إنتهت جلسة محاكمات بعض الشركات والمعامل الملوثة لنهر الليطاني أمام القاضية المنفردة الجزائية في قصر عدل بعلبك لميس الحاج دياب، بتاريخ 19/12/2019، إلى خلاصات أساسية مهمة تمثلت بمحاولة شركة ألبان لبنان إستغلال الوضع الإقتصادي في لبنان للتلويح بطرد عمال وموظفين لاكتساب المزيد من الوقت والمهل الإضافية تهرباً من إتمام تركيب محطات المعالجة والفلاتر الضرورية لوقف تلويثها للنهر وانتشار الروائح الكريهة وبالتالي الإمعان في الإضرار بصحة المواطنين. وبذلك قفزت الشركة عن سنين طويلة من تحقيق الأرباح (منذ 1998، بدء الإنتاج) من دون الإلتزام بقاعدة الملوث يدفع، لتلجأ عند أول تعثر لحل مشاكلها على حساب العمال.

في مقابل هذه المحاولات، ثبتت القاضية الحاج دياب خطوطاً حمراء حازمة معتبرة أنّ "القضاء موجود لمساندة الناس حتّى يصلوا إلى الحقّ، ولا شيء يضاهي قيمة الإنسان"، مؤكدة لألبان لبنان ومعامل الديراني ومزرعة ومسلخ تندر بول للدواجن احتساب أي مهل إضافية في الأحكام التي ستصدر باعتبارها استمرارا لتلويث الليطاني والإضرار بصحة المواطنين والعمال. وبرز أيضاً تصدي الحاج دياب لاستهتار الشركات والمعامل المعنية بصحة العمال وظروف السلامة المهنية رافضة تحميلهم "وضعاً صحياً فوق الوضع الإقتصادي"، وكذلك "مقارنة طعام الأبقار بصحة الناس". (المحرر)

 

تستغلّ الشركات وأرباب العمل الوضع الاقتصاديّ والماليّ لتضع العمّال "كبش محرقة" يُحمّلونهم تبعات الوضع المأزوم بتخفيض رواتبَ وصرفٍ تعسفيّ بمعظمه (وصل إلى 150 ألف حالة صرف حتّى الآن).  وكأنّه لا يكفي عمّال الشركات الملوّثة لنهر الليطانيّ في البقاع وللبيئة بشكل عامّ ما يتعرضون له في عملهم من التعرّض لأزمات صحيّة وأمراض نتيجة التلوّث، حتّى تلوّح شركة "ألبان لبنان"، خلال جلسة المحاكمة أمام قاضية الجزاء في قصر العدل في بعلبك لميس الحاج دياب في 19 كانون الأوّل، بصرف عمّالها مستخدمة حجّة الأزمة الاقتصاديّة وضغط المحكمة عليها لإيقاف جميع أنواع التلوّث (وخاصّة الروائح الكريهة) التي تقوم بها منذ العام 1996.

طلبت القاضية الحاج دياب من مارك واكد صاحب "ألبان لبنان" ووكيله المحامي رامز حمّود أن يقدّما آلية واضحة لإيقاف تلوّث الهواء والروائح المزعجة التي تنبعث من الشركة. تحجّج صاحب الشركة بالأوضاع الحاليّة وبرواتب 700 موظّف وشراء علف للبقر، فاستنكرت القاضية تحميل العمّال "وضعا صحيّا فوق الوضع الاقتصاديّ" ومقارنة شراء طعام الأبقار بصحّة الناس. "ما بدنا نشيل عامل من الشركة" كان ردّ واكد وأضاف المحامي: "خلّينا نطرد موظّفين متل الكلّ، الله يعين الناس" طالبا من القاضية "تخفيف الضغط عليهم" معتبرا أنّ الروائح المنبعثة تعود إلى تأسيس الشركة في العام 1996: "فأكيد الريحة هلّق ما قتلت الناس". اكتفت القاضية بطلب دراسة واضحة و"جواب كافٍ". والجدير بالذكر، أنّ واكد أعلن عن نيّة الوكالة الأميركيّة للتنمية الدوليّة USAID تقديم خبراء للكشف على مصدر الروائح وكيفيّة معالجتها من دون مقابل، أي أنّ الأمر لن يرتّب عليهم أعباء ماديّة إضافيّة.

