ننشر هنا بعض الشهادات التي أمكن الصحافي ماهر الخشن من فريق عمل "المفكرة" رصدها في الأسابيع الأولى من الثورة. هذه الشهادات تتناول بشكل عام سوء المعاملة في مكان الاحتجاز الكائن في الريحانية وهو تحقيق سيستكمل بالتنسيق مع لجنة المحامين المدافعين عن المتظاهرين بشأن حالات الإخفاء القسري والتعذيب التي تم رصدها في أماكن احتجاز تابعة لأجهزة أمنية مختلفة (المحرر).

 

تكثر الأخبار عن اعتقالات من قبل القوى الأمنيّة أو مخابرات الجيش على خلفيّة المشاركة في الانتفاضة وتحرّكاتها. حالات اعتقالات كثيرة لا تظهر إلى العلن على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيّ. وفي معظم الاعتقالات التي حصلت، انتهكت الجهة المعتقلة القانون وحقوق الإنسان. لا نعرف ما يحصل وراء قضبان السجون، إلّا من قصص ناس خرجت منها لتخبرنا عن تجربتها هناك. هذا المقال والمقالات الأخرى عن الجهات المعتقلة مبنيّة على شهادات ناس تعرّضوا لاعتقالات وانتهاكات خلال فترة الانتفاضة الشعبيّة أو قبلها.

 

كيف يقدّم موقع الجيش اللبنانيّ سجن الشرطة العسكريّة في الريحانيّة؟

في سجن الشرطة العسكريّة في منطقة الريحانيّة-بعبدا، والذي تندرج مهامّـه تحت إشراف عمل القضاء العسكريّ والمحكمة العسكريّة، يتعرّض الموقوفون فيه لتعذيب معنويّ وجسديّ ولانتهاكات لأبسط حقوقهم الطبيعيّة كمعتقلين أو موقوفين، سواء لجهة ردّ طلب الاتّصال بمحام أو بالأهل، أو لجهة المعاملة معهم داخل السجن. معظم الموقوفين الذين يدخلون إلى سجن الشرطة العسكريّة بعد اعتقالهم من أجهزة كمخابرات الجيش، يمكن أن يظلّوا أيّاما عديدة مختفين بنظر أهلهم والناس في الخارج. لا يعرفون معلومات عنهم إلا إذا نقلوا إلى سجن آخر، أو إذا اعتبر أن سبب التوقيف لا يدخل ضمن صلاحيات الشرطة العسكريّة وعمليا المحكمة العسكرية.

يصف مقال نشر عام 2016 على الموقع الرسميّ للجيش اللبنانيّ سجن الشرطة العسكريّة-الريحانيّة بأنّه ذو "مواصفات جيّدة من حيث البناء والتجهيزات اللازمة لراحة الموقوفين". وهنا بعض ممّا وصفه المقال عن حال السجن الذي يأتي مخالفا تماما للشهادات التي تم رصدها وجمعها من عدد من الموقوفين:

"(السجن) مجهّز بنظام تهوئة، وأجهزة تلفزة وجهاز لسماع الموسيقى. ويضمّ السجن باحات مخصصّة للنزهة تدخل إليها أشعة الشمس عبر فتحات مسقوفة بألواح من البلاستيك، يتمّ إخراج الموقوفين إليها للتنزّه في أوقات محددة. كما تتوافر في السجن مكتبة تؤمّن للسجناء كتبًا للمطالعة.... وتؤمن إدارة السجن مكانًا تتمّ فيه المواجهات مع الزائرين بمعدل ثلاث مرات أسبوعيًا، فضلًا عن أيام أخرى مخصّصة لزيارة المحامين.... أمّا من ناحية الرعاية الصحيّة، فهي مؤمّنة في مستوصف الشرطة 24/7. حيث يزور طبيب الصحة العامة السجن 5 أيام في الأسبوع، بينما يداوم طبيب نفسيّ يومين في الأسبوع".

