قبل أيام، أصدرت قاضية الأمور المستعجلة في بيروت كارلا شواح (3/1/2020) قرارا بقبول دعوى مودع ضد مصرف، بعدما اعتبرت أن أي تضييق على حركة الرساميل بإرادة المصرف المنفردة تبقى تعسفية وغير قانونية. وفي مطلع هذا الأسبوع (7/1)، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في النبطية أحمد مزهر قرارا جديدا في قضية مماثلة. وهو القرار الثالث الذي يصدره مزهر لمصلحة عميل أحد المصارف بما يتصل بالضوابط المفروضة على حقه بالتصرف بودائعه لدى هذا الأخير أو ما بات يسمى ب "الكابيتال كونترول". وكان مزهر أصدر قراريه السابقين تباعا بتاريخ 25/11/2019 (تمكين مودع من سحب أمواله نقدا من المصرف) وبتاريخ 19/12/2019 (إلزام مصرف بتسديد سلفة لمودع على حساب حقه لديه). وفيما وصف إعلاميون عدة مزهر بالقاضي الشجاع تبعا لقراره الأول، فإنه من اللافت أنه ضمّن حكمه الجديد حيثية حول فهمه للوظيفة القضائية والتي تفرض عليه التصدي ل "الكابيتال كونترول" (أو ما أسماه الكابيتال كونترول غير الرسمي informal)، وكأنه يردّ على الانتقادات التي يحتمل أن تكون وُجّهت إليه تبعا لقراره السابق أو يستبق أيّ انتقاد قد يوجه إليه تبعا لقراره الجديد.

وقبل المضي في تحليل الحكم، يلحظ أنه حمل عنوان "كابيتال كونترول" قرب الخانة المخصصة لترقيمه. وهذا الأمر يعني أن هذا النوع من الدعاوى المستجدّة فرضت نفسها في العدلية لدرجة استدعت تصنيفها ضمن فئة خاصة. وعلى الأرجح، هي فرضت نفسها ليس فقط بفعل كميتها (وهو أمر لا تتوفر لدينا أرقام واضحة عنه حتى الآن)، إنما بفعل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية، بخاصة بما تضعه من مسؤولية جمة على القضاة في النظر في قانونية ممارسة باتت محورية في ظل الأزمة الحاضرة. يلحظ في السياق نفسه أنها ربما تكون المرة الأولى التي يطلق فيها تسمية أجنبية على فئة من الدعاوى القضائية، مما يؤكد ثقلها وقوة حضورها.

 

مزهر يذكر بوظيفة القاضي ويضع السلطات الأخرى أمام مسؤولياتها

في قراريه السابقين، بقيت حيثيات القاضي مزهر تقنية صرف، بمعنى أنه أثبت أحقية المطالب المقدمة إليه بالرجوع إلى النصوص القانونية في قانون التجارة أو قانون الموجبات والعقود، من دون أن يستشعر حاجة لأي إضافة بشأن طبيعة الوظيفة القضائية. في هذا القرار، انتهى مزهر في ختام قراره إلى التذكير بفهمه لوظيفته معتبرا ذلك أمرا ضروريا لا مفرّ منه. فكأنما التذكير بهذه الوظيفة يشكل جزءاً لا يتجزأ من الحكم وليس مجرد عبارات وردت في معرضه أو على هامشه. وبتحليل العبارات المستخدمة، يظهر أنها حملت ثلاثة أبعاد، كلاها يشكل سندا للخلاصة التي توصل إليها القاضي,

