إن الأزمة المالية التي كانت تلوح في الأفق منذ سنين طويلة قد وصلت ذروتَها مؤخّرا مع البيان الذي صدر عن جمعية المصارف في 17 تشرين الثاني، والذي فرض قيوداً على المودعين مفادُها حجز أموالهم ورواتبهم خلافاً للقانون. وجاءت هذه القيود نتيجة تهرب مصرف لبنان من مسؤولياته، إذ قرر ألا يتخذ التدابير اللازمة في هذه المرحلة الحرجة وأن يغضّ الطرف لا بل يتواطأ مع ممارسات المصارف التي هي بمثابة "كابيتال كونترول" مُخَصخَصة ومتفاوتة التطبيق، حيث تخضع حسابات عامة الناس للقيود الصارمة بينما استطاع كبار المودعين أن يقوموا بتحويل مبالغ قيل إنها بلغت 800 مليون دولار إلى الخارج ما بين اندلاع الانتفاضة و7 تشرين الثاني، أي في فترة إغلاق المصارف.

من أهم تجليات هذه الأزمة التي أوصلتنا إلى مرحلة فرض القيود على الودائع، تراكم الدين العام (إلى حدّ أن كلفة خدمته وصلت إلى 40% من نفقات الموازنة)، وبروز نقص فادح للسيولة في القطاع المصرفي، ما أدى إلى مخاوف جدية من انهيار شامل في النظام المالي وإفلاس الدولة، يُضاف إلى ذلك شبح هبوط الليرة اللبنانية. وعلى هذه الخلفية، نهدف في هذا المقال إلى تعليل بعض جذور الأزمة التي تراكمت على مدى العقود الماضية، وتبيان ترابط البنية الاقتصادية-السياسية المتمثلة بالاحتكارات بالنظام المالي القائم وتفاعلهما لاستحداث الأزمة المرتقبة. فالأزمة ليست وليدة اللحظة، بل نتاجُ هذه البنية التي تأسست وترسخت منذ التسعينيات، وبالتالي يتطلب التصدي لها تغييراً جذرياً في الهيكلية السياسية والاقتصادية.

 

أسس النظام المالي اللبناني: "دوغما" تثبيت سعر الصرف ودولرة الاقتصاد

كما يشير هشام صفيّ الدين، أستاذُ تاريخ الاقتصاد السياسيّ العربيّ الحديث في جامعة كينغز كوليدج، لندن، النظام المالي اللبناني الذي تأسس بعد انتهاء الحرب الأهلية وتسلُّم رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري للحكم هو مبنيٌ أساساً على "دوغما" التثبيت المطلق لسعر الصرف، أي التزام البنك المركزي بسعر محدد لليرة مقابل عملة أخرى (الدولار)، مهما كلف الثمن من تداعيات للوضع الاقتصادي في البلاد أو للقطاعات المنتجة. وتعتمد هذه السياسة على اقتراض مصرف لبنان بالعملات الأجنبية من المصارف المحلية كي يحافظ على الاحتياطات اللازمة للدفاع عن سعر الصرف الرسمي، الأمر الذي يقيّد قدرته من التحكم المستقل بالسياسة النقدية في البلاد، وله أيضا تداعيات واسعة على القطاعات المنتجة، كما سيتبلور بوضوح عندما نتناول مسألة فرق الفوائد وتركز رأس المال في الاقتصاد اللبناني.

وتترتب على هذه السياسة ظاهرة ثانية ألا وهي مديونية الدولة. فيشير وزير المالية السابق جورج قرم إلى أن مصرف لبنان قد استخدم سندات الخزينة على مدى السنين الماضية كأداة لتحقيق أهدافه النقدية وتحديداً للدفاع عن سعر الصرف، الأمر الذي تمّ على حساب سلامة ميزانيات الدولة. فبهدف التحكم بالكتلة النقدية في الليرة اللبنانية (monetary sterilisation)، كثيراً ما ذهب المصرف المركزي إلى إصدار سندات الخزينة يفوق عددها عن حاجة الدولة الفعلية للاقتراض. وبالرغم من أن الاستدانة يُفترض أن تتم وفقاً لتعليمات وزارة المالية، إلا أن قرم يؤكد أن المصرف المركزي تصرف خلافاً لهذه التعليمات وأصدر سندات خزينة إضافية لتحقيق أهدافه النقدية. فيشير على سبيل المثال إلى عهده كوزير، حيث وجّه تعليمات لتجديد 80% فقط من سندات الخزينة المستحقة (matured bonds) وتم تجاهله. فقد قام المصرف بتجديد جميع السندات المعنية رغم التعليمات الواضحة. ويدلّ هذا المثال على إشكالية بنيوية جوهرية، وهي أن جميع السياسات المالية والاقتصادية المتبعة تخضع في نهاية المطاف لأولوية تثبيت سعر الصرف، التي باتت بمثابة دوغما مقدسة تحكم جميع السياسات الأخرى ولا يجوز المساس بها مهما كانت تداعياتها.

