انقسم المتحدثون عن العدالة الانتقالية والمهتمون بها في تونس إلى شقين متقابلين. عدّ الأولون المصادقة على قانون العدالة الانتقالية ومن بعده إرساء هيئة الحقيقة والكرامة وتركيز الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية نجاحا في معالجة ملفات الماضي وعنوانا لاختراق هامّ في تفكيك منظومة الفساد ومدخلا لمحاسبة من ضلع فيها. وسخّروا جهودهم لمساندة المسار والضغط على السلطة منعا لاستهدافه وطلبا لاستحقاقاته، فكانوا بذلك أنصارا لا يكتفون برفض النقد بل يتجاوزونه للتصدي للمنتقدين. بالمقابل، تمسك الشق الثاني بنفي كل مسوغ لعدالة انتقالية بعدما عدّوا التقليب في صفحات الماضي استهدافا للدولة الوطنية ورموزها وكان أن تصدى هؤلاء كل منهم من موقعه لسبب الفتنة هذا بما أوتي من جهد وسلطة. وقد ذهبوا أبعد من ذلك في اتجاه اتهام الضحايا بوضع اليد على موارد الدولة، ليلبسوا الضحية صفة ناهب المال العام مقابل تظهير المرتكب بالوطني الذي خدم الوطن.

لم يكن سهلا في هذا المخاض المتشنج الذي حكمه منطق الولاء والعداء أن تعلن مساندتك للعدالة الانتقالية فتحتفي بالانتصار لحقوق الضحايا ولقراءة نقدية  لسردية التاريخ الوطني بأحداثه وشخوصه وتساند المحاسبة ولكن تختار بشكل واع ألا تكون في صفوف الموالين لأن لك تحفظات على خطابهم وعلى المسار الذي أحالوه لنطاق المقدس. كما كان صعبا أن تعارض ما تقدر أنه نقائص وتحذر من الخلل وتتمسك في ذات الحين برفض كل استهداف لقيم العدالة الانتقالية وكل محاولة لتكريس ثقافة اللامحاسبة فتكون حريصا على التمايز مع الخطاب المنتقد وأنت تنتقد.

كانت هذه هي حال المفكرة التي التزمت بالقيمة والفكرة فباركت مصادقة نواب الشعب على القانون الأساسي للعدالة الانتقالية وعدّت ذلك عنوان نجاح في تحقيق الانتقال الديمقراطي. ولم يمنعها هذا الالتزام من التعبير عن هواجس وتخوف من مكامن خلل قدرت أن التنبيه لها في حينه قد يسمح بإصلاح يسرّع الخطى نحو النجاح. فكانت في حينها أوّل من نبّه للإشكاليات الحقوقية التي تطرحها اجراءات الدوائر القضائية المتخصصة لجهة إخلالها بقواعد المحاكمة العادلة. كما كانت أول من انتقد التساهل مع أصحاب المال الذي تضمنه القانون وتخوفت من أنه يؤدي لأن يستعيد هؤلاء بعد المصالحة السلطة بفعل قوة المال. كان فريقها حينها يأمل أن يصل مقالها لمن كانوا قادرين على الإصلاح، علّ التجربة تستفيد من رأي مساند للعدالة الانتقالية في مجمل أبعادها، إلا أنه بدا أن التقليل من شأن هذه الاعتراضات ووضعها في خانة استهداف العدالة الانتقالية أسهل وأيسر من العمل على تصويب مسار العدالة الانتقالية تعزيزا لحظوظ نجاحها. لكن هذا لم يحصل.

