لم يبالغ الطلاب عندما قالوا إنهم نبض الثورة وعامودها الفقري. هذا الحديث الذي كان بمثابة الفرضية، جاءت التطورات لتؤكده. ففي الأيام الماضية، ومع غياب الطلاب عن التحرّكات عاشت ساحات الثورة شيئاً من الفتور. إلّا أنه في الآونة الأخيرة، إندفع الطلبة إلى الواجهة لإطلاق محرّكات أسبوع الغضب، وتشغيل عدّاد الإنذار الأخير لتشكيل حكومة المستقلّين.

يوم الثلاثاء ومنذ الصباح، بدأت التحركات الطلابية في طرابلس. فبعد إقفال العديد من المدارس، توجه الطلاب من كل حدب في مسيرة كبيرة جابت بولفار البحصاص عند المدخل الجنوبي لعاصمة الشمال لإغلاقه، وهي طريق حيوية تؤدي أيضاً إلى مجمّع كليّات الجامعة اللبنانية في "مون ميشال" ضهر العين. وأدّى تدافع بين المحتجين والقوى الأمنية إلى إصابة أحد طلاب كلية الهندسة، الأمر الذي دفع زملاءه لإعلان الإضراب في كلية الهندسة اليوم الأربعاء.

عند الثالثة والنصف، إنطلقت المسيرة المركزية من ساحة النور. وجابت أنحاء مدينة طرابلس، رفع الشباب شعارات أكدت على "الثورة"، ومطلب "إسقاط العهد"، و"تشكيل حكومة إختصاصيين مستقلين".

تجاوزت مسيرة الطلاب حالة المراوحة التي عاشتها الإنتفاضة في طرابلس والشمال، وحرصت على أدبياتها الأولى لناحية عدم اللجوء إلى العنف والحفاظ على السلمية، وبرز الإصرار على رفض إحراق الإطارات.

مساءً، مع عودة التظاهرة الشبابية إلى ساحة النور، عادت الحياة إلى الخيم والمساحات الحوارية والتثقيفية.

الحراك الطلابي ... حي في الساحات

بدا الحراك الطلابي عفوياً وغير منظّم أحياناً مع بداية ثورة ١٧ تشرين. إلّا أنّ المؤكّد أنّ الثورة الطلابية إتجهت مع الوقت نحو التنظيم. يؤكد الناشط الجامعي عدنان آدم أنّ تواجد الطلاب في الساحات عاصر إنطلاق الثورة، وكانت المفاجأة هائلة عندما وجهت أوّل دعوة إلى تظاهرة مستقلة للطلاب ويومها حضر أكثر من ألفي طالب.

يتحدث آدم عن خطّين متوازيين صار عليهما الحراك الطلابي الجامعي، الأول إنصبّ على الحشد للتظاهرات والتحركات العامة، وإلى جانب ذلك أقيمت خيمة للهيئة الطلابية والتعليمة  للجامعة اللبنانية في ساحة النور. وشكلت هذه الخطوة حافزاً لباقي الهيئات والمؤسسات التربوية والثقافية لإنشاء خيم نقاش وحوار.

يعتقد آدم أن تحرر الطلاب وإنفتاح هذه الشريحة عنصر هام في نجاح هذا الحراك، فهم الأكثر بعداً عن التبعية السياسية ويتمتّعون بثقة الناس. ويشير إلى أنّ "الدافع الأساس هو رفض حالة الذل على عتبة الحكام والأحزاب التي تقدم الإعانات المشروطة". ولا يتوانى عن الدفاع عن مركزية الثورة الطلابية في الثورة بشكل عام، مستذكراً أنّه "على أعتاب مرور أسبوع على ثورة ١٧ تشرين بدأت مرحلة التراخي في طرابلس، وبدأت أحزاب السلطة بإستهداف الثوار في المناطق الخاضعة لهم كالنبطية. وعندها تحرّك الطلبة لأنهم شعروا بأن ثورتهم مهددة ولا بد من هجر الصفوف لبعض الوقت والعمل لبناء مستقبل أفضل، وهم بذلك قاموا بإحيائها ووقفوا بوجه أهاليهم ومدرائهم".