 

الأرباح الريعية في ظل فرق الفوائد

وعلى هذه الخلفية، فإن النظام المالي اللبناني قائمٌ على وجود فرق شاسع في الفوائد بين الودائع بالدولار والودائع بالليرة. وكما يؤكد صفي الدين وجورج قرم وغيرهم من الخبراء الاقتصاديين، لقد حفّزت هذه الظاهرة المضاربات المالية والممارسات الريعية على حساب الإنتاج المفيد في الاقتصاد. فهي مكّنت القطاع المصرفي برمته من الاقتراض بالدولار بفوائد معتدلة وإعادة توظيف هذه الأموال بسندات خزينة بالليرة اللبنانية، مع ضمان إعادة تحويل الأرباح إلى الدولار بفضل تثبيت سعر الصرف، مما أدى إلى أرباح طائلة غير مرتبطة بأي إنتاج أو استثمار حقيقي، بل هي بمثابة تحويلات مباشرة من المال العام إلى المصارف الخاصة.

هنا يتجلّى أحد أوجه التناقض في السياسة المالية المرتكزة على ظاهرتيْ تثبيت الليرة ومديونية الدولة: فلا يوجد أي مبرر واضح لفارق الفائدة بين العملتين، طالما أن المصرف المركزي ملتزم بسعر صرف ثابت. فلو كان سعر الصرف متحركاً (floating)، لكان الفارق مفهوماً، إذ قد تُعتبر الودائع بالليرة أكثر خطورةً من الودائع بالدولار وبالتالي تتطلب فوائد مرتفعة نسبياً. لكن طالما أن البنك المركزي قائم على سياسة تثبيت مطلق، فيُفترض في الظروف العادية أن تكون الودائع بالعملتيْن شبه متوازية. وتُعرف هذه الظاهرة، أي ظاهرة بروز فارق بالفوائد في ظل سياسة تثبيت لسعر الصرف، بإشكالية البيسو (the peso problem) نسبةً للعملة المكسيكية التي واجهت هذه الإشكالية لسنين طويلة قبل قرار الاعتزال عن سياسة التثبيت في العام 1976 والانهيار لقيمة البيسو الذي أعقب ذلك. وتظهر هذه الإشكالية عندما يستشعر السوق المالي بأن سياسة التثبيت تفتقر إلى المصداقية أو أن سعر الصرف لا يعكس الإنتاجية الفعلية للاقتصاد المحلي. فمن المحتمل أن يضطر المصرف المركزي أن يتخلى عن هذه السياسة عاجلا أم آجلا نتيجة الضغوطات النقدية، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الفوائد على الودائع بالعملة الوطنية لتعكس الخطر المتمثل باحتمالية التخلّي عن سعر الصرف وهبوط قيمة هذه العملة. وبالفعل، فقد قام مصرف لبنان بتقويض سياساته المالية من خلال تحفيز "دولرة" الاقتصاد والتشكيك بسعر الصرف الذي هو نفسه ملتزم بتثبيته. فمثلاً حتى العام 2001 فرض احتياطيات إلزامية مقابل ودائع المصارف بالليرة اللبنانية، في حين كانت ودائع الدولار مستثناة من هذا الشرط، الأمر الذي يُعتبر تشكيكا بقيمة الليرة ويحتّم فرض فوائد مرتفعة عليها.