وقبل هذا الحوار، اعتبر واكد أنّ الروائح هي أمر طبيعيّ في كلّ مزرعة في العالم ردّا على ما قالته القاضية بأنّها لن ترضى بأن يستمرّ تنشّق العمّال لهذه الرائحة خلال عملهم. وأضاف أنّ الروائح تنتشر في محيط المعمل مرّة أو مرتّين في السنة وذلك بحسب اتجّاه الرياح ووجود حرارة مرتفعة، ولكن القاضية قالت، وليس انطلاقا من معلومة شخصيّة بل من معلومة "معروفة في كلّ قرى البقاع" بأنّ الروائح دائمة الإنتشار، متمنيّة على واكد بأن يخصّص ليلة واحدة للتجوّل في القرى المحيطة بالمعمل، ليتأكّد بنفسه من وجود الروائح أو عدمه.

 

الشركات: الوضع الاقتصاديّ مقابل حياة الناس

بدورها، معامل آل الديراني لتصنيع المربيات والمخللات وضعت الأزمة الاقتصاديّة حجّة لطلب مهل جديدة لإنهاء تلوّث الهواء والروائح المنبعثة: "الأكل اليوم مش موجود". وبالطريقة ذاتها ردّت الحاج دياب: "ما في يكون عندي شي بقيمة الناس" بعد تأكيدها على أنّ القضاء موجود لمساندة الناس حتّى يصلوا إلى الحقّ. واعتبر أحد أصحاب معامل الديرانيّ أنّ المزارع في الجرد فلا جيران بجانبها حتّى تتضرّر من الرائحة، فاستنكرت القاضية الجملة الأخيرة: "في عمّال كمان". وعن  تأخّر شركة "تندر بول"، أوضحت القاضية أنّه وبالرغم من الوضع الاقتصادي وقلّة المبيعات، فإنّ الإسراع في إنهاء التلوّث هو واجب على الشركة.

كأنّ قبول العمّال بكلّ ظروف العمل ونتائجة أمرٌ بديهيّ، فلا يهمّ إن تعرّض المواطنون أو العمّال لغازات سامّة، أو روائح كريهة أو تلوّث المياه. وبهذا يضع أصحاب الشركات وخاصّة "ألبان لبنان" ومعامل آل الديراني (تبارك وصدارة والمصنع) أمام ثنائيّة: إمّا التأخّر في إيقاف التلوّث الذي يسبّب بالأمراض ويرفع  نسبة الإصابة بالسرطان في بعض القرى إلى ثلاثة اضعاف المعدل العام في لبنان ومن الأعلى في العالم (بلدة بر الياس مثالا)، وإمّا صرف العمّال. كأنّ ما حصل في الجلسة الأخيرة يظهر أنّ إيقاف التلوّث أو عدم التسبّب به منذ لحظة التأسيس ليس واجبا على الشركات والمصانع القيام به، وأنّ صحّة الناس لا تساوي أهميّة استمرار الإنتاج والأرباح في الشركات.

في جلساتها الثلاث، لفتت القاضية الحاج دياب نظر المدّعى عليهم ("تندر بول" و"ألبان لبنان" ومصانع آل الديراني) بأنّ كلّ تأخّر في إنهاء التلوّث سيرتّب عليهم نتائج مضرّة. فحكم القاضية سيكون على كلّ الفترة التي يكون فيها التلوّث موجودا في المصانع والمزارع: كلّ ما طالت كلّ ما تضرّر أصحاب الشركات.