  • البعد الأول، يتمثل في الفهم التقليدي للوظيفة القضائية وهو الفهم القائم على واجب القاضي في تطبيق القانون. بهذا المعنى، تتمثل الوظيفة القضائية في "تطبيق القوانين ومنع خرقها والحفاظ على الحقوق العامة والخاصة وحماية الأموال والممتلكات". ونستشفّ من هذه الحيثية تأكيد القاضي على أن أي قاض ينظر في قضية مماثلة يفترض أن يتخذ موقفا مماثلا لما خلص إليه، طالما أن القانون واضح في عدم قانونية الكابيتال كونترول المفروض بإرادة المصارف وحدها وهو لا يترك مجالا لأي اتجاه أو حلّ آخر. بهذا المعنى، يشكل التسليم بقانونية الكابيتال كونترول بالمقابل خروجا عن القانون وتاليا عن الوظيفة القضائية وتواطؤا مع المصارف ورضوخا لمشيئتها. فوفق قانون الموجبات والعقود، لا يمكن للمصارف التبرؤ من تنفيذ موجباتها إلا في حال توفر عناصر القوة القاهرة، وهو أمر غير متوفر في الظروف الحاضرة. وهو بذلك استعاد ما خلصت إليه القاضية شواح حين أكدت عدم امكانية تذرع المصرف بالأزمة في ظل عدم توفر هذه العناصر وتحديدا لجهة "تعرض المصرف لحدث أجنبي لا يقبل الدفع وغير متوقع". كما أثنى مزهر ضمنا على ما خلصت إليه شواح من خلال التأكيد على أن "الكابيتال كونترول" في حال توفر مبرراته الاجتماعية، "لا يتم إلا بموجب تشريع واضح وصريح أو قرارات تنظيمية صادرة عن الهيئات المختصة بالإستناد إلى قوانين واضحة تفرض تلك القيود أو الضوابط". من هذه الزاوية، نفهم جيدا أن تمسك القاضي بحياديته القانونية جاء في موازاة دعوة "سائر السلطات الأخرى... القيام بواجباتها". ونفهم من كل هذا أن القاضي ينبّه إلى ضرورة فهم الأدوار الاجتماعية والمؤسساتية جيدا: ففيما يتحتّم عليه هو كقاضٍ أن يتصدى للكابيتال الكونترول غير القانوني عملا بمقتضيات وظيفته، على من يريد فرض كابيتال كونترول أن يقبل بذلك ويمتنع عن أي ضغط عليه وأن يتوجه بالمقابل للهيئات التي يكون لها اختصاص اتخاذ القرارات التي تراها ملائمة في هذا الشأن.
  • البعد الثاني للوظيفة القضائية نستشفه من عبارات أكد فيها القاضي مزهر على حيادية القاضي في تطبيق القانون، والتي غالبا ما تتطلب منه ليس فقط التجرد ولكن أيضا التصدي لكل الضغوط والتدخلات التي قد تثنيه أو تردعه عن ذلك. وهذا ما نقرأه في عبارتين بالغتي الدلالة. الأولى، ورد فيها أن على القاضي أداء وظيفته (تطبيق القانون) "دون مراعاة لقوة هنا أو تجمّع هناك، لأن وظيفة القاضي كانت وستبقى إقامة العدل وإحقاق الحق، دون أي اعتبار آخر"، أو أيضا أن وظيفة القاضي تقوم على "حماية الطرف الضعيف وإدراك اللهيف وأخذ الحق من الظالم للمظلوم". وهذه العبارات تفهم بالدرجة الأولى على أنها تأكيد على أهمية تمسك القاضي باستقلاليته وبخاصة في الدعاوى التي تتصل بحقوق هذه الفئات الأخيرة. فالضغوط التي قد تمارس على القضاء لدفعه في اتجاه مخالف للقانون هي الضغوط التي يمارسها إجمالا الطرف الأقوى ضد الطرف الأضعف، وهي الضغوط التي يلمّح القاضي في قراره إلى احتمال ممارستها من جمعية المصارف وفق ما نستشفه من تعبير "من دون مراعاة لقوة هنا أو تجمع هناك".
  • أما البعد الثالث، والذي يشكل حجة إضافية للتدخل لحماية حقوق "المودع"، فمفاده أن هذا الأخير "هو الطرف الأضعف المستوجب الحماية في إطار التعامل المصرفي في مقابل المصرف أو جمعيات المصارف القادرة على تحمل الظروف الاقتصادية أكثر من العملاء والزبائن والمواطنين". هذا البعد يعزز ما سبق بيانه: فالمطلوب من القاضي ليس فقط تطبيق القانون والتصدي لأي تدخل أو ضغط لثنيه أو ردعه عن ذلك ضمانا للمساواة أمام القانون، بل عليه أيضا أن يوازن بين المصالح المتضاربة أمامه، في اتجاه تغليب مصالح الأطراف الأضعف أي مصالح الجهات الأقل قدرة على مجابهة تبعات الأزمة. ويعكس الحكم من هذه الوجهة اتجاها في استخدام القاعدة القانونية لإعادة التوازن إلى العلاقات الاجتماعية كلما اختل التوازن الواقعي فيها بشكل جسيم كما يحصل الآن بين المصارف والمودعين. وهذا البعد إنما يأتي بمثابة ملاحظة ترشيدية للتوجه الذي يقترح القاضي على السلطة العامة المختصة اتخاذه عند الموازنة بين المصالح المختلفة في أي حل قد ترتئيه للأزمة (وبخاصة في حال اللجوء إلى قص الشعر haircut) أكثر مما يأتي في سياق تعليل الحكم. ومؤداه تغليب مصالح المودعين (ونفهم المودعين الأقل قدرة أو المودعين الأضعف وعمليا صغار المودعين) على المصارف وكبار المودعين الذين لهم قدرات أكبر لتفادي تبعات الأزمة.

