اعتداء بالضرب، تكسير المعدات، منع التصوير، ومحاولة سحب كاميرات التصوير من الصحافيين والمصورين، ورميهم بالقنابل المسيلة للدموع: هي الانتهاكات التي تعرّض لها عشرات الصحافيين من قبل القوى الأمنية، وذلك خلال نقلهم لأحداث التظاهرة الحاشدة أمام ثكنة الحلو في مار الياس-بيروت ليل الأربعاء 15 كانون الثاني 2020 تضامناً مع موقوفي تظاهرة مصرف لبنان الثلاثاء.

وتنديداً بالانتهاكات التي تعرضوا لها، ورفضاً للاستمرار بهذا النهج، اعتصم حشد من الصحافيين يوم الخميس أمام وزارة الداخلية، وهي المسؤولة المباشرة عن جهاز قوى أمن الداخلي، بدعوة من "تجمّع نقابة الصحافة البديلة". وحمل الاعتصام شعار "الصحافة مش مكسر عصا"، وعلى الأرض، وضع المصوّرون الصحافيون آلات التصوير في خطوة احتجاجية، وهتفوا عالياً "الدولة البوليسية، بتخاف من الحرية، تحمي الحرامية، وتعتدي على الصحافية". وطالب المعتصمون بإجراء تحقيق شفاف في ما جرى، وكان المزاج العام للصحافيين المعتصمين يميل إلى اعتبار ذلك القمع مقصوداً، وبأن هناك قراراً رسمياً بمنع الصحافيين من توثيق حالات الانتهاك التي تقوم بها العناصر الأمنية بحق المتظاهرين.

وكانت تظاهرة حاشدة قد نُفذت الأربعاء أمام ثكنة الحلو تُطالب بالإفراج عن المعتقلين الذين تم احتجازهم قبل ليلة في شارع الحمرا خلال تنفيذ وقفة احتجاجية ضد السياسات المصرفية. وخلال التظاهرة حصل تصعيد ومواجهات انتهت باعتقال المزيد من المتظاهرين حتى تجاوز العدد الإجمالي للموقوفين في أحداث الثلاثاء والأربعاء الـ100 موقوف.

وشهدت المحلّة حضوراً كثيفاً لوسائل إعلام محلية وأجنبية. ومع تطوّر التظاهرة إلى مواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، لم توفّر الأخيرة الصحافيين والمصوّرين الصحافيين المتواجدين في المكان من اعتداءاتها وهو ما تم توثيقه بكاميرات الهواتف الخليوية التي يحملها المتظاهرون وبكاميرات المصورين أنفسهم كما حصل مع مصور "رويترز" عصام عبد الله أو خلال النقل المباشر كما حصل مع فريق عمل قناة "الجديد".

وزيرة الداخلية: "أنا بكرا فالّة" واللواء عثمان يعتذر

 خلال الاعتصام الذي امتد لنحو الساعتين، حاولت وزيرة الداخلية في حكومة تصريف الأعمال ريا الحسن عبر مستشارها العميد فارس فارس استمالة المعتصمين ليشكلوا وفداً ويدخلوا إلى مكتبها لتسمع مطالبهم، وهو ما رفضه الصحافيون، وطلبوا من العميد فارس أن تأتي الوزيرة بنفسها إليهم. وبعد مرور نحو نصف ساعة، خرجت الحسن وتحدثت إلى الصحافيين. وإذ أكدت الحسن أنّه لا يوجد مبرر لما حصل من اعتداءات الأربعاء على الصحافيين، عادت وقدم تبريرها بأن "عناصر الأمن تعبوا، وهم منذ بداية الثورة في تهيؤ دائم، وهم كما أنتم خائفون على أنفسهم". وبررت القمع المفرط بالقول إن العناصر الأمنية: "يتعرضون للرمي بالحجارة والحديد، والضرب هو نتيجة الفورة جرّاء ذلك".


الوزيرة ريا الحسن تتحدث إلى المعتصمين (تصوير رنا نجّار)

وادّعت الحسن بأن تعامل قوى الأمن منذ 17 تشرين الأول "حضاري"، مشددة على أن ما حصل الأربعاء "لم يكن نتيجة قرار اتخذته هي ولا قيادة الأجهزة الأمنية". وأشارت إلى أنها تتعرض لضغوطات منذ بداية الانتفاضة للتعامل مع المتظاهرين "بطريقة مختلفة". وإزاء احتجاجات الصحافيين على أن ما حصل مقصود لمنعهم من أداء عملهم في نقل الصورة الحقيقة لما يجري على الأرض، أصرّت الحسن على أنّ الاعتداء على الصحافيين غير مقصود، متوجهة إلى صحافية بالقول "مش مقصودة، من فضلك لا تستعملي هذه الكلمة". وإذ واجهها الصحافي في مركز "سكايز" جاد شحرور بالقول إنّ حالات الاعتداء على الصحافيين هي 15 حالة في إشارة إلى استحالة أن يكون الأمر عفوياً، ردت الحسن، "لماذا لا تعددون حالات الإصابات في صفوف العناصر الأمنية، فهناك 100 عنصر مصاب". فرد شحرور قائلاً: "نحن لا نسأل من لديه فائض القوة ويحمل السلاح. الانتهاكات التي حصلت موثقة بالفيديو والصور، وهذا ليس المشهد الأول منذ بداية الثورة".