 

بعض أسباب التوقيفات

عديدة هي الأسباب التي تم توقيف الناشطين على خلفيتها. منهم من تمّ توقيفه على خلفية نشر ومشاركة (share) فيديو قصير من مسرحية "مدرسة المشاغبين" لعادل إمام في إثر الخطاب الأوّل للرئيس ميشال عون ردّا على انتفاضة الشارع. ويظهر مقطع الفيديو عادل إمام متلعثما ينطق بكلام غير مفهوم. وقد تم احتجاز هؤلاء تحت تهمة "تطاول على مقامات الرئاسة-فخامة الرئيس". من أسباب التوقيف الأخرى، تمزيق جزء من صورة الرئيس عون وقطع الطريق أمام حافلة مدنيّة، صودف وجود عسكريّ فيها، أو تشابه أسماء كانت أسبابا أخرى للتوقيف من قبل مخابرات الجيش وقد أدّت بالموقوفين إلى سجن الشرطة العسكريّة. وهذا الأمر جدّ مستغرب طالما أن التعرض لرئيس الجمهورية لا يدخل قط في صلاحية المحكمة العسكرية، إنما في صلاحية المحاكم العادية. وعليه، غالبا ما ينتهي احتجاز هؤلاء لأيام بما يتجاوز المدة القصوى للاحتجاز الإداري (4 أيام) إلى إحالتهم إلى النيابات العامة العادية.

 

انتهاك صارخ لحقوق الإنسان يستقبل معتقل الريحانيّة:

في سجن الشرطة العسكريّة في منطقة الريحانيّة، بعد تسليم الأغراض التي تكون بحوزة الموقوف لأمانات السجن، يتم اقتياد المعتقل معصوب العينين إلى سجن في الطابق الأوّل أو الثاني تحت الأرض. أحد العناصر (وينادي العناصر بعضهم بأسماء وهميّة: مثل جبل وبوب وتمساح) يدفع الموقوف باستمرار حتّى يتابع سيره نحو غرفة السجن، وهو يسمع السباب والشتائم التي تكال عليه. ويتضاعف سوء المعاملة والتنمير مع الموقوف إذا ما كان غير لبنانيّ (سوريّ الجنسية تحديدا وتصل العنصريّة إلى تفرقة السوريّين بحسب المنطقة القادمين منها) أو إذا كان شكله يوحي لعناصر السجن بأنّه مغاير للنظرة النمطيّة للرجل (شعره طويل، يضع حلقا في أذنه).

قبل الدخول إلى غرفة السجن، يستقبل الموقوف بعمل روتينيّ يعدّ انتهاكا كبيرا لأدنى حقوق الإنسان. يُجبر المعتقل على خلع ملابسه بالكامل، ويقعد على ركبتيه، ويمددّ يديه، ويقف ويقرفص مرارا مجبرا على السعال بحجّة التأكّد من عدم إخفائه لمخدرّات أو أيّ شيء آخر في مؤخّرته. هذه أوّل معاملة يستقبل بها الموقوف في سجن الشرطة العسكريّة. ويتكرّر إجباره على القيام بهذا الفعل في كلّ مرّة يعود فيها إلى الغرفة بعد خروجه للتحقيق معه.

 

المعتقل رهنُ ظروف صحيّة متردّية ومزاجيّة عناصر الجيش

يسجن الموقوف في غرفة ذات باب حديد مغلق بالكامل مع حوالي 20 معتقلا، في حين أنّها لا تتسّع لأكثر من عشرة أشخاص. ينام الموقوف "بين أرجل العالم" إن وجد مكانا. يعيش مساجين الشرطة العسكريّة في غرفة مكتظّة، يتخلّلها مرحاض للجميع، لا تفصل بينه وبينهم سوى ستارة أو حائطان صغيران غير مغلقين. الحمّام هو عبارة عن مرحاض عربيّ وأمامه حنفيّة هي المصدر الوحيد للمياه بكلّ استخداماتها في تلك الغرفة الصغيرة: يستخدم الموقوفون حوالي 10 قناني بلاستيك دون أغطية (تكون موجودة أمام باب السجن)، يقومون بتعبئتها مساء ويضعونها خارج غرفة الحمّام حتّى يستخدمونها في الصباح التالي لغسل وجوهم وأيديهم. والأسوأ من ذلك أنّ المساجين يشربون من الحنفيّة ذاتها التي يستخدمونها في الحمّام، وبسبب الترهيب الذي يعيشونه هناك لا يتجرأ أحد بالسؤال عن مياه للشرب. ثم يقوم الموقوفون بتنظيف الغرفة بالمياه نفسها، حتّى يحموا أنفسهم من عوارض تلوّثها. ويمكن أن تظلّ فترة طويلة في السجن باللباس ذاته، تغسل قطعة من ثيابك بنفسك بالمياه المتوفّرة فقط وتنتظرها لتنشف في الغرفة الرطبة في الطابق الثاني تحت الأرض، ثمّ تعود لتلبسها وتغسل القطعة الثانية. وفي حال سمح لك بطلب ثياب داخلية من أهلك بعد الإصرار على ذلك لأيّام، قد لا يصل إلى غرفة السجن ما يوصله الأهل إلى الإدارة.