وأتت هذه الأرباح الفاحشة في القطاع المصرفي على حساب القطاعات المنتجة في البلاد، لعدة أسباب. أولاً، لأن فائض رأس المال الناجم عن سياسات الاستدانة المتواصلة غالباً ما يذهب في المضاربات العقارية التي سببت ارتفاعا مريعا في أسعار العقارات والإيجارات، الأمر الذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، بحيث تصبح المنتجات اللبنانية أقل تنافساً في الأسواق المحلية والعالمية. وثانياً، لأن الفوائد المرتفعة ذاتها تلعب دوراً سلبياً واسعاً في مجال الاستثمار، إذ تصبح بفعلها الاستثمارات في النشاطات المنتجة مكلفة وخطرة، بحيث يُشجَّع صاحب رأس المال بألا يستثمر في الاقتصاد المنتج بل يضع فائض أرباحه في ودائع المصارف كون العائدات المرتفعة مضمونة بسبب ثنائية تثبيت سعر الصرف والفرق في الفوائد.

وحصيلة هذه السياسات أن قيمة الودائع في المصارف اللبنانية ارتفعت من 180% من الناتج المحلي في العام 1992 (وهي قيمة أصلاً مرتفعة جداً بالمقارنة مع الدول الأخرى) إلى حوالي 350% من الناتج المحلي في العام 2014، بينما تراجعت حصة قطاعات الصناعة والزراعة من الإنتاج المحلي بنسبة 3% سنوياً في فترة ما بين 1993 و2011. بالتوازي، لم تعُدْ سياسات الاستدانة المتراكمة مستدامة: فالدولة غير قادرة على خدمة ديونها بالفوائد المرتفعة، بينما العجز في ميزان المدفوعات (أي دخول الأموال إلى لبنان مقابل خروجها) الذي نجم مؤخراً عن الركود الاقتصادي يتهدد بانهيار النظام المالي "المدولر" الذي يعتمد جوهريا على تدفق الدولارات إلى الأسواق اللبنانية. وبرأينا، فإن الأزمة المرتقبة هي النتاج شبه المحتم للسياسات النقدية والاقتصادية المتبعة منذ تسعينيات القرن الماضي، وكان لا بد من مواجهتها عاجلاً أم آجلا. فعلى هذين الصعيديْن المترابطيْن (أي الدين العام وأزمة الدولار) تكمن مخاطر الأزمة النقدية الحادة، والمطلوب الآن اتخاذ إجراءات طارئة وحاسمة لتجنب الانهيار الشامل.

 

اقتصاد ريعي؟

كثيراً ما يوصف الاقتصاد اللبناني بأنه اقتصاد ريعي، والمقصود بذلك أنه قائم على استغلال مصادر دخل محدودة وناجمة عن ملكية الأصول من دون زيادة أي قيمة مضافة من خلال الإنتاج الحقيقي. ويتبين مما تقدم أن هذا الوصف في محله، أو على الأقل أن الاقتصاد اللبناني الخدماتي تتغلغل فيه عناصر ريعية. فهذه البنية الاقتصادية التي تمحورت حول الاستدانة والمضاربات المالية لم تأتِ بإنتاج مفيد، بل العكس. فكما أشرنا، إنها أدت إلى تقويض القطاعات المنتجة في البلاد، بينما تراكمت الأرباح المتضاعفة الناجمة عن الملكية دون أكثر.

 

دور الاحتكارات في تركُّز رأس المال

لكن، وكما يؤكد صفي الدين، المضاربات المالية والعقارية التي تفاقمت مع سياسات مصرف لبنان النقدية لم تخرج من العدم، بل كانت بحاجة إلى رساميل ضخمة لتغذيتها. ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأنها أتت نتيجةً لتركّز رأس المال في البلاد وليس سبباً له. بالتالي يتوجب التساؤل عن العوامل التي سببت هذا التركز وفتحت المجال لإعادة توظيف فوائض رأس المال في القطاع المصرفي على النمط الريعي الذي أشرنا إليه. وهنا نرى أن الاحتكارات الاقتصادية والوكالات الحصرية لعبت دوراً مهماً في هذا المجال، إذ إنها ولدت أرباحاً ريعية تركزت في أيدي طبقة أوليغارشية صغيرة. ويُضاف إلى ذلك ظاهرة تغلغل هذه الطبقة بالقوى السياسية الحاكمة، ما منحها تغطية سياسية واضحة وهامشا واسعا من حرية التصرف.

