في بيان صدر عنها بتاريخ 10-12-2019، إنطلقت الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء من القول بكون "الإعلان عن الحركة القضائية السنوية من اختصاص المجلس الأعلى للقضاء" وأنه ليس لرئيس الجمهورية بمناسبة إمضائه لها "إجراء رقابة على الرأي المطابق للمجلس ومدى مطابقته للقانون" .لتصل لإدانة التأخير الحاصل "في إمضاء الحركة القضائية السنوية للقضاء العدلي". هذا التأخير الذي عدته "محاولة للتعدي على صلاحيات المجلس" وحذرت من كونه سيؤدي إلى "اضطراب السير العادي للمحاكم والمس من حقوق القضاة وخلق أزمة غير مسبوقة في العدالة". ويخرج هذا البيان للعلن أزمة كانت قبله مكتومة بين مجلس القضاء والسلطة التنفيذية مدارها موضوعها السلطة الترتيبية.

استند المجلس الأعلى للقضاء لاختصاصه بإدارة المسار المهني للقضاة ولما اقتضاه الفصل الثاني من القانون المحدث له بكونه يتمتع بالصلاحية الترتيبية في مجال اختصاصه لينتهي إلى التصريح بكونه من يجب أن يصدر النصوص الترتيبية التي  تحدث الدوائر وتحدد عدد مندوبي الدولة بالقضاء الإداري والمالي وتلك التي تضبط الخطط القضائية وشروط إسنادها بالقضاء العدلي. وهنا صادقت جلسته العامة بتاريخ 15-01-2019 على قراره الترتيبي الأول والذي تعلق "بضبط الخطط القضائية التي يمارسها القضاة العدليين".

في الجهة المقابلة، تمسكت رئاسة الحكومة بكون ضبط الخطط القضائية مقررا ذا أثر مالي بما يفرض أن تكون من تنظره بحكم كونها من تؤجر القضاة وتضبط الموازنات اللازمة لذلك. فرفضت نشر القرار الترتيبي الذي وصلها من المجلس بالجريدة الرسمية ولتصدر بتاريخ 06-03-2019 أمرا ترتيبيا[1] ينقح الأمر عدد 436 لسنة 1973 الذي ينضم الخطط القضائية في القضاء العدلي. تاليا استعمل المجلس الأعلى للقضاء الحركة القضائية التي أصدرها بتاريخ 29-08-2019 في محاولته افتكاك الصلاحية الترتيبية بفعل الأمر الواقع فتولى تنزيل مقتضيات أمره الترتيبي جزئيا وفي حدود ما تعلق ببعض الخطط القضائية التي يختص بها قضاة الرتبة الثالثة. فكان أن تمسكت السلطة التنفيذية برفض نشر الحركة بالجريدة الرسمية بمقولة أنها تستند في مقتضياتها لأمر ترتيبي تعلق به عيب اختصاص زيادة على كونه لم يكتسب بفعل عدم نشره قوة النفاذ الواجبة وهو موقف يبدو أن انتخاب قيس سعيد كرئيس للجمهورية لم يغير منه شيئا.

يسود اعتقاد في الوسط القضائي يستند لمؤشرات متعددة منها مسار نقاش وإصدار القانون الأساسي لمحكمة المحاسبات مفاده أن السلطة السياسية مستعدة للقبول بتطوير شروط استقلالية القضاء المالي والإداري بفعل الضغط الخارجي المنادي بذلك ولكنها تقاوم وبشدة كل خطوة يكون هدفها تعزيز استقلالية القضاء العدلي بما يفرض جهدا أكبر في سبيل تحقيق ذلك وتبدو في هذا الإطار معركة الصلاحية الترتيبية التي يخوضها المجلس والتي لم تتضح بعد مخرجاتها أحد فصول هذا الجهد.

 

 


[1]  أمر حكومي عدد 220 لسنة 2019 مؤرخ في 6 مارس 2019 يتعلق بتنقيح الأمر عدد 436 لسنة 1973 المؤرخ في 21 سبتمبر 1973 المتعلق بضبط الوظائف التي يمارسها القضاة من الصنف العدلي.