وطالب المعتصمون الحسن بإجراء تحقيق شفاف ومحاسبة المعتدين، فعادت وشددت على أن ما حصل مدان، ثم أشارت إلى أن هناك آليات للمحاسبة من ارتكب أي خطأ. إلّا أنها لفتت إلى أن فترة تولّيها الوزارة قد انتهت، في إشارة إلى قرب تشكيل الحكومة الجديدة. ورداً على سؤال: "هل تضمنين تحقيقاً شفافاً بما حصل؟"، أجابت "أنا بكرا فالّة".

من ناحيته، تقدم مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان باعتذار من الصحافيين لما تعرضوا له خلال مؤتمر صحافي عقده مساء في المديرية في الأشرفية. وتلاقى موقفه مع موقف الحسن، إذ أعاد عملية فض التظاهرات بالأساليب القاسية إلى أنّ "عنصر قوى الأمن يعاني يومياً منذ 90 يوماً في الشارع، ويتعرّض يومياً لشتّى أنواع الممارسات القاسية".

وعن الاعتداء على الصحافيين ( وعددهم حتى الآن 15 صحافياً) أكد أنّه لم يعط أي أمر بقمع الصحافيين، بل "أعطيت أمراً بالرد على المشاغبات التي أدّت إلى جرح 26 عنصراً أمنياً"، مؤكداً أنّه طلب من قيادة الشرطة المباشرة بالتحقيق في الأمر.

لسان حال الصحافيين: "قوى الأمن لا تتصرف من تلقاء نفسها"

في هذا الصدد، توضح الصحافية ديانا مقلد لـ"المفكرة" أن "منسوب القمع تجاه حرية التظاهر قد ارتفع في لبنان، والأمر نفسه بالنسبة للإعلاميين". وتعتبر مقلد بأنّ "ما يحصل تتحمّل مسؤوليته السلطة السياسية، فهي رغم استقالتها مصرّة على ممارسة العمل القمعي وانتهاك الحريات". وعن قمع الصحافيين تحديداً، تستبعد مقلّد أن يكون ذلك تصرّفاً فردياً من عناصر قوى الأمن أو مجرّد ردة فعل، بل تشدد على أنّ "قوى الأمن لا تتصرف بهذه الأساليب بدون تغطية سياسية". وتلفت إلى أنّ الصحافيين غير محصّنين ضد هذه الأفعال، خاصة وأن ليس لديهم نقابة ترفع الصوت لحمايتهم، لذلك فإنّ "تجمع نقابة الصحافة البديلة هو الداعي لهذا التحرك، وهو تجمّع للصحافيين الذين يجدون أن نقابتي الصحافة والمحررين لا تعبّران عنهم، وهم يحاولون القيام بدور بديل لطرح قضايا المهنة وتسليط الضوء على الانتهاكات بحق الصحافيين ولا سيما استغلال المؤسسات لموظفيها".

ويلفت مدير العلاقات العامة في تلفزيون الجديد إبراهيم الحلبي بأنّ ما تعرّض له الصحافيون هو أمر غير عفوي، مرجحاً بدوره أن يكون هناك قرار يقضي بمنع الصحافيين من أداء دورهم خلال الأحداث التي يحصل فيها انتهاكات بحق المتظاهرين. ويُضيف: "من الواضح أنه عندما يُصبح الشارع محتدماً، تكون الأولوية لدى الأمن هو التعتيم على ما يحصل". ويشدد على أنّ "الاستنكار لم يعد يكفي". 

من جهته يؤكد المصوّر الصحافي حسن شعبان لـ"المفكرة" أنّ دور الصحافي هو نقل الصورة كما هي. ويعتبر، "إن كانت عناصر قوى الأمن تقوم بأمر إيجابي فلنا الحق بتصويره، والأمر سيان إن كانت تقوم بسحل المتظاهرين وضربهم". لذا، بالنسبة لشعبان "لا يوجد أي مانع قانوني من تصوير الأحداث كما هي، وليس من حق الأجهزة الأمنية منعنا من القيام بعملنا". ويؤكد شعبان، أن "انتهاك حقوق الصحافيين ولا سيما المصورين هو أمر غالباً ما يتكرر، وخاصة خلال التظاهرات". ويلفت إلى أنه "منذ بداية الثورة في 17 تشرين الأول 2019 لم يحصل انتهاكات بحق الصحافيين كما حصل خلال أحداث ثكنة الحلو".

