كثيرة هي الأحلام التي إنهارت مع سقوط سقف مبنى الفوّال في الميناء على رأس قاطنيه. فقد حمل فجر الثلاثاء الخبر الفاجعة لآل كاخية التي دُفن تحت الأنقاض ابنها الشاب عبد الرحمن (٢١ عاماً) وابنتها راما (١٨ عاماً). ولم تقف مشاعر الحزن عند عتبة البيت غير الآمن وإنما إنتشرت في أنحاء حي "نص برطاشة" القديم الذي بات يعرف بشارع الأندلس.

تسكن عائلة كاخية في الطابق الأرضي من المبنى المؤلف من طبقتين ويقول سكّان الحي إنّه نتيجة الوضع المعيشي المتردّي، اضطرت ثلاث عائلات للسكن في المبنى رغم أنّ عمره تجاوز المئة عام، وتفسّخت جدرانه، ولم يقم مالكوه بترميمه ولا حتى بصيانته.

يعمل رأس العائلة الوالد مصطفى في البحر على غرار أبناء الميناء، وسبق أن فقدت أحد أفرادها وهو في عمر ١٦ قبل فترة في حادث دهس. وكان عبد الرحمن يضع لمساته السعيدة لتكوين عائلة حيث وجّه دعوة لمحبّيه لمشاركته فرحة خطوبته يوم الجمعة المقبل في ١٣ كانون الأول، ولكنّ القدر حال دون إتمام فرحته.

 

احتجاجات ضد البلدية ورئيسها

يقول شهود عيان إنّ أحد ورثة البيت قام بإزالة الشبابيك والقنطرة في الطابق العلوي، وأدّت العاصفة الماطرة إلى تسّرب كمية كبيرة من الماء إلى سقف المنزل المكوّن من الخشب والتراب. وحصل الإنهيار عندما هبط سقف الطابق العلوي، وأدّى تراكم الردم إلى ضغط كبير على سقف الطابق الأرضي الذي تقطنه عائلة كاخية، وأودى بحياة عبد الرحمن وشقيقته راما. هذا الأمر يؤكّده رئيس البلدية عبد القادر علم الدين الذي لم يسلم من الاتهامات بأنّه لم يمنح عائلة كاخية ترخيصاً لترميم منزلها مما أدى إلى مقتل اثنين من أفرادها.

وهذه الاتهامات دفعت مئات المواطنين صباحاً للإعتصام أمام بلدية الميناء. وبلغت الاحتجاجات مداها مع إضرام النيران في أحد جوانب مبنى القصر البلدي، وتحطيم الواجهة الزجاج بواسطة الحجارة، وإقفال طرقات المدينة.

واتهم مواطنون شاركوا في الاحتجاجات مسؤولين سياسيين في الشمال وبلدية الميناء بشراء عقارات المنطقة الأثرية والتضييق على المواطنين في الترميم تمهيداً لإضطرارهم لإخلائها ومن ثم ترميمها وبيعها أو استثمارها بأسعار مرتفعة تتناسب مع قيمتها الأثرية وجمال مبانيها القديمة.

وينفي علم الدين في اتصال مع "المفكرة" أن يكون قد عرقل أعمال الترميم لمبنى "الفوّال"، مؤكداً أنّه تلقّى مراجعة شفهية لمرة واحدة بترميم المبنى، وأنه طلب ممن راجعه بتقديم طلب رسمي إلّا أنّ ذلك لم يحدث. ويضيف رئيس اتحاد بلديات الفيحاء أنّ ترميم المباني الأثرية يحتاج إلى موافقة المديرية العامة للآثار، وليس البلدية وحدها.

 

استقالات جماعية في المجلس البلدي

لم تقف الحركة الاحتجاجية عند حدود بوابة البلدية، بل تجاوزتها إلى قلب المجلس البلدي حيث وضع ٨ أعضاء استقالتهم في عهدة أبناء الميناء.

وانتشر على شبكات الإعلام الاجتماعي بيان نُسب إلى أعضاء في مجلس بلدية الميناء يطالبون فيه باستقالة رئيس البلدية عبد القادر علم الدين "حتى تأخذ العدالة مجراها (...) بعد الوضع السيئ الذي آلت إليه الأمور، وبعد الكارثة التي حلّت بأهالي الميناء جراء إستشهاد الشاب عبدالرحمن كاخيه والشابة راما كاخية بسبب سقوط المنزل ليلة البارحة".

وتابع البيان أنّ "استلام المحافظ إدارة شؤون بلدية الميناء أمر مرفوض لأنه شخصية غير مقبولة ومرفوضة من أهالي الميناء وطرابلس والثورة على السواء".

ويوضح أحد المستقيلين عامر فيض الله أنّ "الاستقالة جاءت كردة فعل على أداء رئيس البلدية الذي وصلت الشكاوى بفساده إلى طريق مسدود بفعل الحماية السياسية والمحافظ رمزي نهرا". وعن سبب وضع الاستقالة في عهدة أبناء الميناء، فيجيب فيض الله "أنّهم يريدون الضغط على علم الدين للاستقالة خوفاً من أن يعهد إلى المحافظ بإدارة البلدية".

ويلفت فيض الله إلى أن آلاف المنازل في الميناء تحتاج إلى ترميم، ويصل متوسط كلفة ترميم منزل إلى ٢٠ ألف دولار، فيما لا تتجاوز ميزانية البلدية ٧ ملايين دولار. ويوضح أنّ مبادرات الترميم اقتصرت على الجهود الفردية، مقرّاً بتقصير البلدية حيال المباني الأثرية، "فكل ما حصل في هذا المجال كان ترميم واجهة شارع السبيل بمساعدة الاتحاد الأوروبي وتمويله، ولم يتعدّاه إلى البيوت". وقد تم تأليف لجنة في البلدية للترميم إلّا أنّها لم تصل إلى النتيجة المرجوة.

في المقابل، يصف علم الدين الإتهامات التي توجّه إليه بأنّها ظالمة "لأنّهم يريدون مساواتي بكبار الفاسدين". ويتّهم خصومه بإستهدافه لأسباب سياسية وبسبب إنتخابات اتحاد بلديات الفيحاء.

 

مخاوف من انهيار مبانٍ أخرى

في أعقاب حصول الانهيار، كلّف المدعي العام نبيل وهبي أحد المهندسين للكشف على المبنى لتحديد أسباب سقوط السقف الذي أودى بحياة عبد الرحمن وراما. ويؤكّد المهندس عامر حداد رئيس دائرة الهندسة في البلدية أنّه لم يتلقّ طلباً لترميم المبنى ولكنّه يقرّ بأنّ على البلدية العمل للحفاظ على السلامة العامة. ويضيف أنّ هناك آلاف المنازل الأثرية التي تحتاج إلى تمويل لترميمها ولكن لا يمكن للبلدية ترميم الأملاك الخاصة من دون إذن اصحابها، كما لا يمكنها إخراج الناس منها. ويلفت حداد إلى أنّه يجري العمل على وضع تقرير عن حالة المنطقة القديمة تمهيداً لإجراء مسح لأوضاعها.

وأثار انهيار بيت آل كاخية مخاوف كبيرة لدى أهالي الأحياء الشعبية في الميناء حيث تنتشر آلاف المنازل القديمة العهد التي لم يتم ترميمها بسبب قانون الإيجارات الجديد والصراع بين المالكين والمستأجرين بفعل انخفاض المداخيل. ويؤكّد السكّان أنهم لا يطمحون لشيء أكثر من مسكن آمن تستوطن فيه أوجاعهم وتستر فيه سوآتهم.