أدّت الأمطار الغزيرة التي هطلت في لبنان إلى انهيار أجزاء من الأقبية العثمانية في دير القديسة صوفيا الأثري في مرج بسري، مما دفع الحملة الوطنية للحفاظ على مرج بسري إلى رفع الصوت بوجه وزارة الثقافة التي تعتبرها المسؤولة عما حصل بسبب "أعمال التنقيب التي قامت بها (والتي) لا تستوفي المعايير المطلوبة".

كانت مديرية الآثار التابعة لوزارة الثقافة قد بدأت في الصيف بأعمال تنقيب بمحاذاة الدير، وقد اعتبرت الحملة أنّ عمليات التنقيب غير سليمة، وفي آب 2019 أرسلت كتاباً للوزارة تُحذر فيه من الضرر الذي قد ينتج عن طريقة قيام المديرية بالأعمال، إلا أن الأخيرة لم تقم بأي إجراء لحماية الدير. وعند أول عاصفة ضربت لبنان، انهارت أجزاء من الأقبية، فتدمرت غرفة بأكملها، وشوهت معالم الدير الذي صمدت أساساته طوال عقود.

ونهار الأحد في 12 كانون الثاني كان الأهالي على موعد مع الاعتصام مجدداً في بسري. كان الاعتصام يتركّز على محورين أساسيين، الأول أنه بحسب معلومات وصلت للحملة الوطنية للحفاظ على مرج بسري، فإن أعمال إنشاء السد قد تبدأ قريباً، إذ وردها أنّ الشركة المتعهدة لإنشائه قد دفعت مبلغ 90 ألف دولار لشركة التأمين التي تتعاقد معها لأجل أعمال السد. والمحور الثاني، وهو المحور الذي حاز الاهتمام الأكبر للرأي العام والمعتصمين ويتّصل بأعمال الحفر والتنقيب عن الآثار التي تتولّاها المديرية العامة للآثار بمحاذاة دير القديسة صوفيا الأثري. فبسبب ما اعتبره المعتصمون إهمالاً وعدم احترافية في عملية التنقيب، انهارت بعض من أقبية الدير عند أول عاصفة شديدة ضربت لبنان. وتأتي إدانة وتحميل المسؤولية لوزارة الثقافة من منطلق أن الدير يتميّز بمتانة عالية في بنائه، بحيث صمد مئات السنين من دون أن يصيب أساساته أي مكروه بحسب الأهالي الذين أسفوا على ما حصل. ولا ينفصل ذلك مع أحد الأهداف الرئيسية لمعارضي السد، وهو إعلان المرج محمية طبيعية وأثرية، وذلك لحماية ما تبقى من ثروة طبيعية وتاريخية، خاصة أنه يحتوي على أكثر من 50 موقع أثري تعود إلى حقب متعددة. ويرفض المعارضون أي اقتراحات لنقل الآثار من موقعها الأصلي إلى موقع آخر بهدف إنشاء البحيرة الاصطناعية، لسبب رئيسي وهو رفضهم الكامل لمشروع السد، عدا عن أنّ وزارة الثقافة أثبتت بالنسبة لهم أنها غير جديرة بالاهتمام بالآثار الموجودة في المرج بعد انهيار أقبية الدير.

 

وزارة الثقافة تلوم الانتفاضة!

وزارة الثقافة بدورها، أرجعت ما حصل في بيان نهار أمس الاثنين، إلى الأحداث الأخيرة التي يشهدها لبنان، حيث أشارت إلى أنّ "الحفريات الأثرية قسرياً في المرج توقفت، وبالتالي فقد تعذّر على الفريق التقني استكمال العمل الأثري". ومن ثم بررت "انهيار الأقبية بموجة العواصف التي ضربت لبنان، والتي ألحقت أضراراً في المنشآت والأبنية كما في البنى التحتية، وقد انسحب الأمر على المنشآت الأثرية في مرج بسري". هكذا بررت الوزارة مؤكدة أنّ وزير الثقافة كان قد زار الموقع وأكد على "وقوف الوزارة كخط دفاع لحماية الآثار والمكتشفات في هذا الموقع، واعتماد الأصول والقواعد المتبعة عالمياً". ولفت البيان إلى أنّ الوزارة فور علمها بانهيار الأقبية، عمدت إلى إرسال فريق متخصص للكشف على الموقع، وتبيّن لهم أن "العقد المنهار سبق وأن تم ترميمه، وعلى الأرجح من قبل الرعيان في القرن العشرين".

