رغم التعقيدات التي ظهرت على الصعيدين الحكومي والإقليمي في الآونة الأخيرة، ما زالت الانتفاضة الشعبية مستمرة في الساحات، وقد استعادت حيويتها بعد الهدوء النسبي الذي رافق فترة الأعياد. وما زال مطلب استرداد الأموال المنهوبة من أبرز الشعارات التي لاقت صدىً عميقاً في الشارع، خصوصاً مع ارتفاع حدة الأزمة المالية وما ترتب على ذلك من غضب شعبي تجاه ممارسات الفساد والريع في الطبقة الأوليغارشية الحاكمة، وإن حاول البعض تحريف هذه المطالب بهدف إعادة فرض خطاب الطائفية والمحاصصة السياسية.

وفي هذا الإطار، حاولنا في مقالات سابقة نُشرت منذ اندلاع الانتفاضة (هنا، وهنا) تسليط الضوء على بعض الإشكاليات في القوانين المقترحة لاسترداد الأموال المنهوبة، وتبيان الآليات القانونية المطلوبة لتمكين السلطات المعنية من الملاحقة الفعالة لاستعادة الممتلكات العامة المنهوبة. وبناءً على ذلك، نرى أنه من المفيد أن نلقي نظرة على تجارب دولٍ نامية أخرى في هذا المجال، لنستشف العقبات المعرقلة والعوامل المسيِّرة لعملية مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، لعلها تفيدنا في رسم ملامح الإطار القانوني والسياسي الذي يجب استحداثه في لبنان.

سوف نعتمد في استعراضنا العام لهذه الحالات التطبيقية على مصدرين أساسيين، وهما معهد بازل للحوكمة ومبادرة استرداد الأصول المنهوبة المشتركة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المختص بمكافحة الجريمة والإتجار بالمخدرات. فكلا المؤسستين تعملان على تقديم المعونة التقنية والقانونية للدول الساعية لمكافحة الفساد، ولديهم منشورات عديدة تتناول وتقارن ما بين التجارب في الدول النامية، بالإضافة إلى عرض الممارسات الحسنة في هذا المجال. وبعد استعراضنا لهذه الحالات الدراسية، سوف نلفت النظر إلى بعض المواضيع المتكررة في هذه التجارب ونحاول استخلاص الدروس الأساسية المستقاة منها.

 

تجربة نيجيريا

بحسب تقرير صادر عن المبادرة الدولية لاسترداد الأموال المنهوبة، فقد استطاعت دولة نيجيريا أن تسترد منذ العام 2005 حوالي 1.2 مليار دولار من الأصول المنهوبة من قبل نظام الجنرال ساني أباتشا، الدكتاتور العسكري الذي حكم البلاد ما بين عامي 1993-1998. واستعيدت هذه الأموال من مخابئها في عدة بلدان، من ضمنها سويسرا وبلجيكا والمملكة المتحدة ولوكسمبورغ، على عقب سلسلة دعاوى قضائية تعقبت أصولا استطاعت السلطات المعنية إثبات عدم شرعية مصادرها.

وأهم هذه الدعاوى جرت في المحاكم السويسرية، حيث أصدرت المحكمة الفدرالية العليا قراراً في العام 2005 بإعادة مبلغ 700 مليون دولار من حسابات عائلة أباتشا وشركائه كان قد صدر سابقاً قرارٌ بتجميدها رداً على طلب رسمي للمساعدة القانونية المتبادلة (mutual legal assistance) من الدولة النيجيرية. فقد اعتبرت المحكمة أنه ثبت بوضوح عدم شرعية مصادر هذه الأموال، إذ أنها دخلت البلاد في محاولة لتبييض أموال ناجمة عن ممارسات فساد سياسي.