15 حالة اعتداء على صحافيين في ليلة واحدة

يُشار إلى أنه من بين الصحافيين المعتدى عليهم، المراسل في قناة "الجديد" حسان الرفاعي والمصوّر سمير العقدة خلال نقلهما رسالة بالبث المباشر، وتم توثيق الاعتداء. ومصوّر "الجديد" أيضاً خالد النعيمي أصيب بقنبلة مسيلة للدموع في قدمه، وتم الاعتداء على المصوّر في وكالة "رويترز" عصام عبد الله خلال قيامه بالتصوير، وذلك موثق بالفيديو أيضاً، وتعرّض عبد الله لإصابة في رأسه تم نقله إثرها إلى المستشفى لتلقّي العلاج. ونقل عدد من المصوّرين الصحافيين على وسائل التواصل الاجتماعي أنه تم الاعتداء عليهم من قبل قوى أمنية. كما نشر مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية "عيون سمير قصير – سكايز" بياناً ضمّنه حصيلة الاعتداءات وهي 15 حالة اعتداء على عاملين في المجال الإعلامي.

ولفت بيان "سكايز" إلى أنه في غضون ثماني وأربعين ساعة تم تسجيل 15 حالة انتهاك ضد عاملين في المجال الإعلامي. ووصّف المركز هذه الانتهاكات بحق الصحافيين "وهي تكسير معدات، وتهديد وشتم وتعرض بالضرب والسحل من قبل السلطات الأمنية على أنواعها في حال استمروا في التغطية".

ومن اللافت أن الانتهاكات التي تحصل بحق الصحافيين منذ بداية الثورة الشعبية قد تخطت الـ 70 انتهاكاً بحسب "سكايز". وهذا الأمر، وبالأخص ما حصل ليلة التظاهرة أمام ثكنة الحلو، لا يعدو كونه مؤشراً إلى "تصعيد خطير بحق الحريات الإعلامية"، بحسب وصف المركز.

ورصد مركز "سكايز" حصيلة الاعتداءات إضافة إلى عبدالله وفريق "الجديد"، ‏الاعتداء على الفنان والشاعر سليم علاء الدين أمام مصرف لبنان في الحمرا، ومحاولة القوى الأمنية نهاراً اعتقال مصوّر "العربي الجديد" حسين بيضون أمام ثكنة الحلو بعد شتمه وتهديده بالضرب. وأيضاً تعرّض للاعتداء مصوّر قناة "إم تي في" جوزيف نقولا الذي نقل الى المستشفى للعلاج، كذلك أقدمت القوى الأمنية على اعتقال المصوّر الفرنسي في مجلة  Executive Magazineغريغ دو مارك والمخرج الشاب بشير أبو زيد، كما وأصيب مصوّر صحيفة "النهار" نبيل إسماعيل بحجر نتيجة تراشق الحجارة بين المتظاهرين والقوى الأمنية.

وفي بيان، استنكرت نقابة المحررين الاعتداء على الصحافيين والإعلاميين والمصوّرين، واعتبرت أنه "يندرج في سلسلة الانتهاكات الصارخة التي تطاولهم منذ السابع عشر من تشرين الأول المنصرم". وطالبت النقابة من وزيرة الداخلية فتح تحقيق في الاعتداء واتخاذ التدابير العقابية والمسلكية في حق من قمع الزملاء الصحافيين والإعلاميين من دون هوادة، مستخدماً القوة المفرطة وغير المبررة إطلاقاً".

وأوضحت النقابة أنها سوف تعلن "في وقت لاحق عن سلسلة من الإجراءات دفاعاً عن الزملاء، وصوناً لكرامتهم، ودفاعاً عن حقهم في ممارسة عملهم بأمن وحرية".

ومن جهتها، أدانت منظمة "مهارات" المعنية بقضايا الإعلام وحرية الرأي والتعبير الاعتداء على الصحافيين"، وطالب وزيرة الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بأن "تفتح تحقيقاً شفافاً في الحادثة". وشددت في بيانها على "أهمية دور الإعلام في تغطيات الاحتجاجات والتحركات المدنية المطالبة بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين ومراقبة السلطة والأجهزة الأمنية لتوثيق أي انتهاك يطال حقوق المحتجين وحرياتهم العامة".