بين عامي 2018 و2019 قام الباحث الألماني دانييل ماير والمصوّر الصحافي حسين بيضون بسلسلة رحلات إلى المناطق الحدودية اللبنانية - السورية واللبنانية ـ الفلسطينية المحتلة،  ضمن مشروع بحثي  يدرس طرق معيشة سكان الحدود على تنوّع إنتماءاتهم، ويهدف للإجابة عن السؤال التالي: "ماذا تعني الحياة على الحدود؟"

قدّمت مؤسسة "هينرش بُل" (الشرق الأوسط) معرضاً مخصصاً للمشروع في "دار النمر"، بعنوان "القابعون على الحدود"، ضم مجموعة بورتريهات لأشخاص من سكان هذه المناطق، قام حسين بيضون بالتقاطها، مرفقة بنصوص كتبها ماير عن كل واحد منهم يختلط فيها الشخصي بالعام والسياسي و"تقف في تناقض صارخ مع تجربتنا المعتادة للحدود التي نصادفها مرة فقط عندما نسافر خارج البلاد".

الحدود وفق النص التعريفي للمعرض هي "كيان قائم بذاته يمتلك قوة تأثير على الساكنين قربه إما من خلال تقديم فرص جديدة للعيش أو من خلال خلق قيود تجعل مهمة التطوّر والاستمرار صعبة". تتغير حالة سكان الحدود بحسب علاقة لبنان مع بلدان الجوار، التقلبات السياسية والأمنية، موقع السكان ضمن الحدود وانتماءاتهم الطائفية والسياسية، مع العلم أنّ الحدود مرتبطة بشكل مباشر بالمركز، فهي تهمّش إقتصادياً عندما يكون ضعيفاً، وتتأزّم انتماءات ساكنيها حين تتأزم الهوية الوطنية فيه.

يمثل الأفراد الظاهرون في المعرض المناطق الحدودية الأساسية والمجتمعات المتعددة التي تتقاسمها (لبنانيون وسوريون لاجئون). بشكل عام، لا تظهر الصور حواجز ونقاط حدود، بل تركز على الجانب الإنساني للأفراد الظاهرين فيها، ولولا التعليق المكتوب تحت كل صورة، لما كان المشاهد ليعرف أن الصور مأخوذة في مناطق حدودية.

يبدأ المعرض في النهر الكبير الذي يشكل فاصلاً بين سوريا ولبنان في منطقة العبّودية. استقبلت المنطقة منذ عام 2011 عدداً كبيراً من اللاجئين السوريين، أغلبهم قدموا من مناطق غير بعيدة كثيراً، وقد هجّروا منها بسبب معارضتهم للنظام أو القصف العشوائي، وقرروا البقاء في المناطق الحدودية لأنها تمتلك جغرافيا ونسيجاً إجتماعياً يشبه مناطقهم الأصلية وتعتمد أحياناً على الموارد الإقتصادية نفسها. قدّم المعرض بورتريهات لسوريين يسكنون في العبّودية، عرسال، ومجدل عنجر، بعضهم كان يعمل في نقل البضائع على الحدود أو تخليص المعاملات أو حتى التهريب لكنّهم اضطروا للتوقّف بعد ورود أسمائهم في اللوائح السوداء للنظام السوري بسبب انتماءاتهم السياسية والطائفية.

يظهر في إحدى الصور صديقان خمسينيّان هما يحيى ومعتز، وإلى جانبهما دراجتهما النارية التي تعتبر وسيلة النقل الأكثر ظهوراً في الصور المأخوذة في قرى الحدود الشمالية. الأول جندي متقاعد استهدفت قريته قشلش في سوريا عام 2013 وينقل عنه النص المرفق مع الصورة "لعدة ايام متتالية هرب كل السكان والتجؤوا إلى القرى المجاورة، لكننا سرعان ما استنتجنا أن الهجمات هدفها نشر الذعر بين سكان الحدود كاستراتيجية لمنع تسلل المعارضين". أما معتز، فيملك محلاً صغيراً بمحاذاة مدخل المنطقة الحدودية السابقة في العبودية و"كان يعمل في تسليم جوازات السفر لأصحابها بعد قوات الشرطة، مستفيدا من علاقات عائلته مع الاخيرة" لكن بعد اندلاع الحرب تغيرت الأوضاع ولم يعد، وفقه، يحق سوى "للعلويين التعامل مع السلطات السورية".

