل نحتاج إلى أن نذكر أن الطوائف الإسلامية شنت هجوماً عنيفاً على القرار 60 ل.ر (1936) لتنزيه أحكامها عن أيّ رقابة مسبّقة أو أن نذكر بأن البرلمان أحجم عن أي تقويم لتنظيمات الطوائف غير المحمدية خلافاً لأحكام هذا القرار، فجرى تطبيق هذه التنظيمات دون أي تدقيق على أساس أنها أعراف اجتماعية ملزمة؟ ومن هذا المنطلق، يثبت الاجتهاد مرة أخرى أن القضاء يبقى أكثر قدرة من الطبقة السياسية على التصدي للقضايا الحساسة، ولا سيما القضايا المتصلة بصلاحيات الطوائف. ولكن بالطبع، يبقى السؤال ملحّاً بشأن مدى قدرة الاجتهاد على الثبات في ظل موازين القوى الحاضرة: فهل تنتهي الطوائف إلى التكيّف معه وتالياً مع فكرة النظام العام فتتحفّز على الاجتهاد ضنّاً بمصالح الأطفال وعلى نحو يقلل كثيراً تدخل قاضي الأحداث، ويسمح للمجتمع بتطوير ذاته تدريجياً، أم تستمر في ممانعته، مع ما بيّناه أعلاه من عنف كلامي، مع ما يولّده ذلك من مخاوف مشروعة حول احتمالات ترهيب القضاة وتالياً حول احتمالات نقضه أو شلّه؟ السؤال يبقى بطبيعة الحال برسم المجتمع برمته.