تاليا، وبعد انتخابات 2014 وما كشفت عنه نتائجها من صعود لافت للقوى المناوئة للعدالة الانتقالية ومؤسساتها، حرصت "المفكرة" على أن تكون في صفّ أصحاب الحق أي صفّ المطالبين بإنجاز الاستحقاق، الرافضين لأي محاولة للانقلاب عليه. فكانت منصّة للدعوة للعدالة الانتقالية والاحتفاء بانتصاراتها والدعوة للتعجيل في خطى مسارها. كما كانت الفضاء الذي تكلم فيه ضحايا الانتهاكات من دون قيود عن سابق معاناتهم وحاضر مطالبهم وما يحلمون به لمستقبل بلدهم وأبنائهم. لكن هنا مرة أخرى، لم يمنع هذا الموقف المبدئي فريقها من رصد التجاوزات التي صدرت عمّن تكفلوا بإدارة مسارات تلك العدالة ومن التنبيه لما قد يؤدي إليه تقصيرهم وسوء أدائهم من نتائج سلبية. كانت "المفكرة" ترجو أن تكون قراءتها دافعا للإصلاح وسببا في منع التمادي في الأخطاء، لمن هنا أيضا، أتى الجواب بصيغة اتهام بالتآمر لفائدة المنظومة المناوئة للعدالة الانتقالية والتواطؤ مع النقابات الأمنية. وصدرت بيانات عدة للتحذير من خطورة خطابنا. فكأنما يراد حلّ الإشكالات والأخطاء من خلال حجبها أو من خلال التجريح بمشروعية من يثيرها.

بعد نشر التقرير النهائي لعمل هيئة الحقيقة والكرامة ومباشرة عمل الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية، وما يظهرانه من نتائج غير مرضية على صعيد مختلف مجالات العدالة الإنتقالية ينتظر أن تتبلور وتصبح أكثر وضوحا في الفترة القادمة، ثبت صواب توجّه المفكرة كما ثبت بالقدر نفسه ضرورة إجراء مراجعة نقديّة لما تحقّق استشرافا لما يتعين علينا تحقيقه. لهذه الغاية، جاء هذا العدد ليعيد جرد أهمّ محطات العدالة الانتقالية تمهيدا لتصويب مسارها مستقبلا، بما يواكب بدء العهدة الجديدة لمجلس نواب الشعب. وفي هذا الإطار، يجدر إعادة طرح السؤال حول الحقيقة والانتهاكات والمنظومة الاستبدادية، وبخاصة عمل التذكر الذي حققته تونس ومآلاته. فما هي الانتهاكات التي نجحنا في توثيقها وتحليلها وفهمها؟ وما هي الذاكرة التي تنبثق عن هذه الأعمال لتشكّل خارطة طريق لتحقيق مسار الانتقال الديمقراطي؟ وتفصيليا، نسجل الاستنتاجات والأسئلة الآتية:

  • فيما نجحت الهيئة في توثيق عدد من المحطات، فإن قراءاتها غالبا ما عكست سردية الضحايا من دون بذل الجهد الكافي لمقارعتها بسرديّة الجهات المرتكبة، والتي غالبا ما بقيت على هامش عمل التذكّر. فأهمية التذكر تكمن ليس فقط في توثيق ممارسات الديكتاتورية بشكل موضوعي، إنما السعي إلى استنباط الأبعاد وبخاصة المنزلقات الإنسانية تمهيدا لفهمها ومنع تكرارها. وبقدر ما يكتمل فهم الماضي في كل أبعاده، بقدر ما تتحفز الجهة المرتكبة للاعتذار والتكفير عن ذنوبها، وبقدر ما نحمي الضحايا إزاء أي عصبية أو تنمّر قد تنشأ ضدّهم وبقدر ما نقترب من إنجاز مصالحة حقيقية. بل بما لا يقل أهمية، أن التذكّر بهذا المعنى يبقى حاجة ماسة لتوحيد الذاكرة والحؤول دون نشوء ذاكرات فئوية تقسم ولا تجمع. ولعل المدخل الرئيسي لاستكمال العمل المنجز حتى الآن أو تصورنا عن الماضي، هو اتخاذ الاجراءات الكفيلة لتحفيز عدد كبير من المرتكبين (وبالأخص ممن هم الأقل خطورة) على التحدث من تلقاء أنفسهم، بجدية ومن دون مواربة عن مظالم الماضي وتعطيل ما من شأنه ثنيهم عن ذلك. هذا دون الحديث عن وجوب اتخاذ التدابير الضرورية لحماية أرشيف الهيئة ووضعه بمنأى عن الضياع أو التهريب. وإسهاما في إغناء هذا العمل، ننشر في هذا العدد شهادة أكثر تعقيدا لأحد الشهود الهامّين للصراع الحاصل بين النهضة ونظام بنعلي في السنوات الأولى لعهدته وهي شهادة تتميز في الانعتاق من فرضية تنزيه الضحية عن أي خطأ أو شيطنة الجلاد بالمطلق.
  • أن هيئة الحقيقة والكرامة أقرّت أنها أغفلت بفعل كثرة مشاغلها وقصر ولايتها، ما تتطلبه العدالة الانتقالية على صعيد إصلاح المؤسسات وأنها اكتفت بإحالة عدد من القضايا التي وثقتها للمراجع والهيئات القيمة على هذه المؤسسات. ومن هذا المنطلق، بدا عمل التذكر الذي قامت به الهيئة منفصلا عما يفترض أن يكون أهم مخرجاته: إصلاح المؤسسات مستقبلا وتطهيرها من عناصر ثبت تورطهم في انتهاكات جسيمة وكما تطهيرها من قواعد عمل وممارسات غالبا ما شكلت أداة مسهلة لهذه الانتهاكات.
  • أن جبر ضرر الضحايا يبقى استحقاقاً مُرجأ. وهذا الأمر يتأتى ليس فقط عن قلّة الموارد المتوفّرة والإرادة السياسية الملتبسة في تخصيص ما أمكن منها لهذه الغاية أو الخلل الحاصل في تحديد قوائم الضحايا، إنما أيضا في نشوء مواقف فئوية تعمد إلى تصغير معاناتهم أو استسخافها. فلا ننسى أن جبر ضرر الضحايا يرمي قبل أي شيء آخر إلى تأكيد إقرار الدولة بالمظلمة التي تعرضوا لها وخشوعها أمامها، وهو يشكل من هذه الزاوية تكليلا للإقرار بالمظلمة وليس بديلا عنه.
  • أن ثمة سؤالا كبيرا يطرح بشأن مدى جدية الجمهورية الثانية في مقاربة الفساد المالي واسترداد الأموال المنهوبة في ظل الفشل المدوي في هذا الخصوص وضآلة عدد الملفات التي تم حسمها أو تحقيق أي إنجاز فيها. وقد تجلى هذا الأمر بوضوح من خلال تضارب المعلومات بما يتصل بإدارة هذا الملف من قبل هيئة الحقيقة والكرامة أو حتى من قبل الهيئات القضائية والإدارية المختصة.
  • أخيرا، كيف يجدر مقاربة مبدأ محاسبة جرائم الماضي على ضوء ما تقدم؟ وكيف توازن تونس بين هذا الهدف وسائر أهداف العدالة الانتقالية، وبخاصة لجهة وجوب تحفيز المرتكبين على الإدلاء باعترافاتهم بشكل صريح ووافٍ؟ وأخيرا، وعلى فرض تغليب هدف المحاسبة كليا أو جزئيا، كيف نضمن حصول المحاكمات، جلّ المحاكمات، وفق مبادئ المحاكمة العادلة، وبخاصة في ظل العيوب الملازمة لتنظيم الدوائر والتي سبق للمفكرة أن نبهت مرارا لخطورتها؟

يظن البعض أن مشروع العدالة الانتقالية في تونس وصل إلى محطته الختامية. دليلهم على ذلك أن القانون قال ذلك وأن الخبراء الأجانب الذين كانوا يحجون إليها ويدلون بدلوهم في تصور ما يجب أن تكون عليه غيروا وجهتهم واتجهوا لبلدان ربيع أخرى ليتحدثوا عن نجاحات تجربة تونس وفضلهم فيها. يحبس هؤلاء نظرهم في مخرجات عمل هيئة الحقيقة والكرامة ويقولون أن كل ما هو مطلوب الآن إتمام ما خلصت إليه. للأسباب التي بيناها في هذه المقدمة، تخالفهم المفكرة الرأي وتدعو كل مريد للعدالة إلى المثابرة معها على السير في المسار الطويل علاجا لمجتمع يعاني من أمراض مستفحلة، وأملا بثمر قرب نضجه.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الحقيقة والكرامة في أفق جديد

  •  لقراءة ملحق العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |  اضغطوا على الرابط أدناه:

ملحق العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية: حكاية من الماضي برؤية مستقبلية

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Truth and Dignity in Tunisia: The Journey Continues