 لذا، يشرح البيان بأن "المديرية عمدت إلى إعادة تغطية الإسبارات بالطرق العلمية، وحفر مجاري لتصريف المياه بعيداً من البناء، بانتظار إمكانية تنفيذ الإجراءات الميدانية والتقنية اللازمة حفاظاً على الموقع، من أعمال تدعيم للأقبية وتغطية البناء بأكمله وعزله".

إذاً تعتبر الوزارة أنّ ما حصل هو نتيجة أمور لا علاقة لها بها، أي العواصف والأمطار الغزيرة وأيضاً الأحداث في لبنان في إشارة إلى التظاهرات وقطع الطرق، كما التحجج بأن العقد المنهار كان قد تم ترميمه في عهد سابق، إلّا أنّ منسّق الحملة الوطنية للحفاظ على مرج بسري المهندس رولان نصّور، يؤكد لـ"المفكرة" أنّ "الأعمال توقفت قبل بدء الثورة في لبنان"، ويُضيف، "ولنفترض أنّ الموضوع يتعلق بالثورة والتظاهرات وعدم إمكانية فريق عمل المديرية من التنقل، فإن الثوار يستمرون بالتوافد إلى بسري ولم يردعهم شيء من الوصول إلى المرج وهم يأتون من جميع المناطق اللبنانية". بما معناه بالنسبة لنصور أن التذرّع بقطع الطرقات والتظاهرات هو أمر غير مقنع.

ويعتبر نصّور بيان وزارة الثقافة اعترافاً ضمنياً بأخطائها. ويشرح بأن "الإجراءات التي قامت بها المديرية غير كافية، بحيث اقتصرت على فتح مجاري لتصريف المياه من دون تدعيم الأقبية، وترك المبنى مكشوفاً أمام العوامل الطبيعية. ويؤكد أنّ "مديرية الآثار لا يمكن ائتمانها على الآثار الموجودة في المرج، فما حصل في دير القدسية صوفيا يُثبت أنها غير حريصة على الآثار كما ادعت في بيانها". ودعا نصور إلى "محاسبة من تورط في إهمال الدير وعدم حمايته".

 

مسيرة إلى كنيسة مار موسى ودير القديسة صوفيا

الاعتصام نهار الأحد الفائت في 12 كانون الثاني 2020 جاء ليؤكد على أنّ معركة الدفاع عن المرج لم تنته بعد، وأنّ أيّ سد لن يُبنى على أحد أهم المنتزهات الطبيعية في لبنان. وبدأ الاعتصام عند جسر بسري الذي يمرّ من تحته مجرى مياه نهر الأولي الذي ينبع من جبل الباروك ويسلك طريقه مروراً بالقرى التي تُحيطه ويُشكل فاصلاً بين قضاءي الشوف وجزين، ليصب في البحر شمالي صيدا. ومن عند موقع الجسر، في يوم مشمس جزئياً صحبته أمطار ناعمة لم تُشكل عائقاً أمام المعتصمين للسير نحو كنيسة مار موسى ودير القديسة صوفيا، فسار المعتصمون سالكين الطريق الترابية التي توصلهم إلى وجهتهم. وتبيّن أنّ البوابة الحديدية التي كان الأهالي قد حطموها بسواعدهم عند الطريق المؤدي إلى كنيسة مار موسى والدير، أعاد متعهد المشروع تلحيمها، لكنْ تركها بالأمس مفتوحة أمام المعتصمين.

شكلت طريق الوصول إلى الكنيسة والدير مغامرة استكشافية لبعض المشاركين في المسيرة الذين كانت تلك زيارتهم الأولى إلى المرج، ومنهم من أتى من مناطق البقاع والشمال والجنوب. وخلال مسيرهم لم يتوقّفوا عن التحسّر على ما قد يحصل في المرج فيما لو أُنشئ السد.  