من الخصائص الملفتة للنظر في هذه القضية أنها كانت محكومة باتفاقية مشتركة بين نيجيريا وسويسرا والبنك الدولي، حيث خضعت عملية استرداد الأموال لشرط رقابة البنك الدولي، بهدف تفادي احتمال أن تعود الأموال المعنية إلى مؤسسات وأيدي ملوثة بالفساد. وفي إطار هذه الاتفاقية المشتركة، التزمت حكومة نيجيريا بإعادة استثمار الأموال المستردة في مشاريع تنموية وبالإقدام على مراجعة شاملة للإنفاق العام والمحاسبة المالية. ويشير التقرير إلى أن مسألة ضمان سلامة إنفاق الأموال المستردة تشكل عقبة أساسية في هذا المجال، إذ أنه في دول يتغلغل فيها الفساد السياسي، هنالك خطر دائم باستغلال آليات استرداد الأموال المنهوبة من قبل جهات سياسية لإثراء نفسها على حساب قوى سياسية معادية لها وعلى حساب الممتلكات العامة في المدى البعيد. وفي تجربة نيجيريا، تبين في مراجعة البنك الدولي التي تمت بموجب الاتفاقية المشتركة أن النتائج كانت متباينة، إذ من ناحية كانت جميع المشاريع المتفق عليها قد بدأت وعدد لا بأس منها قد استكمل، ولكن في نفس الوقت كانت المشاريع متفاوتة التأثير. وعُثر على نقاط ضعف وثغرات فادحة في السجلات الحسابية، الأمر الذي قد يدل على إعادة تحويل الأموال المستردة لمؤسسات عانت من فساد مستمر. ويخلص التقرير من هذه التجربة إلى أن آليات رقابة لاحقة كمراجعة البنك الدولي لها فعالية محدودة، ويُفضل بالتالي إنشاء آليات للرقابة والمحاسبة المستمرة، تشمل المراحل المتعددة في الإنفاق العام، من التخصيص في الميزانيات العامة إلى العطاءات والمشتريات الحكومية مروراً بتنفيذ المشاريع المعنية.

 

تجربة بيرو

في بيرو، كان الرئيس السابق للاستخبارات العامة والمستشار الرئاسي فلاديميرو مونتيسينوس قد اختلس الملاين من الأموال العامة في عهد الرئيس ألبرتو فوجيموري. في العام 2000 بعد نهاية عهد الرئيس فوجيموري، ظهرت سلسلة فضائح متعلقة بالرشاوي وتجارة المخدرات وتبييض الأموال ثبت أن مونتيسينوس كان مرتبطاً بها، مما دفعه إلى الهروب من البلاد والسعي للحصول على اللجوء السياسي من إحدى دول الجوار. قوبل طلبه الأول في بنما بالرفض، ومن ثم تم القبض عليه في فينزويلا وأُرسل إلى بيرو حيث تمت محاكمته.

بالتوازي مع محاكمته الجنائية، سعت السلطات البيروفية إلى تعقب واسترداد الأموال العامة التي اختلسها مونتيسونيس على مدى السنين. وحصيلة هذه الجهود أنها استطاعت استرداد حوالي 140 مليون دولار من حسابات مونتيسونيس ومعارفه في سلسلة دعاوى رُفعت في سويسرا والولايات المتحدة. في سويسرا، تم تجميد ومن ثم إعادة حوالي 113 مليون دولار إلى بيرو، استناداً إلى أساسين مختلفين: جزء من هذا المبلغ جُمد بموجب حكم جنائي محلي صدر عن المحاكم السويسرية متعلق بتهم تبييض أموال، بينما الجزء الآخر جُمد رداً على طلب رسمي من حكومة بيرو للمساعدة القانونية المتبادلة.

في العام 2001، أنشأت الحكومة البيروفية صندوقا وطنيا لإدارة الأموال المنهوبة المستعادة، بهدف ضمان إنفاقها بشفافية تامة وتفادياً لاحتمال أن تقع الأموال في أيدي ملوثة بالفساد مجدداً. وفقا لهذا للإطار التشريعي، تم تحويل أموال الصندوق إلى الميزانيات العامة العادية، ولكن وقعت مسؤولية تخصيصها للجنة الصندوق، التي تألفت من ممثلي خمس مؤسسات وطنية متخصصة بمكافحة الفساد. بخلاف تجربة نيجيريا، عملية الاسترداد هذه لم تكن محكومة باتفاقية مشتركة بين الدول المعنية تعنى بالرقابة المشتركة، إذ تُركت هذه الأمور للسلطات البيروفية. رغم ذلك، وافقت سويسرا على الآليات الوطنية المقترحة من قبل بيرو.