تضرر أيضاً اللبنانيون المقيمون في هذه المناطق بسبب إنتماءاتهم الطائفية وميولهم السياسية (مع العلم أنّ هناك لبنانيون في سوريا اضطروا للإنتقال إلى لبنان والعيش في مخيمات اللاجئين بعد خسارة أرضهم وبيوتهم كما هي حال إحدى الشخصيات التي يخبرنا عنها المعرض). فينقل النص المرفق مع إحدى الصور عن ماجد إبن العبودية الذي كان يعمل في مجال الصيرفة والتجارة على الحدود: " قبل اغتيال الحريري كانت الحياة سهلة:  كنا نعبر الحدود دائماً لنشتري المنتجات ونبيعها في لبنان. وصلت إيراداتنا اليومية إلى 300 دولار أميركي لكنْ في العام 2005 وبعد أن أصبحت عضواً في تيار المستقبل وانخرطت في ماكينة التيار الإنتخابية، عرفت أنّ إسمي على القائمة السوداء وبأنّي ممنوع من الدخول إلى سوريا".  استمرّ ماجد في عمله كصرّاف حتى اندلاع الثورة السورية التي قضت على عمله هذا أيضاً. الملفت أنه يتبنّى اليوم خطاباً مختلفاً: "لن أسمح لأي إرهابي أن يخلق مشكلة على الحدود السورية بعد اليوم. من المهم أن نتجنّب أي مشكلة مع النظام السوري، ونحن بحاجة إلى إيجاد اتفاقات جديدة والعودة إلى العمل".

بعد العبودية والنهر الكبير ينتقل المعرض إلى وادي خالد التي تضم 23 قرية  تمتد على مساحة 40 كم مربع "كان معظم سكان المنطقة خلال القرن العشرين غير معترف بهم كلبنانيين أو سوريين. عام 1994 حصل جزء كبير منهم على الجنسية اللبنانية بفضل مرسوم تجنيس" لكن  استمر جزء آخر من السكان كمكتومين للقيد حتى اليوم. شهدت المنطقة عام 2013 ظهور أول نقطة تفتيش للجيش اللبناني في عملية تعرف بـ"إعادة بناء الحدود" وهو مصطلح يشدد على إحكام السيطرة وعملية حفظ الأمان. تعيش المنطقة اليوم على الإقتصاد الذي خلقته المساعدات بعد فترة من الإزدهار الإقتصادي عاشته قبل عام 2011 بفضل موقعها الوسطي بين سوريا ولبنان.

ينطبق اقتصاد المساعدات على بلدة عرسال أيضاً التي كان عدد سكانها اللبنانيين قبل معركة الجيش في جرودها مع المسلّحين، ثلث عدد اللاجئين (120 ألف سوري مقابل 40 ألف لبناني). دفعت المنطقة الضريبة الأكبر للحرب السورية، ليس فقط بسبب توقف التهريب والتجارة الحدودية، بل أيضاً لأنها خسرت لعدة سنوات جردها الذي يعتبر مجالها الحيوي بسبب احتلاله من عناصر "داعش" و"جبهة النصرة".

 يأتي الجزء الأكبر من اللاجئين من القرى المجاورة للحدود التي كانت تشكل منطقة واحدة مع عرسال قبل إنشاء دولة لبنان الكبير. التقى دانييل ماير وحسين بيضون لاجئاً سورياً من قرية يبرود أنشأ جمعية في المنطقة ومجموعة طوارئ لتأمين المساعدات، وأحد أبناء عرسال الذي ينتمي إلى الحزب الناصري ويعمل في الكسارات التي لطالما اعتبرت مورداً اقتصادياً أساسياً لأبناء البلدة.

من القرى البقاعية التي زارها المعرض، القاع، مجدل عنجر، وعنجر. تعتبر الأخيرة ثاني أكبر تجمّع للأرمن في لبنان بعد برج حمود، ويعرفها اللبنانيون كمقر للمخابرات السورية حتى عام 2005. التقى الثنائي ماير وبيضون رساماً أرمنياً يعيش هناك تضيء قصته على إشكاليات أساسية يعيشها أبناء المناطق الطرفية بشكل عام: "علاقتي مع عنجر غامضة. فمن جهة هي مكان أحبه وأعمل به وأرسم. ومن جهة أخرى مكان صغير أحلم بتركه، وقد تركته فعلاً لسنوات قبل أن اعود عام 2011".

عاشت عنجر الحرب السورية بطريقة شبيهة للقاع وقرى أخرى في البقاع، حيث أنشأ سكانها مجموعات مسلحة للحماية، ترأس أحدها صديقنا الرسام. ركّبت البلدية كاميرات مراقبة لرصد أي تسلّل من الحدود، وبفضلها تمكّن سكان البلدة من الإمساك بفارّين، وفق بيرج تمبريان (يعمل في حماية الغابات التي زرعتها البلدية في المنطقة) الذي يعترف بندمه أمام ماير لتسببه بإلقاء القبض على عدد من اللاجئين: "ذات صباح بعد أشهر من اندلاع الحرب في سوريا رأيت أربعة شبان سوريين ينزلون إلى التلة فوق القرية. كانوا لاجئين وتملّكهم الذعر عندما اتصلت بالشرطة. سرعان ما ألقي القبض عليهم ومن المحتمل أنهم رجعوا إلى سوريا. وأنّبني ضميري لاحقاً لتصرفي بهذا الشكل عندما فهمت أنهم كانو يحاولون الهرب من الحرب".