 

"ألبان لبنان" لن توقف الروائح الكريهة قبل 60 يوما على الأقلّ

ركّزت القاضية على فكرة تقدير "العلم والتعب" خاصّة وأنّ الاستعانة بخبراء كانت ضروريّة لإجراء الكشف على عمليّة المعالجة في شركة "ألبان لبنان"، ولذلك كلّفت الأخيرة بتسديد أتعاب الخبيرين (5 ملايين ليرة) بما في ذلك السلفة المدفوعة سابقا. تحفّظ الأستاذ حمّود مرجّحا تقديم اعتراض يطلب فيه أن تدفع مصلحة الليطاني جزءا من النفقات لأنّها تأخذ صفة المدّعى الشخصي، في حين يرى حمّود بأنّ  لا صلاحيّة للمصلحة بالادّعاء.

صرّح صاحب الشركة مارك واكد بأنّ 23 كانون الأوّل 2019 هو الموعد لشحن جهاز التناضح العكسيّ وسيستغرق 45 يوما حتّى يصل ومن ثمّ أسبوعين تقريبا لتركيبه. وبحسب تقرير الخبيرين المختصّين، فإنّ المياه غير "جاهزة بشكل كامل"، في حين اعتبر واكد أنّها جيّدة للتربة وتغذية الأرض، وأنّها لم تعد تصبّ في الليطاني.

بالنسبة للروائح الكريهة، أوضح المدّعى عليه بأنّها ناتجة عن خزّان يتسع ل 7000 مترا مكّعبا يجري فيه تجميع مياه الصرف الصحّي قبل دخولها إلى محطّة التكرير، ويفترض إغلاقه عبر فلتر بيولوجيّ من شأنه عزل الروائح ( بنسبة 90%). ولكن لن يتمّ إغلاقه قبل تركيب جهاز التناضح العكسيّ مع أنّ القاضية تساءلت عن إمكانيّة تغطيته قبل وصول الجهاز بهدف تخفيف الرائحة، معتبرة أنّ تأجيل إغلاقه سيزيد فترة التلوّث التي ستعتمد عليها القاضية في حكمها. وطالب المحامي  حمّود منح وقت إضافيّ لتأمين خبراء للكشف على الروائح ولتبيان الخطّة التي ستعتمد لمعالجتها، فأرجئت الجلسة إلى 4 شباط 2020، بعدما أكدت القاضية الحاج دياب  أنّ كلّ فترة إضافيّة يستمرّ فيها التلوّث لن تكون في صالح الشركة.

 

معامل الديراني تطالب بمهلة جديدة

خصّصت جلسة معامل الديراني لاستيضاح الخبيرين الدكتورين نادين ناصيف وناجي قديح اللذين أدليا بأنّ مياه الصرف الخارجة من المعمل (قبل عام 2012) كانت تسير في أنبوب لمسافة 1.3 كلم قبل أن تلتقي بمياه شبكة الصرف الصحّي التابع للبلديّة لمسافة 700 متر ومن ثمّ ترمى في مجرى نهر الليطانيّ. الأنبوب ما زال موجودا ولكنّه يستقبل الآن مياه الصرف الصناعيّة المعالجة بيولوجيّا ومياه الصرف الصحّيّ.

اعتبر الخبيران أنّ هناك ثلاثة معايير لتقييم محطّة التكرير وهي:

  1.  "مدى تلاؤم العمليات التي تقوم بها المحطة مع نوع مؤشّرات التلوّث.
  2. مدى فاعليّة العمليّات التي تتمّ في محطّة التكرير.
  3. مدى قدرة المحطة على استيعاب كمية المياه.