برأينا، هذه التركيبة هي أفضل من تلك المتمثلة بالاتفاقية المشتركة بين نيجيريا وسويسرا والبنك الدولي، طالما تواجدت آليات وطنية فعالة للرقابة والمحاسبة المستمرة في إنفاق الأموال المستردة، إذ قد تُعتبر الأخيرة انتهاكاً لسيادة الدولة المعنية، ونوعاً من الاستعمار الاقتصادي الحديث المألوف، حيث تفرض المؤسسات المالية الدولية شروطها الخاصة على الدول النامية لاستعادة أموالها العامة المنهوبة. ونرى بأن هذه الممارسات تمثل نوعاً من الابتزاز، خصوصا إذا أخذنا في عين الاعتبار تاريخ هذه المؤسسات التي كثيراً ما تهدف إلى وضع اليد على كل السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية بهدف إخضاعها للمنطق النيوليبرالي نفسه الذي أوصلنا إلى هاوية الانهيار الاقتصادي، علماً بأن وصفات هذه المؤسسات اشتهرت بأنها تأتي في خدمة كبار الرأسماليين دولياً وعلى حساب الطبقات الوسطى والشعبية.

 

الفلبين

في الفلبين، استطاع الدكتاتور السابق فرديناند ماركوس اختلاس مبالغ مقدرة بما بين 5 و10 مليار دولار في فترة حكمه، حيث أخضع البلاد للحكم العرفي ما بين 1972 و1986. وأخذ نهب الممتلكات العامة في عهده أشكالاً مختلفة، من ضمنها التحويل المباشر من الميزانيات العامة لحساباته الخاصة، "قروض" حكومية لأفرادٍ كانوا بالفعل بمثابة وكلاء شخصيين له، رشاوي فادحة المبالغ، الاستيلاء المفرط على شركات ومؤسسات عامة وخاصة، والسطو على المساعدات الدولية.

تمكنت السلطات الفلبينية في العام 2004 من استرداد 683 مليون دولار من حسابات ماركوس المصرفية بمساعدة الحكومة السويسرية. ابتدأت جهود الأجهزة المعنية قبل ذلك ب 18سنة في العام 1986 بعد الإطاحة بماركوس على عقب ثورة شعبية، حين تأسست اللجنة الرئاسية للحوكمة الحسنة وأُنيطت بها مسؤولية تعقب واستعادة الأصول التي اختلسها ماركوس وزملاؤه بالحكم. رداً على طلب من الحكومة الفليبينية، قامت السلطات السويسرية بتجميد حساباته في ذات العام، ولكن لم يصدر أي حكم نهائي من قبل أياً من المحاكم الفلبينية أو السويسرية مما قد يسمح بإعادة تحويل الأموال إلى الدولة الفلبينية، إذ حالت سلسلة تعقيدات وعقبات قانونية وإدارية دون ذلك. في العام 1998 تم تحويل الأموال المعنية من سويسرا إلى حساب ضمان في الفلبين رداً على طلب رسمي للمساعدة القانونية المتبادلة قدمته الحكومة الفلبينية وصدور حكم من المحكمة الفدرالية العليا في سويسرا مسانداً للطلب. أخيراً، في العام 2003، أصدرت المحكمة الفلبينية العليا حكماً بمصادرة الأموال المعنية، ما سمح بإحالتها بعد طول انتظار إلى ميزانية الدولة.