ويلفت عدنان آدم إلى "محاولات إختراق تعرّض لها الحراك الطلابي في الشمال وتحديداً دس الأفكار لدى طلاب المدارس، غير أنّ الطلاب أظهروا تماسكاً وحافظوا على سلمية الثورة ولم ينجروا إلى العنف".

مع مرور الوقت، إكتسب الحراك الطلابي الثقة في الأوساط الطلابية، ويلفت آدم إلى أنّه جرى التواصل مع كافة المدارس والمؤسسات التربوية والجامعية، وطلب من كل مؤسسة تعيين ممثل عنها يتواجد يومياً في الساحة للمشاركة في التنظيم والتخطيط ووضع برامج عمل يومية.

أثمرت هذه الجهود مسيرة كبرى ضمّت أكثر من ثمانية آلاف طالب ثانوي وجامعي، وقد تمتّعت بتنظيم عالي، ولم يرفع فيها أي شعار يشق صف الثوار. كما ساهم الطلبة في بعض الأحيان في إقفال المؤسسات العامة والرسمية.

 

الحراك داخل الثانويات

شكلت الثانويات الجناح الآخر لثورة الطلاب في الشمال. حسب الناشط في الحراك الطالبي عبد القادر الأيي "أثبت تلاميذ الثانويات أنهم نبض الثورة، وحالوا دون رضوخ الناس لمحاولات القمع والحط من همة الثوار".

بعد النجاح في تنظيم الحراك الطلابي، إتجهت هذه الشريحة نحو العمل التوعوي والتثقيفي. ويشير عبد القادر الأيي إلى التحركات والندوات الحوارية التي تدعو إليها رابطة طلاب الشمال للتباحث في فتح المدارس، ومصير الطلاب، والأدوار التي يمكن تأديتها بين مقاعد الدراسة وساحات الثورة.

ويشرح عبد القادر أنّ "الحراك الطلابي يجسّد روح الديمقراطية، فالقرارات تتخذ بالتشاور والتصويت"، لافتاً إلى "إجتماعات منسّقي المدارس والثانويات، حيث يصوّت هؤلاء على الإضراب وتنظيم المسيرات، ويتم تنسيق النشاطات مع هيئة طلاب الجامعة اللبنانية".

يؤكد الأيي أن هذه التحركات أدّت إلى زيادة منسوب الوعي والثقافة لدى الطلاب، وأدت إلى نهضة فكرية نحو رفض التجديد للطبقة الحاكمة، لأنهم يؤمنون بشعار "كلن يعني كلن". ويؤكد الأيي أنّ الثورة الطلابية تمكّنت من إجتذاب الكثير من المؤيدين، ومن أوساط كانت معارضة لها بادئ الأمر. كما يصرّ على أنّه "لا خوف على مستقبل الطلاب إذا ما كانوا موحّدين، وإستمر الضغط الشعبي بقوة".

لم تتوقف حدود جاذبية الحراك الطلابي على التلاميذ، إنما تجاوزه إلى الأساتذة الذين شاركوا طلابهم في كثير من تحركاتهم ولقاءاتهم الحوارية. وتعتقد الأستاذة سهى شاكر أنّ "الحركة الطلابية ليست مطلباً بل حق وواجب وطني"، لافتة إلى أنّ "ثورة هؤلاء تبدأ من عدم قدرة عدد كبير من طلاب الشمال على تسديد الأقساط والتسجيل في المدارس الحكومية". وتؤكد شاكر على ضرورة "الوقوف إلى جانب الطلاب لأنهم يواجهون مستقبلاً غامضاً بعد التخرّج".  كما تلفت إلى مساهمة الأساتذة في اللقاءات الحوارية والمناظرات التي تبحث كيفية التنسيق بين التحركات الشعبية والعودة الى مقاعد الدراسة، وشرح بعض المفاهيم كالعصيان المدني والثورة والتغيير على يد خبراء وحقوقيين.

تضع شاكر مشاركة الأساتذة في نطاق  تقديم الدعم المعنوي لطلاب لبنان لأنه صار واجباً وطنياً لأن هذه الشريحة يعوّل عليها في بناء الوطن الكريم.