شهدت مدينة صيدا صباحاً مرتبكاً بعد ليلها الصاخب. فعلى الرغم من إعلان "حراك طلاب صيدا" اليوم نهار إضراب وعصيان مدني، لم يلبِّ سوى عدد قليل من الطلّاب الدعوة. وشاركوا مع متظاهري حراك صيدا في مسيرة جابت شارع المصارف وتوقفت عند البنوك ومحلات الصيرفة لإغلاقها وعند مصرف لبنان للتظاهر أمام مدخله.

وعمّت الزحمة شوارع صيدا نتيجة استمرار قطع الطريق عند "تقاطع إيليا"، إحدى الطرقات الأساسية في المدينة، منذ مساء أمس الإثنين.

ولم تستطع المدينة إخفاء آثار العصيان في عدد من شوارعها الأساسية والفرعية. فبراميل النفايات المقلوبة ما زالت متروكة على جانب الطرق، وآثار الإطارات التي أشعلت أمس ما زالت واضحة، والخيمة الكبيرة التي نصبها المعتصمون في ساحة إيليا كلها وشت بليل "ساخن".

ليلة حامية في ساحة إيليّا

تحوّلت ليلة التظاهر أمس التي بدأت عفوية وسلمية من خلال المسيرات الشعبية والتجمّع في "ساحة إيليا" إلى إحدى أكثر الليالي توتراً في المدينة منذ بدء الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول الماضي. فسلمية المتظاهرين ما لبثت أن تحوّلت إلى "غضب" عارم بعد ما صدّ عناصر الجيش توسّع المتظاهرين في الساحة "بشكل وحشي"، على ما يصف أحد الشبان الذي تعرّض للكمة في ظهره ورأسه. فسقط على أثر ذلك حوالي 10 جرحى في صفوف المنتفضين ثلاث منهم نقلوا إلى المستشفى.

يقول أحمد (إسم مستعار) أحد الناشطين، غاضباً في حديث لـ"المفكرة"إنّ "إحدى الجرحى هي مسعفة كانت تحاول مساعدة أحد المصابين فطالتها لكمة على رأسها". وبحسب رواية شهود عيان، صدّ عناصر الجيش المتظاهرين في ساحة إيليا أثناء استقبالهم لوفد من الثوار الذين كانوا قادمين إلى الساحة من منطقة "القياعة" سيراً على الأقدام. يقول الناشط عزّام (إسم مستعار) "أصرّ عناصر الجيش على إبقاء مسرب واحد لمرور السيارات بينما أدى توسّعنا عدديّاً إلى قطع كل الممرات، فهاجمنا العناصر من أجل الحد من توسعنا وتعرّضوا لنا بالضرب".

وعلى إثر انتشار مقاطع مصوّرة وثّقت لحظة "هجوم" العناصر على المتظاهرين والتي أظهرت التعاطي العنيف لعناصر الجيش مع المتظاهرين والمصابين، توافد عدد كبير من المتظاهرين إلى "ساحة إيليا".

وعبّر الثوّار عن غضبهم من خلال نصب خيمة كبيرة وسط الساحة لإعلانها ساحة مغلقة، بالإضافة إلى قطع طرقات فرعية وإغلاق مؤسسات عامة كمؤسسات مياه لبنان ومؤسسة كهراء لبنان بالجنازير الحديدية، ما أدى إلى مواجهة ثانية بين عناصر الجيش والثوار واعتقال حوالي 5 شباب في شارع المصارف المقابل لـ"ساحة النجمة" بعد ضربهم في الطريق، كما وثّقت مقاطع فيديو.

يقول أحمد إنّ عناصر الجيش أوقفوه لكنّه استطاع الإفلات منهم "أما أصدقائي، فأوقفوا في ثكنة زغيب ونالوا قسطهم من الضرب قبل أن يفرجوا عنهم صباحاً".

يشارك أحمد (25 عاماً) في التظاهرات في صيدا منذ أيامها الأولى وهو، على الرغم من تراجع أعداد المتظاهرين في "إيليا" خلال الشهر الأخير بشكل ملحوظ، لم يتراجع يوماً عن التظاهر لا بل الشغب في بعض الأحيان. يسأل أحمد "لم يضربوننا؟ نحن لسنا ضد الجيش لكننا ضد القمع ونريد من الجيش أن يحمينا".

فكغالبية الشبان الذين يشاركون في قطع الطرقات والتظاهر، يخفي أحمد خلف قدرته على "تحدّي" قوى الأمر الواقع خيبات تفوق سنواته الـ25. فهو لم يتمكّن من إكمال تعليمه الجامعي ولم يتمكّن من نيل وظيفة في إحدى المؤسسات العامة لأنه "لا واسطة لي". وهو يعمل في أكثر من مهنة، ومنها التصوير، من أجل تأمين مصروفه. ويؤمن أحمد أنّ قطع الطريق هو من أفضل الأساليب لـ"خنق السياسيين والضغط عليهم من خلال تعطيل أعمالهم"، كما يقول.