 

الدروس المستقاة

بوسعنا أن نستقي من استعراضنا العام لهذه التجارب الثلاث عدة دروس مهمة قد تفيدنا في رسم ملامح البرنامج الإصلاحي المطلوب في هذا المجال في إثر انتفاضة تشرين المستمرة.

أولاً، لا بد من أن تأخذ الطلبات الرسمية للمساعدة القانونية المتبادلة دوراً مركزياً في أي جهد حقيقي لاسترداد أموال منهوبة، إذ أن الأغلبية الساحقة من هذه الأموال مخبأة في المصارف الأجنبية، وأبرزها في سويسرا، التي تُعتبر ملاذا آمنا بسبب قوانين السرية المصرفية وغيرها من العوامل التي تسهل عمليات تبييض الأموال. نتبين أهمية هذا العامل جلياً من استعراضنا لتجارب نيجيريا وبيرو والفلبين، إذ استندت عملية الاسترداد في جميع هذه البلدان إلى طلبات من هذا النوع مع سويسرا. بالتالي نرى أنه من المهم إتمام اتفاقية مساعدة قانونية متبادلة مع حكومة سويسرا بهدف تنسيق الآليات القانونية بين الدولتين وتيسير عمليات التعقب والاسترداد، تجنباً لمخاطر التعطيل وإمكانية تبديد الأصول أثناء إجراءات التنسيق بين الأجهزة المعنية بعد بدء الملاحقة.

ثانياً، يجب ألا نغفل عن أهمية مرحلة ما بعد الاسترداد، أي مسألة ضمان سلامة إنفاق الأموال المستردة. وتكمن أهمية هذه المسألة على صعيدين. الصعيد الأول والبديهي هو صعيد الإنفاق ذاته، إذ يجب أن تكون السلطات الوطنية المعنية مؤهلة لتفادي إمكانية وقوع الأصول المستردة بأيدي ملوثة مجدداً، وإلا تكون جهود الاسترداد قد بُذلت عبثا. أما الصعيد الثاني فهو التحضير المسبق لعملية الاسترداد، إذ أن وجود آليات وطنية للرقابة والمحاسبة المستمرة لإنفاق الأموال المستردة من شأنه أن يعزز مكانة الدولة اللبنانية في أي مفاوضات مع جهاتٍ دولية حول هذه المسألة، تجنباً لاحتمال إخضاعها لوصاية المؤسسات المالية الدولية وما قد يترتب على ذلك من انتهاكات لسيادة الدولة.

ثالثاً، يجب ألا نتوهم بأن استرداد الأموال المنهوبة قد يمثل يوماً الحل السحري لأزمات لبنان الاقتصادية والمالية والاجتماعية وغيرها من الأزمات المتراكمة. فكما تبين بوضوح مما تقدم أن عملية الاسترداد ليست يسيرة، إذ قد تستغرق سنينا طويلة وقد لا تنجح في استرداد أكثر من نسبة ضئيلة من مجمل الأصول المنهوبة. ورغم أن مطلب استرداد الأموال هو مطلب محق ويجب تلبيته دفاعاً عن الحق العام وردعاً للمزيد من النهب والسرقات، إلا أنه لا يمكن بناء برنامج اقتصادي إصلاحي على فرضية إيرادات الأموال المستردة. الإصلاح الجذري والشامل للبنية السياسية-الاقتصادية التي تشكلت على مدى عقود يتطلب إجراءات جريئة وعميقة تهدف إلى استحداث بنية جديدة مبنية على مبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية. لقد سبق وأشرنا في مقالات سابقة إلى الإصلاحات التي نرى أنها واجبة، بدءا من الإصلاح الجذري للنظام الضرائبي إلى وضع شبكة أمان اجتماعي شاملة مرورا بالتصدي لممارسات القطاع المصرفي الريعية وسياسات المصرف المركزي. إن سياسية استرداد الأموال المنهوبة سوف تشكل جزءا بسيطاً من فسيفساء البرنامج الإصلاحي المطلوب، ولكنها تبقى رغم ذلك جزءاً جوهريا في مشروع بناء الدولة المدنية العادلة.