يوماً بعد يوم، تُثبت مدينة طرابلس أنها مدينة لـ "أهل الخير" يستند فيها الطرابلسي على طرابلسي آخر. وساهمت إنتفاضة 17 تشرين في بروز عدد كبير من المبادرات ضمن أُطُر منظمة لتقديم مساهمة ولو بالحد الأدنى والتخفيف من وطأة الأزمة المعيشية والإقتصادية المتصاعدة.

ويُجمع أصحاب المبادرات بأنّ "الجوع بدأ يطرق أبواب كل الناس، ولم يعُد مقتصراً على الفئات الأكثر فقراً". كما أنّ هذه المساعدات تُساهم في صمود المواطنين بصورة مؤقتة، ولا تُغني عن قيام دولة التكافل الإجتماعي.

 

مبادرة "حياة"

ولدت مبادرة "حياة" من رحم الأزمة الإقتصادية على يد جمعية "دنيا للتنمية المستدامة". وتنطلق المبادرة بحسب منسّقة الجمعية ناريمان الشمعة، من "أننا أمام أزمة إفلاس الدولة وهي أزمة غير طبيعية. وجاءت هذه المبادرة لأننا بتنا في مرحلة  تُعاني أغلبية الأسر من عدم القدرة على تأمين الحاجات الأساسية". وتستند الشمعة إلى "كلام التجار" لتقول بأنّ المخزون لا يكفينا أكثر من شهر والبنوك غير قادرة على فتح إعتمادات للإستيراد، وهذا الأمر يدخلنا في أزمة كبيرة على المستوى الإنساني والخدمات الطبية ومواد التدفئة في الجبال.  

وتتجه المبادرة إلى مساعدة الفئات "الأكثر حاجة في ظل الظروف المقبلة"، وستحاول تأمين المساعدات العينية والمالية بالإضافة إلى المستلزمات الطبية. وتكشف الشمعة أن عدد من فاعلي الخير البيارتة طلبوا بأن تستهدف المبادرة عكار أيضاً، علماً أن الحملة ستتوجه إلى الأفراد والمؤسسات في بلاد الإغتراب أيضاً.   

وبالتالي بدأ عدد من المتطوعات في إحصاء العائلات الأكثر فقراً في عكار، تمهيداً لتوزيع المساعدات عليها، ويحاولن بالتالي لعب دور "صلة وصل" بين المتبرع والمحتاج. وتتخوف الشمعة من نزول الناس إلى الشارع بسبب الجوع، وتؤكّد أن جزءاً كبيراً من المواطنين أصبح في عداد المحتاجين لأن ودائعهم في المصارف أصبحت "حبراً على ورق".

 

"حشود" للدفء

في وسط خيم ساحة النور، تنتشر العديد من المبادرات لدعم الأسر الأكثر فقراً ومن ضمنها حملة "الثورة بتدفي أبنائها" التي أطلقتها مجموعة "حشود". يلفت الناشط ميشال صوان إلى أنّ الحملة قدمّت الملابس والأحذية الشتوية للآلاف من المحتاجين الذين أفقرتهم الطبقة السياسية. وفي أعقاب سقوط مبنى الفوّال في الميناء، قرّرت الحملة التوجّه نحو الأحياء الشعبية، وستبدأ من حي "خان التماثيلي" وهو أحد الأحياء التاريخية في مدينة الميناء، والذي لا تزال الكثير من الأسر تسكنه رغم الظروف الصعبة.

تلقّت الحملة الكثير من المساعدات العينية، ولم تأتِ الهبات فقط من أبناء الشمال. وساهم عدد كبير من أبناء المناطق اللبنانية في تسكين الوجع وألم البرد لعدد كبير من المحتاجين، وتقديم الملابس. ويلفت صوان إلى أن التبرّعات جاءت من مواطنين من كافة المحافظات، ومن بلدات حاصبيا وبلونة والضاحية وجونية جبيل والبربير، ومن أفراد وتجار تواصلوا سوية عبر مجموعات على "واتساب".

كما أمنّت الحملة عبر أحد المتبرّعين، ملابس للنوم لمئة من نزيلات سجن القبة للنساء. ويأمل  صوان بأن تتلقى "حشود" بعض الدعم المالي لتغطية عمليات نقل وشحن الملابس من المناطق إلى طرابلس.

 

سوق الكندرجية بسعر الجملة

لم تتوقف المبادرات عند حدود تقديم مساعدات عينية إلى المواطنين، بل تجاوزتها إلى إتفاق عدد كبير من تجّار ما يعرف في طرابلس بـ"سوق الكندرجية" على بيع الزبائن بسعر الجملة وعدم تحقيق أيّة أرباح إضافية على المبيع.

ويدعو أحد أصحاب المحال مارك مرعب جميع تجار الأسواق إلى المشاركة في هذا الإتفاق الشفهي، لأن من واجب كل فرد في المجتمع المساهمة في تخفيف الأعباء على الناس. ويلفت إلى أنّ الناس يحتاجون إلى تأمين الدفء لأطفالهم من دون منّة من أحد.

 

من طرابلس الى كل لبنان

لم تقتصر المبادرات التي إنطلقت في طرابلس خلال الأيام الأخيرة على دعم أبناء المدينة بل امتدّت إلى غير منطقة. فقامت مجموعة من السيدات بجمع التبرعات لتأمين فرش وتجهيز بيت إحترق في منطقة بحمدون. ودعت الناشطة لارا رفاعي رئيسة مجموعة "معاً للحق" أي شخص أو فاعل خير إلى تقديم ما يمكنه من بياضات منزلية أو فرش لمساعدة أصحاب البيت، مؤكدةً أنّ التواصل بدأ مع سيدات من عاليه، وتم التنسيق بين مجموعة ناشطات من بيروت، والجنوب، وأهالي الفاكهة. وتلفت رفاعي إلى أن المجموعة تعمل منذ سنوات في مجال إصلاح المساكن، وتمكّنت السيدات من إصلاح عشرة بيوت في مختلف المناطق.