موقوفون كثيرون يدخلون سجن الشرطة العسكريّة في الريحانيّة ويختفون لأيّام دون أن يعلم أحد بهم أو بما يحصل لهم. بحسب الشهادات التي وصلتنا، لا وجود لأبسط حقوق المعتقلين البديهيّة، بحيث ترفض جميع طلبات الاتّصال بمحام أو بأحد أفراد الأسرة. ومن أبسط الأجوبة التي يردّ بها العناصر هي: "روح بلا ما إبتلي فيك، بلا ما دعوسك، بلا ما كسرك. روح وليه". ومن الطبيعيّ أنّ السماح للزيارات حقّ يسقط حكما. وبناء على إحدى الشهادات، تجاهل العناصر طلب أحد الموقوفين المصاب بنوع من أنواع السرطان بالاتصال بأهله لأنّه بحاجة لدواء في وقت معيّن وإلّا تراجع وضعه الصحيّ. هذا يأتي بالإضافة إلى الأمراض أو الإصابات التي قد يتعرّض لها الموقوف بعد الخروج. ستّة أيّام في سجن الشرطة العسكريّة كانت كفيلة بأن يخرج منها المعتقل وقد خسر عشرة كيلوغرامات من وزنه.

الوقت مقصيّ عن موقوفي الشرطة العسكريّة في الريحانّية. المنفذ الوحيد الموجود في الغرفة هو شبّاك صغير فوق الباب وعليه شفّاط للهواء. يطلّ الشبّاك على الممرّ الذي لا تدخله الشمس في الأساس، فلا يعرف الموقوف في أيّ فترة من اليوم هو، إلا إذا خرج للتحقيق مثلا. يسمح للموقوفين بالخروج من السجن إلى غرفة مجاورة للتدخين ثلاث مرّات في اليوم، وكلّ مرّة لدقيقتين فقط تحسبان على عدّاد للوقت، يستطيع فيها الموقوف أن يدخّن سيجارة أو سيجارتين سويّة كما يفعل البعض لاستغلال الوقت. لا تغيب انتهاكات حقوق الموقوفين حتّى في فترة التدخين القصيرة هذه. يفتش العناصر الموقوفين جميعا بعد انتهاء الدقيقتين، ويأمرهم العنصر بإطفاء سجائرهم، وفي طريق عودتهم إلى السجن، يتعرّضون لتعنيف كلاميّ أو تكال الشتائم عليهم، وتفتّش ثيابهم للتأكّد من أنّ أحدا لم يترك سيجارته مشتعلة، بحيث يستطيع أن يدخّن وزملاؤه في داخل الغرفة. وقد يطلب أحد العناصر منهم لغاية كيديّة بحتة أن يقول "حاحا" لشمّ رائحة أنفاسهم.

وإضافة إلى كلّ ما ذكر عن حالة السجن المتردّية، على الموقوف في سجن الشرطة العسكريّة أن يتحمّل مزاجيّة العناصر هناك. قد يخطر ببال عنصر أن يضربه "سحسوح" وهو يتكلم على الهاتف أو أن يذلّه بأيّ حركة أخرى كأنّ يمرّر يده على وجهه في أيّ وقت أو يكيل عليه الشتائم، ولا من أحد يمنعه. والوسيلة التي يعتمدها عناصر الجيش هناك لردع أيّ ردّة فعل، هي التهديد بوضع الموقوف في حبس انفراديّ وضربه.