ويستنتج من ذلك أنّ محطّة التكرير ملائمة ولكنها تفتقد القدرة على استيعاب كميّة مياه الصرف التي تدخل إليها، وأنّ المياه يجب أن تتعرّض لكمية هواء (أوكسجين) أكثر خلال تواجدها في الخزانات، وذلك من أجل أخذ الوقت الكافي لتخفيض مؤشّرات التلوّث. وكان الدكتور قديح قد اجتمع مع المدّعى عليهم ومع مندوب الشركة التي كانوا يتفاوضون معها لإجراء التعديلات على المحطّة، واقترح المندوب "استبدال توسيع الخزانات بإنشاء نظام تهوئة" عبر جهاز مخصّص لذلك، فاقتنع الخبير بالاقتراح، معتبراً أنه  يجب أخذ عيّنات للتأكّد من صحّة هذا الحلّ. أمّا الدكتورة نادين فقد أكّدت أنّ مراقبة إيقاف التلوّث هي نظام متكامل لا يكتفي بنقطة محدّدة، لذلك يجب مراقبة كل المراحل حتّى بعد تركيب المحطّة. وكذلك، أيّدت الخبيرة جهاز التهوئة والتصفية المشار إليه أعلاه لمعالجة الخلل الموجود، "في حال تركيبه وتشغيله بطريقة سليمة مع وجوب أخذ عينات واضحة مع مراقبة عمل النظام للتأكد من ذلك". وأدلى الخبيران بأنّ هذا الجهاز من شأنه معالجة مؤشّري الحاجة البيولوجيّة للأوكسجين والحاجة الكيميائيّة وهما أهمّ مؤشرّات التلوّث.

لا تغيب الروائح عن معامل الديراني، فأوضح الخبيران أنّ روائح كريهة تخرج من محطّة التكرير وأنّ ثلاثة مولّدات كبيرة يصدر منها انبعاثات يجب فحصها (ويمكن إيقافها عبر فلتر بيولوجيّ يوقف الانبعاثات وهو متواجد في لبنان). وبحسب الخبيرة ناصيف نقلا عن مهندسة أشرفت على المحطّة، فإنّ الروائح مزعجة للسكّان وللعمّال.

هنا أوضح المدّعى عليهم أنّهم مستعدّون لتركيب الفلتر الذي من شأنه معالجة الروائح، وأنّهم استبدلوا المولّدات بمولّد ضخم، مع الاحتفاظ بالثلاثة للاستخدام في حال الضرورة، مؤكّدين وجود "فلاتر" على جميع المولّدات. وهم مستعدّون لتركيب عدّادات تقيس المياه الداخلة إلى المحطّة والخارجة منها. ولكنّهم لن يركّبوا العدّادات والفلتر إلا بعد تركيب الجهاز الذي من شأنه تأمين التهوئة اللازمة. وطالبوا بمهلة شهرين بحجّة تأمين العدّادات والفلتر والبحث عنهم في الخارج (ولفتت القاضية نظرهم إلى أنّ الفلتر البيولوجيّ موجود في لبنان بحسب الخبير قديح). أمّا نظام التهوئة، فسيبدأ شحنه في 24 كانون الأوّل 2019 مستغرقا 50 يوما ليصل إلى لبنان، و10 أيّام لتخليصه ومن ثمّ شهرين لتركيبه. ولذلك، أرجئت الجلسة إلى 4 شباط 2020.

 

معمل "تندر بول": قضيّة إنهاء التلوّث لم تعد تحمل تأجيلا

أظهرت نتائج فحوصات وزارة الصناعة استمرار تلّوث المياه الخارجة من محطّة التكرير المركّبة حديثا لعمل تندر بول. وصرّح صاحب الشركة المدّعى عليها بأنّ إحدى شفرتي الجهاز الذي يقوم بدفع المياه كانت مكسورة ولم يُتدارك أمرها قبل أخذ العيّنة من قبل وزارة الصناعة. ولكن، بحسب الشركة، فقد تمّ إصلاحها ولكن ليس عبر الشركة التي ركّبت محطّة التكرير. فطلب وكيل مصلحة الليطانيّ المحامي علي عطايا إعطاء الشركة مهلة أخيرة على أن يُكشف على محطّة التكرير قبل أخذ عيّنة جديدة، ومنحت  القاضية أسبوعا واحد لإجراء كشف على محطّة التكرير، ومن ثمّ تأخذ وزارة الصناعة عيّنة أخيرة، لأنّ القضيّة لم تعد تحمل تأجيلا أو مهلا إضافيّة، طالبة من الشركة عدم الاستخفاف بالتأجيل الذي يحصل. وأرجئت الجلسة إلى 4 شباط 2020.