لكي نتفهم حجم الإشكالية، من المفيد أن نتناول بعض المعطيات التي تعطي صورةً لدرجة احتكار الأسواق اللبنانية. فالدراسة الأشمل التي تطرقت لهذه المسألة بالتفصيل هي تلك التي ترأسها الخبير الاقتصادي توفيق كسبار بطلب من وزارة الاقتصاد (التي بدورها خضعت لضغوطات من الاتحاد الأوروبي للتصدي لهذه الإشكالية) تحت عنوان "المنافسة والسوق اللبنانية"، والتي صدرت في العام 2003. تناولت هذه الدراسة 288 سوقاً و 7029 شركة. ورغم أن الأرقام ربما قد تغيرت منذ ذلك الحين، إلا أن التركيبة البنيوية للأسواق بقيت كما هي. بهدف الإيجاز، سنكتفي هنا بعرض بعض الإحصاءات الملفتة للنظر والتي تعكس فداحة العبء الذي يتحمله الاقتصاد بفضل الاحتكارات.

على سبيل المثال، وجدت الدراسة أن 52% من الأسواق اللبنانية يمكن اعتبارها احتكارية، بحيث تهيمن عليها إما 5 شركات أو أقل، وتحتكر نسبة 60% من المبيعات والأرباح. ويستنتج تقريرٌ للبنك الدولي لعام 2006، استناداً إلى هذه المعطيات وغيرها، أنَّ ما يسميها الأرباح الريعية الناجمة عن الاحتكار في الأسواق اللبنانية (أي الأرباح الناتجة فقط من استغلال موضع الاحتكار، من خلال رفع الأسعار وإلخ، لا مجمل أرباح الشركات المحتكرة)، تصل إلى نحو 16% من إجمالي الناتج المحلي. وبحسب تقديرات مصرف كريدي سويس لعام 2013، فإن تقريباً نصف الثروة الوطنية، المُقدّرة ب91 مليار دولار، مركزة بأيدي 8,900 شخص فقط.

أما بالنسبة لقطاعات محددة، فشركة واحدة تحتكر 95% من سوق استيراد الغاز المنزلي، وثلاث شركات تحتكر مجمل سوق الإسمنت في لبنان، وهي "هولسيم" و"السبع" و"ترابة سبلين"، حيث كما يشير ناصر الأمين في جريدة الأخبار، قد تمكنت هذه الشركات من مضاعفة سعر مبيع طن الترابة في السوق المحلي من63  دولار في 2005 إلى 110 دولارات في العام 2016، دون أن ترفع أسعار ما تصدره إلى الأسواق الخارجية، حيث بقي سعر التصدير الوسطي 70 دولار للطن عام 2015، أي أفضل من السعر في السوق المحلي بنسبة 36%.

قد نطول في حديث مُفصّل حول الاحتكارات والغوص في الأرقام، لكن ملامح الصورة العامة قد ارتسمت بوضوح: فالاحتكارات مستحوذة على الاقتصاد اللبناني بشكل شامل ومريع. وهذه الظاهرة مكّنت الشركات والأفراد المستفيدين أن يحققوا ارباحاً فاحشة على مدى عقود، من خلال استغلال موضعهم في السوق للتحكم بالأسعار وفرض شروط للاستيراد والبيع وغيرها من الممارسات الريعية، أي من دون إنتاج أي قيمة إضافية حقيقية في الاقتصاد. وتركُّز رأس المال الذي نجم عن هذه الممارسات بدوره فتح المجال لضخ الفائض في القطاع المصرفي بالطريقة التي سبق وأشرنا إليها، أي من خلال استغلال تثبيت سعر الصرف والفرق بالفوائد لتحقيق أرباحٍ إضافية هي بمثابة تحويلات من المال العام إلى جيوب الطبقة الأوليغارشية. وهنا نستشف تفاعُل وترابط السياسات النقدية مع البنية السياسية-الاقتصادية، التي استحدثت علاقة تكافلية مرتكزة على ممارسات الريع بين المصارف والقوى الاقتصادية.

 

الوكالات الحصرية

يجدر الانتباه إلى أن نظام الوكالات الحصرية، الذي أنشأ منظومة احتكارات "مقوننة"، ساهم في إيجاد هذه البنية الاقتصادية التي خنقت الاقتصاد منذ عقود. وتغطي الوكالات الحصرية كافة القطاعات الصناعية في لبنان. فبحسب الصحافية الاقتصادية في جريدة الأخبار مايا سماحة، يتبين من البيانات التجارية أن عقود الوكالات الحصرية تشمل "الألبسة والأقمشة والأحذية، الساعات، الأدوات الكهربائية والالكترونية، الأجهزة والمعدات الطبية، الأدوية والمستحضرات الصيدلانية، أدوات ومستحضرات التجميل، الغالات والأقفال، السيارات وقطع الغيار والأكسسوارات والزيوت، الإطارات، المبيدات، المعدات الصناعية، المنتجات العسكرية، القرطاسية واللوازم المكتبية، المفروشات، البلاط والسيراميك، الأدوات المنزلية، الفضيات والكريستال، الأدوات الصحية، الأجهزة الرياضية ومعدات اللياقة البدنية، جميع لوازم الأطفال، الألعاب، استثمار أشرطة الفيديو" وغيرها من الأسواق.