يخبر بيرج قصة أخرى مرتبطة بعابر حدودي ثانٍ: "طرق بابي مرة صديق قديم كان معي في المدرسة. كان هذا الرجل من درعا وشرح بأنه هرب من الجيش عندما واجهه الموت خلال صراع مع جبهة النصرة. كان يحمل إنجيلاً معه لذا خطرت لي فكرة مساعدته بالذهاب إلى بيروت متنكراً بزي كاهن".

هناك تواريخ معينة غيرت حياة أبناء الحدود كلّياً. في حالة الشمال والبقاع يعتبر تاريخ 2011 الأكثر وروداً في الشهادات أما في حالة أبناء الجنوب فتتردد أعوام 2000 و1982 بكثرة على الألسنة، بالإضافة إلى تواريخ أخرى حصلت فيها أحداث خاصة ببعض القرى مثلاً عام 1977 بحالة قرية الخيام التي شهدت مجزرة على يد جيش لحد، كما ينقل المعرض عن أحد رجال المنطقة أبو ياسر الذي شهد المجزرة وخرج من القرية ولم يعد حتى عام 1982. في هذا العام سمح الإسرائيليون بعودة مسيحيي القرية "لكن المختار وهو مسيحي، دافع عن فكرة الهوية المتعددة للخيام وأخبر الإسرائيليين أن السكان لن يعودوا إلّا إذا سُمح للجميع بالعودة، مسلمين ومسيحيين" وفق ما ينقل المعرض عن أبو ياسر.

 بقيت معاناة السكان كبيرة خلال السنوات الأخرى "كان عليّ أن أحصل على تصاريح من رجال لحد عند ذهابي للعمل في النبطية" وهذا لم يكن ينطبق على المتعاملين مع الإسرائيليين الذين كان يسمح لهم بعبور الحواجز بدون أية إجراءات. عدد كبير من الشخصيات التي التقاها ماير وبيضون، يؤكدون على الفارق الشاسع في حياتهم قبل العام 2000 وبعده، لأنهم تخلصوا من الصعوبات في الحركة التي يسببها وجود حواجز كثيرة لجيش لحد داخل الأراضي المحتلة آنذاك، بالإضافة لنقاط العبور الحدودية الفاصلة بين الأراضي المحتلة وغير المحتلة.

المختلف عند الجنوبيين عن أبناء الشمال والبقاع، أن الحدود بالنسبة لهم ليست فاصلاً بين عالمين، بل "نهاية العالم" الذي يعرفونه وبداية عالم آخر لا يشكل استمرارية إجتماعية واقتصادية لمناطقهم. المختلف أيضاً هو علاقة السكان "السلبية" نسبياً مع المجال العام المسكون بالمظاهر العسكرية، ومعرفتهم بوجود عيون تراقبهم بشكل دائم. أكثرية الصور التي أخذها بيضون في الجنوب تظهر السكان داخل فضاءات خاصة وداخلية بعكس صور أبناء الشمال مثلاً التي تظهرهم في الطبيعة أو في أراضيهم الزراعية المتداخلة مع الحدود. ينقل المعرض عن روبرتا الزين إبنة قليعة مرجعيون أنّ الطائرات بدون طيار أصبحت جزءاً طبيعياً من حياتهم لدرجة أن السكان المحليون يتصرفون وكأنها غير موجودة. "أنت تعرف أنك تحت المراقبة لذلك لا تلتقط صوراً للمناظر الطبيعية. فينتهي بك الأمر بالشعور بالحذر من الكثير من التفاصيل".

من الصور الأخرى التي أخذت في الجنوب واحدة لامرأة إسمها كلوديا تظهرها وهي تضع الطعام في المطبخ. تخبر كلوديا عن مشاعر الإغتراب و التهميش التي يعاني منها أبناء الحدود بشكل عام (ما ينطبق طبعاً على أبناء الشمال والبقاع الذين تحدثوا عن تهميشهم اقتصادياً، مع العلم أن بعضهم تحدث أيضاً عن ضرورة وجود أمني أكبر للدولة): "مأساتنا أننا لم نعامل كبشر لا من قبل إسرائيل ولا من لبنان. كان هذا الشعور المسيطر منذ العام 1982 حتى عام 2000 لكن في النهاية استرجعنا حرية التنقل وعدنا لبنانيين مرة جديدة".