وكانت المسيرة فرصة لاستكشاف الثروة الطبيعية التي يتمتع بها مرج بسري، فيميناً بمحاذاة الطريق، تكثر الحمضيات، وعلى مد النظر، تبدو ربوع المرج الخضراء منتزهاً طبيعياً لأبقار أحد المزارعين، الذي يبدو أنه لا يزال صامداً، ينتهز ما تبقى من الوقت للاهتمام بأبقاره قبل أن تتحول مزرعته المتواجدة بمحاذاة مجرى النهر، إلى بحيرة اصطناعية. واستغلّ محبّو النباتات البرية المناسبة لجمع ما استطاعوا منها من الأرض بينها "الخبيزة" و"قرص عنّة".

عند وصولهم إلى وجهتهم، التهى بعض المعتصمين بشد حبل جرس كنيسة مار موسى الذي يعتبره كُثر من أهالي المنطقة حارساً للبرّية، بناءً على رواية تناقلوها عبر الأجيال عن قاطع طرق تاب بعدما التقى برهبان البرّية، وبعدها كلّفه قدّيس بأن يبقى في البرية، وأشار إليه ألّا يخرج منها لأنه يوم يخرج تعود إليه كل الشرور. تناقل بعض الأهالي في الاعتصام هذه الرواية، معتبرين أنّ الحفاظ على كنيسة مار موسى في مكانها له قيمة تاريخية ودينية.  

وعند موقع دير القديسة صوفيا، الذي لا يزال صامداً على بُعد خطوات قليلة منخفضة عن الكنيسة، توقف المعتصمون وعبّروا عن غضبهم لانهيار بعض أقبيته. وأمامها، وقف المهندس عامر مشموشي، وقال بصوت عالٍ إنّ "أهل لبنان لا يريدون هدم الآثار، آثارنا هي ثقافتنا وحضارتنا، هي ماضينا، ومن ليس له ماض لا حاضر له". وعلت أصوات المحتجين بهتاف "نحن السد بوج السد، نحن القوة الما بترتد".

 

المعركة مستمرة رغم التحديات

أثناء تجوّل المعتصمين في المرج، دخل مجهولون إلى ناحية خيم المعتصمين، واستغلوا غيابهم ليقوموا بالعبث بها وتحطيم أغراضهم ورميها أرضاً أمام أعين رجال الأمن وعناصر قوى الأمن الداخلي المتواجدين دائماً في المرج والذين نكروا علمهم بما حصل. ولدى عودة المعتصمين، تبيّن لهم أنه تمت سرقة أكياس النوم وتحطيم الأغراض التي تركوها، كما تم تمزيق بعض السواتر التي يستخدمونها لدرء برد الشتاء عنهم. ويتناوب المعتصمون منذ بداية الانتفاضة وبشكل يومي على النوم في خيم الاعتصام، يسهرون على حمايته ومراقبة أي محاولات لبدء أعمال السد. وتؤكد الناشطة أماني البعيني بأنها ليست المرة الأولى التي يجدون فيها أغراضهم مخربة، ولكنّها لم تكن بحجم ما حصل الأحد.

ولكنّ على الرّغم من التحدّيات ورفض السلطات أخذ آراء المعترضين في الاعتبار وتمسّكها بقرار إنشاء السد، لا تزال معركة الدفاع عن مرج بسري وضد إنشاء السد مستمرّة منذ العام 2015 وبالزّخم نفسه. فمن الطعون الثلاثة في مرسوم استملاك الأراضي أمام مجلس شورى الدولة، إلى الاعتصامات المنتظمة منذ العام 2018، وحملات المناصرة على وسائل الإعلام التقليدي والجديد وصولاً إلى تكسير البوابات الحديدية التي وضعتها الشركة المتعهدة لمنع الأهالي من الدخول إليه، لا يبدو أنّ المدافعين عن المرج سيستكينون في أي وقت قريب.