وتوفّر الوكالات الحصرية حماية قانونية وإدارية للتجّار، ما يمنع دخول منافسين في السوق لاستيراد أو توزيع السلع التي يغطيها عقد التمثيل. واللافت أن قانون الوكالات الحصرية لا يمنع الشركات أو التجار من الحصول على عقود تمثيل حصرية لعدة ماركات في نفس السوق، الأمر الذي يفسح المجال لهيمنة شخص واحد أو شركة واحدة على قطاع كامل والتحكم بالأسعار بحماية الدولة والقانون.

يُلاحظ أيضا أن نظام الوكالات الحصرية خضع تاريخياً لمنطق المحاصصة الطائفية. فقد أصبحت الوكالات إحدى ساحات الحسابات السياسية بحيث يتوجب الحرص على "توازنات" عقود التمثيل التجاري. وتدل هذه الظاهرة على مدى ترابط النظام السياسي الفاشل مع البنية الاقتصادية الفاشلة، وبالتالي على ضرورة التصدي للنظام السياسي كشرطٍ للإصلاح الاقتصادي الفعّال.

 

الخاتمة: ضرورة التشريع في سبيل التغيير الجذري

رغم التهليل الذي اعتدناه "لانفتاح" و"ليبرالية" الاقتصاد اللبناني، خصوصاً بالمقارنة مع دول الجوار، إلا أن بعد التمعن بالتفاصيل ترتسم صورة غير ذلك تماماً، فيبدو الاقتصاد رهينَ طبقة أوليغارشية مستحوذة على العديد من القطاعات، في الغالب بالتواطؤ مع القوى السياسية، إما عن طريق الاحتكار "المقونن" المتمثل بالوكالات الحصرية أو بسبب تغلغل الشخصيات السياسية بالعمل الاقتصادي. والنتيجة أنه تم ضخ الأرباح الريعية الناجمة عن سياسات الاحتكار في القطاع المصرفي لمضاعفتها مجدداً من خلال الاستغلال الريعي لسعر الصرف والسياسات النقدية، ما أدى إلى إغناء هذه الطبقة الصغيرة بطريقة فاحشة على حساب عامة الناس والإنتاج المفيد في الاقتصاد، وأوصل لبنان بنهاية المطاف إلى حافة الانهيار.

على المدى القصير، يجب اتخاذ إجراءات شاملة وفعالة: من ضمنها فرض إطار قانوني منصف للكابيتال كنترول، رفع سقف ضمان الودائع، فرض ضرائب على المصارف وكبار المودعين، شطب أو إعادة هيكلة ديون الدولة، والتحرر تدريجياً من تثبيت سعر الصرف ودولرة الاقتصاد. لكن يجب أن ترافق هذه الإجراءات تشريعات طارئة لوضع شبكة أمان اجتماعي واسعة النطاق، تشمل التغطية الصحية الشاملة والتعليم المجاني وضمان السكن، بحيث تكون الحاجات الإنسانية الأساسية مضمونة في حال هبوط الليرة في سيناريو شطب الديون.

أما الإصلاح الاقتصادي الجذري فيتطلب تغييراً شاملاً في البنية الاقتصادية-السياسية التي ترسخت منذ التسعينيات، بدءا بتغيير نهج السياسات النقدية لمصرف لبنان ومروراً بالتشريع لقانون منافسة عادل وتعديل قوانين الوكالات الحصرية وفرض نظام ضرائب تصاعدي ومنصف. في هذه الظروف الحرجة، الحلول السطحية لن تنقذ البلاد من الأزمة، وقد لا تنجح حتى بتأجيلها. لا بد من المضي على درب الإصلاح الجذري، تجنباً للانهيار الشامل وتلبية لصرخة الشعب المدوية في الساحات والمعبرة عن سأم واضح من التركيبة السياسية-الاقتصادية التي خذلتهم.