 

Informal capital control

بالعودة إلى موضوع النزاع، تضمّن الحكم مجددا حيثيات تؤكد ما ذهب إليه حكم شواح سابقا وكذلك بيان نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف. ويلحظ هنا أن القرار لم يكتفِ بتعريف هذا المفهوم الذي هو "مجموعة من الإجراءات ... للحدّ من تدفّق رأس المال الأجنبي داخل وخارج الاقتصاد المحلي بهدف تنظيم التدفقات المالية وتشمل فرض الضرائب والتشريعات والقيود على حجم القوى الموجودة في السوق المحلي وعلى السحوبات النقدية اليومية عبر البنوك والتحويلات النقدية ومدفوعات البطاقة الائتمانية خارج الدولة" (العبارات وردت كما هي في الحكم)، بل انتهى تبعا لذلك إلى وضع الأصبع على أحد أشكاله وهو تحديدا الشكل غير الرسمي Informal capital control وهو الشكل الذي يظهر أن جمعية المصارف تفرضه من تلقاء نفسها، بغياب أي نص قانوني.

انطلاقا من ذلك، ذكر القاضي بثلاثة أمور:

الأول، أن إعمال الكابيتال كونترول إنما يشكل بعمقه ضابطا على حق الملكية وتسلط الفرد على ملكه. وتاليا (وهذا ما نقرأه ضمنا حتى ولو لم يذكره الحكم صراحة) فإن إعماله يشكل مسا بأحد الحقوق المكفولة دستوريا.

الثاني، أن أي قيد على هذا الحق (الدستوري) "لا يمكن أن يتم إلا بموجب تشريع واضح وصريح أو قرارات تنظيمية صادرة عن الهيئات المختصة بالإستناد إلى قوانين واضحة تفرض تلك القيود أو الضوابط". وهذه النتيجة طبيعية طالما أن حق الملكية هو حق دستوري، مما يفرض أن تقييده لا يتم إلا بموجب قانون وطبقا لمبدأي الضرورة والتناسب. ويسجل هنا أن القاضي مزهر ردّ ما أثاره المصرف لجهة أن مصرف لبنان فرض بتعميم على المصارف تقييد حركة الرساميل، على أساس أن التعميم إنما "أشار إلى وجود ظروف استثنائية في البلاد ولكنه لم يأت ِعلى ذكر منع التحويل المصرفي الدولي من قريب أو بعيد ولم يمنع المصارف من القيام به". وتبعا لذلك، خلص القاضي إلى "وجوب رد إدلاءات المدعى عليه الرامية إلى استنباط ما لا يمكن استنباطه من التعميم المذكور". وقد عزز القاضي مزهر موقفه في هذا المضمار باشتراط أن تكون القرارات الصادرة بهذا الشأن صريحة وواضحة (لا ضمنية) معتمدة بذلك مبدأ الشفافية. وهو بذلك اتخذ موقفا مماثلا لموقف القاضية شواح التي رأت من جهتها "أن مواقف الحاكم العلنية تناقض تماما ما تذرع به المصرف المدعى عليه لجهة وجود تنسيق تام بين الحاكم وجمعية المصارف لتقييد حق التصرف بالودائع"، طالما أنه أعلن في مؤتمر صحافي "مبدأ الكابيتال كونترول مع نفيه نفيا قاطعا أي نية باللجوء إليه".

الثالث، وهو نتيجة طبيعية لما تقدم، أن أي كابيتال كونترول غير رسمي informal يكون حكما تعسفيا وغير قانوني.

 

خلاصة

بالنتيجة، نلحظ تزايد المواقف القضائية في إدانة ممارسات الاستبداد الجائر وغير القانوني للمصارف في حجز الأموال المودعة لديها وفي وضع السلطات العامة سواء حاكم مصرف لبنان أو المجلس النيابي أمام مسؤولياتها. هذه المواقف تؤكد طبيعة هذه المعركة: إنها معركة دولة القانون ضد قوى الأمر الواقع. الكل مطالب طبعا أن يضع ثقله لكسب هذه المعركة.